بدايةُ الاستشراق – أخذٌ وردٌّ

بدايةُ الاستشراق – أخذٌ وردٌّ

بداية بالاستشراق.. أخذ ورد

د. عبدالسلام حيدر

 

قرأت أخيراً مقالة “الحركة الاستشراقية بداية ومآلاً” للدكتور رضا محمد الدقيقي، ويا له من اسم! ورغم أنني لا أهتم كثيرا بالجدالات وأهرب منها هروبي من أبرص مجذوم إلا أنني قلت لنفسي “هذه لن تمر دون تحية!”. الكاتب مشكوراً عرض للمفهوم وهذا لا أختلف معه فيه، فالاستشراق تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على تيار فكري غربي يهتم – لأسباب كثيرة – بالبحث في لغات الشرق وثقافته وتاريخه. وقد أسهم بحظ وافر في صياغة التصورات الغربية عن الشرق الإسلامي خاصة.

وعندما تحدث عن بداية الاستشراق قدم لنا عدة نقول ثم علق عليها قائلاً:”في رأيي أننا إذا أردنا أن نحدد بداية زمنية للحركة الفكرية الاستشراقية المتجهة لدراسة الإسلام وحضارته؛ وجدنا أنه من الصعب أن نقدم سنة معينة يجزم الباحث أنها شهدت تلك البداية؛ وذلك لأن الاستشراق ليس قرارا لحظيا يتخذه القائمون به فينشأ لديهم من فورهم اهتمام بالشرق أو بالإسلام؛ وإنما هو كغيره من أنشطة الفكر الإنساني يستغرق وقتا طويلا حتى تتضح أوجه الحاجة إليه”. وهذه هي النقطة التي أريد مناقشة الكاتب فيها.

لا ريب أن الاهتمام الغربي بالشرق قديم جداً، ويمكن لمن يريد العودة به إلى أيام الإسكندر الأكبر وربما قبله! وعندئذ سيكون الفلاسفة اليونانيين مجرد مستشرقين قدامى وأغلبهم درس في مصر وبابل، وأرسطو كانت تنهب له مكتبات الشرق وتبعث مع العبيد حتى أثينا. ورغم ذلك من الناحية العلمية لا يعد هذا استشراقاً ولكن تراثا له. وسأوضح سبب هذا الحكم كما يلي:

لكي يكون لدينا علم جديد يختص بمجال معين، فلابد من تحقق عددا من الشروطالضرورية لقيام هذا العلم مثل أن يكون هناك اعتراف بوجود ظاهرة قابلة للملاحظة وتستحق الدراسة،وأن توجد مناهج – يمكن تطويرها – لدراسة هذه الظاهرة المرصودة، وأن يوجد أشخاص مؤهلين– نوعا ما – لدراسة هذه الظاهرة التي تمت ملاحظتها،وأن تكون هناك مؤسسات ترعى هذا العلم الجديد وتحافظ على استمراريته، وأن توجد كذلك دوريات ودوراللنشر تنشر الدراسات المتخصصة لهذا العلم الجديد.

منذ ظهور الإسلام وهناك شعور غربي بضرورة دراسة هذا الدين الجديد. وهذا ما يبرر وجود تقارير بيزنطية عن ظهور النبي (ص). وبعد فتح الشام وقعت المجادلات بين المسلمين والنصارى (يوحنا الدمشقي مثالا). ثم كانت المجابهات الإسلامية المسيحية لمدة قرون في الأندلس وصقلية والشام (الحروب الصليبية). وكذلك ظهور أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية عام 1143م والتي ترجمها الراهب الإنجليزي روبرت أوف كيتون بتوجيه من بطرس المبجل (1092 – 1156م). هذه كلها أعمال فردية متقطعة وغير منتظمة ولا تنطبق على أي منها الشروط الضرورية التي سبقت الإشارة إليها لقيام أي علم جديد ومن ثم تعتبر كلها مجرد إرهاصات أو تراث للاستشراق وأن أهميتها الباقية هي التنبيه لوجود الظاهرة التي ينبغي دراستها.

أما البداية الفعلية التي تنطبق عليها الشروط السابقة فكانت في بداية القرن الرابع عشر، وتحديداً مجمع فيينا الكنسي (1311 – 1312م)، وهو المجمع الذي شهد بوادر تراجع السلطة البابوية أمام صعود الأمم. وكان هذا المجمع معداً لمناقشة مشاكل كثيرة أهمها الدعوة لحملة صليبية جديدة لاستعادة بيت المقدس ومملكة أورشليم الصليبية. وفي المناقشات “اقترح ملك قبرص – هنري الثاني – أن يوجه الجزء الأكبر من الجهد العسكري ضد مصر. أما ملك أراجون – جيم الثاني – فقد استهدف قبل كل شيءغزو مملكة غرناطة”. فكلاهما يريد الحملة لأسباب سياسية تخص مملكته. أما الراهب الكتالوني ريموندس لولوس Lullus (1235 – 1316م) فقد “اقترح أن تبدأ الحملة من القسطنطينية وأن تقوم باكتساح سوريا وتصل إلى مصر. ولكن هدف هذه الحملة هو إعداد توبة الكفار. وتمنى لولوس أن يتم تأسيس كراسي جامعية لتعليم اللغات الشرقية في روما وباريس لاعداد المرسلين القادرين على التبشير في البلاد الإسلامية”. ولأن لم يكن مشروع حملة صليبية جديدا لم يعد مناسبا للعصر ولا متسقا مع الوضع العام. فقد استبدله المجمع بقرار قيل أنه سيفتح آفاقاً تبشيرية ومسكونية جديدة. وكان هذا القرار استجابة وتلبية لطلب ريموندس لولوس بتأسيس كراسي جامعية لتعليم لغات شرقية ثلاث هي العبرية والعربية والسريانية في جامعات أوربا الأربعة: باريس وأكسفورد وبولونيا وسلامانكا، وكذلك في الكوريا الرومانية نفسها (المجامع المسكونية، ص 166). والكوريا الرومانية – لمن لا يعرف – هي الجهاز الإداري والتنفيذي والاستشاري الذي يساعد بابا الفاتيكان على إدارة مهامه المختلفة، ويعتبر البابا نفسه رئيساً لها، وهو من يعيّن أعضائها ويعفيهم. المهم أن الحركة الاستشراقية بدأت كبديل للحروب الصليبية أو أنها كانت مواصلة للحروب الصليبية ولكن بوسائل أكاديمية وأنها انطلقت بباعث تبشيري، وما زال هذا الملمح مستمر حتى الآن. وبعد هذا التاريخ بدأ العمل المنظم في دراسة الشرق تحت رعاية الجامعات وأقسامها المتخصصة. وبدأ الرهبان يكرسون حياتهم وعلمهم الذي يتراكم وخبرتهم المتنامية لدراسة الشرق بغية تبشيره والسيطرة عليه. منذ ذلك أبدى الجانب المسيحي اهتماماً كبيراً بالأسرى المسلمين العلماء الذين خبروا العلوم العربية والإسلامية. ولذا لعب العلماء المسلمين العبيد أو الأسرى دوراً مهماً في تدريس العربية في أوربا اللاتينية بعد قرار مجمع فيينا (الأسرى المسلمون، 3/21). حيث أصبحت دراسة الإسلام والعربية من الشروط اللازمة لتكوين المبشرين المكلفين بالتبشير بين المسلمين.

فاختيار هذا التاريخ المحدد لبداية الحركة الاستشراقية ليس اعتباطياً بل لأن المطالب الضرورية لقيام أي علم تحققت فيه. ولم تتحقق لأي تاريخ آخر قبل مجمع فيينا المسكوني وقراره سنة 1312م بفتح أقسام جامعية لدراسة المشرق ولغاته وثقافته. وهو القرار الذي تمت الاستجابة إليه ونشئت على أثره خمسة أقسام جامعية للدراسة الاستشراقية. لذلك كله لا توجد مشكلة في أن نختار هذا التاريخ المحددللحديث عن البداية الرسمية للاستشراق بوصفه علماً أكاديمياً. أما كون مصطلح الاستشراقOrientalism قد تأخر ظهوره عن قرار مجمع فيينا بعدة قرون فهذا لا يغير في الأمر شيئاً فكثير من العلوم – علم الاجتماع وعلم النفس – قد تغير اسمها أكثر من مرة خلال تاريخها.

المراجع:

(1) بيير كاملو (وزملاؤه): المجامع المسكونية. ترجمة بولس عطا الله. دار شرقيات بالقاهرة 2005.

(2) ب. ش. فان كونينكسفيلد: الأسرى المسلمون في أوربا الغربية خلال القرون الوسطى المتأخرة. صحيفة الحياة في 7 يوليو 1997، 3/21.

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!