التصوّف بنكهة إفريقيّة

التصوّف بنكهة إفريقيّة

التصوّف بنكهة إفريقيّة

نصوصٌ صوفيّةٌ بلغاتٍ إفريقيّة

لميس فايد

 

لا شكّ أنّ خير ما يعبّر عن الثقافة الدينيّة المحليّة للشعوب الإسلاميّة على امتدادها الواسع من سواحل المحيط الهادي حتى إندونيسيا ماليزيا هو التصوّف، بكلّ ما فيه من مفردات ومعاني وظواهر فنيّة، يتجلّى فيها روح المكان، ومزاج قاطنيه. وللأسف الشديد لم يلق التصوّف في إفريقيا السمراء أو جنوب الصحراء الاهتمام الكافي من قبل الباحثين على مستوى العالم اللهمّ إلّا بعض العلماء الغربيّين ممّن كرسوا وقتهم وجهودهم لجمع التراث الصوفيّ غير العربيّ المكتوب منه والمتوارث شفهيًّا.

 لعلّ من أصعب المشكلات التي تواجه الباحثين في الثقافة الإفريقيّة بشكل عام هو إنّها ثقافة “شفهيّة” متوارثة وغير مكتوبة إلا في الآونة الأخيرة. وهو ما عبّر عنه الكاتب والقاص والروائيّ الكبير أمادو هامباته با (1901-1991) من دولة مالي قائلًا: ” وفاة عجوز في افريقيا تعادل حرق مكتبة كبيرة”[1]، ولا يختلف التصوف كثيرًا في هذا الشأن. إلّا أنّ هذا لايعني اختفاء التصوّف من الذاكرة الثقافية الدينيّة للشعوب الإفريقيّة التي اعتنقت الإسلام، فهناك تراث هائل من البربر، والفولاني، والهوسا والسواحلية والهراري حفظ الروح الصوفيّة الإفريقية.، وإن كُتِب بالحرف العربي وظل الأدب العربي نبع الإلهام له.

لا يزال الغموض يكتنف أصل ومصدر هذا الأدب الإفريقي الصوفيّ. والبعض منه يصنف كآداب غير إسلاميّة وان غلبت على فكره عناصر العالم الدينيّ الإسلاميّ. ولكن ينسب الفضل إلى P.Cachia  في تقسيم الأدب العربيّ إلى صنفين: الأدب الرسميّ والأدب الشعبيّ. وللأسف لا يعبر الأول مخاوف وموضوعات وأمال الشعب في افريقيا، فكانت الحاجة ملحّة لظهور مثل هذا الأدب العربيّ الشعبيّ الإفريقيّ. وظل الأدب العربيّ واللغة العربيّة محصورين على النخبة في الشعوب الإفريقيّة. هذا الأدب المكتوب “بعربية فجة” هو الأكثر التصاقًا بالجماهير، يشتمل على أبيات شعر مطولة، وموضوعات افريقية تقطعها آيات القرآن في بعض الآحيان، مثل سير بين هلال وصيف ذي يزن.

ويرى المؤلف أنّ أدب الملاحم الشعبية قد ولد من رحم الطرق الصوفيّة في مصر على وجه الخصوص دون تبيان المصادر التي استند عليها في تلك الرؤية. ولكن دون شك من المعروف أن السير التي كان يغنيها المداح على الربابة تمتعت بحضور خاص في الموالد الصوفيّة. وغلبت موضوعات بعينها في الأدب الصوفيّ الإفريقيّ منها قصة آدم وحواء، سيدنا إبراهيم عليه السلام والنمرود، وموسى وفرعون، ويوسف وخلافه. ولعل المقارنة بين مثل هذه الملاحم الشعبيّة المصرية وما ورد في الأدب السواحلي تستحق الدراسة.

ورغم هذا تظل ملاحم الأدب السواحلي بعيدة عن الأدب العربي كليًا. أكثر ما غلب على موضوعات التصوّف في افريقيا هو الموت، والملاك عزرائيل، وصدور الأمر الإلهي في انهاء حياة الإنسان، وكذلك الأدب الذي عالج سيرالملوك القدامي مثل فرعون، النمرود، وكسرى، واسكندر الأكبر. وأكثرها حضورًأ كان الحديث باستفاضة عن ثروة فرعون في مصر وشمال افريقيا، وماتركه ورائه من كنوز يكتشفها صاحب الحظ القادر على فك النقش: “عندما تجد هذا.. تذكّر أنّي كنت يومًا بين الأحياء”. كذلك وجدت ترجمات للقصائد المطولة مثل البُردة للبوصيريّ بالفولانيّ والسواحليّ. وكذلك العمل الفولانيّ ” معراج نامه” والذي احتفظ بالعنوان الفارسي وهو أمر غريب، إذ كيف وصل إلى غرب إفريقيا؟ ومن أين؟

 يمتلك الأدب السواحلي أكثر من ست نسخ للمعراج، لم يتعرف على أصل أي منهم. كما حلّت عناصر أخرى في الشعر الشعبيّ الدينيّ مثل وصف مناظر الجنة، الذي سمحت السلطة الدينيّة بتداولها، لتساهم في نشر الأفكار الدينيّة الإسلاميّة وسط طبقات الشعب الدنيا. ورد فيها وصف الجنة أشبه بجنان ملكيّة، وقصور فاخرة، وامتطاء الجياد التي كانت وسيلة التسلية المفضّلة في الشعر السواحليّ والفولاني.

وغلب عنصر خلق العالم على الشعر الدينيّ فوصف خلق الله للأرض في كلّ من الفولاني والسواحلي رغم ما يفصل بينهما من 3000 ميل بامتداد مابين شرق وغرب القارة. ترك الإسلام أثرًا غائرًا في مخيّلة الشعراء جعلهم يستفيضون في وصف خلق الله وإرادته لإبراز الجمال للإنسان.

قراءة في مقال الأدب الفولانيّ

تشير الفولاني إلى شعب الفولاني ولغتهم الفولار وبعض بطونهم يعرفون بالتوكلور، ويفتخر الفولاني بلغته ويعتزّ بها. تلك اللغة التي أرهقت علماء اللغة الغربيّين في محاولة تصنيفها ودرساتها. وهي تنتمي إلى لغات غرب الأطلنطيّ، وترجع أصولها إلى أقاصي غرب افريقيا وامتدت إلى حزام السافانا وفي الكاميرون. يحترفون الرعي ورؤوس أموالهم الماشية، لذلك كان التراث الشفهيّ هو الغالب نظرًا لكثرة تحركاتهم. 

من غير المعلوم تمامًأ كيف اعتنق الفولاني الإسلام؟ ولكن أغلب الظن هو عن طريق الرعي واعتناق الأفكار الإسلاميّة على امتداد فترة طويلة، والإبقاء على ممارسات شبه إسلاميّة مثل الطلاسم، التي تعمل بآيات من القرآن، فضلا عن وجود الكتاتيب حيث يعلم القرآن واللغة العربيّة والتفسير.

بدأت حركات الإصلاح مع منتصف القرن الثامن عشر مع انتعاش “الجهاد” وانتشار غزوات الفولاني لمناطق الجوار. وكان أشهر قادة الفولاني هو “عثمان بن فودي” والذي اشتهر باسمه الهوسي وهو ” فوديو” وعرف نفسه” المامي ” أي “الإمام” في شمال النيجر حاليًا.  ثمّ تمّ تنصيبه كـ”خليفة” وأسّس عاصمته في صكتو شمال غرب نيجيريا. كان قائدًا وعمل بالكتابة والتأليف وألف باللغة العربيّة والفولاني المحليّة. استمرت خلافته ما يقرب من مائة عام حتى 1903 وسقطت عند غزو بريطانيا للمنطقة ليبدأ التاريخ الحديث. 

لعل أقدم نصوص الفولاني الإسلاميّة هي التي كتبها عبد الله شقيق عثمان بن فودي، الذي كان مفكرًا وألف كثيرا من أعماله باللغة الفولانيّة، حتّى يتمكن السكان المحليين من فهم أساسيات الإسلام والعقيدة والواجبات، فكان يكتبها لرجال الدين المحليين ليخطبوا في الشعب الفولاني الأمّيّ في غالبيته. وكان “موحمدو توكور” هو أول من كتب شعرًا فولانيًأ بالحروف العربية، ويعده السكان المحليين بمثابة “وليًّا” ولازال ضريحه مزارًا في جنوب شرق صكتو.

ولازال غناء هذا الشعر حيًّا وسط الفولاني، ويستدعي الشحاذون رجالًا ونساءً وأغلبهم كفيفون لبيوت الأثرياء لإنشاد الشعر الدينيّ في الساحات مقابل أجر زهيد. وهناك طائفة أخرى من المنشدين المحترفين يجري طلبهم في المواسم مثل عاشوراء أو عند انتهاء أحدهم من الدراسة الدينيّة. جميعها أناشيد دينيّة وعظيّة تحذر السامعين من اهمال العبادات، واغواءات الدنيا، والتعامل مع الكفار. ويتخلل بعضها تصوير الحجّ بصور شعريّة بالغة الرقة، وكذلك الأنبياء مثل الخضر و”المسيح” مسيح المستقبل الآتي وهو “المهديّ”. وأخرى تصور البعث بعد الموت وحساب النار للعصاة والصالحين يقودهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبواب الجنة.

وللأسف الشديد مثل هذه الفنون معرضة للاندثار، خصوصا مع موت المنشدين الكبار المسنّين. والمصير نفسه ينتظر مخطوطات السواحلي في شرق افريقيا، فقد فقدت للأبد.  يمثّل مُحمدو شامبا موبيا (1765-1850) أشهر شعراء الفولاني وأشهر أعماله هي: أوجيردا مالال ” نبع السعادة الأبديّة” استعرض فيه الفقه بشكل شعريّ، يعد صعبًا على المتلقي البسيط لاحتشاده بالمفردات العربيّة. وأخيرًا قصيدة البُردة للبوصيريّ وترجمها شيخ عبدو سيدو سعدو، وقسّمها إلى 23 مقطع وكانت تنشد من الليل حتى طلوع الفجر.

Jan Knappert

Berber, Swahili, and Other African Languages

صدر في

Islamic Spirituality Manifestations, edited by Seyyed Husain Nasr, 1991,

New York

 

 

[1] Amadou Hampâté Bâ, Jäger des Worts< Eine Kindheit in Westafrikam Wuppertal 1993, Peter Gammerm p. 289-292

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!