الخطاب الصوفيّ الاحتجاجيّ

الخطاب الصوفيّ الاحتجاجيّ

الخطاب الصوفيّ الاحتجاجيّ

في مؤلفات العكريميّ شيخ الطريقة الحسنيّة التونسيّة

بقلم: د. عبد السلام الحمدي

 

اعتمدنا مؤلّفات واحد من مدّعي مشيخة التّربية الصّوفيّة، مدوّنة نختبر بوضعها على بساط التّحليل فرضيّة كون التّديّن الاحتجاجيّ ذا أثر في الخطاب الصّوفيّ، وهو حسن العكريمي الّذي أحوجنا السّعي لرفع الغطاء عن تجلّيات نزعته الاحتجاجيّة إلى أن نأخذ مجموع منجَزاته المكتوبة على محمل الخطاب بضرب من المقاربة السّياقيّة تستوعب مختلف أبعاده الميتالغويّة المنعكسة في أنسجته اللّغويّة، فما تناولناه بمعزل عن أطر إنتاجه الثّقافيّة وحيثيّاته الظّرفيّة، ولا غضضنا النّظر في ذلك عن أحوال منتجه ورهاناته، بل وضعناها كلّها في الحسبان عسى أن تسفر جهودنا التّحليليّة عمّا يجعل الفرضيّة الّتي انطلقنا منها معطى يمكن البناء عليه.

لم نَرَ أنجع من مفهوم التّشكيلة الخطابيّة La formation discursive في إزالة الحجب عن مكامن النّزعة الاحتجاجيّة الّتي ينطوي عليها الخطاب الحسنيّ، فأجرأته تُقدِر على حصر ما يرتبط بتشكيلة اجتماعيّة ما في لحظة تاريخيّة محدّدة من الموضوعات والمفاهيم والصّيغ التّعبيريّة والخيارات الاستراتيجيّة، وهو ما نزعم أنّنا وُفِّقنا إليه بشأن فاعل اجتماعيّ لا نعدّه فردا، وإنّما نعتبره جمعا في هيئة مفرد أو مفردا في مقام جمع، وذلك على أساس أنّه لا يعبّر عن نفسه وحسب إذ يكتب، بل يمثّل جماعة شكّلها بدعوى كونه شيخ التّربية، ويمسك زمامها بأحكام الطّرقيّة، ويوجّه وعيها الجمعيّ بأسلوب تفكيره ومسلكه في التّديّن.

لقد مكّننا استعمال مفهوم التّشكيلة الخطابيّة من تحديد منهجيّ للموضوع الّذي تدور عليه رحى الخطاب في مؤلّفات حسن العكريمي، وهو ما يشير إليه الرّجل بالمركّب الإضافيّ «منهاج النّبيّ»، وإنّما يحيل به على مرجعين في ما تبيّن لنا من تتبّع موارده ضمن تلك المؤلّفات، أحدهما عامّ للمسلمين كافّة، والآخر خاصّ بطائفة منهم، فأمّا المرجع العامّ فالاحتكام إلى القرآن والسّنّة، وأمّا المرجع الخاصّ فثلاثيّة الإسلام والإيمان والإحسان، وعليها مبنى التّصوّف السّنّيّ والمنطق الصّوفيّ الحسنيّ الّذي يقيّد الرّكن الثّالث منها بالرّكنين الأوّلين، ولا يرى فيهما غنية عنه، وفي هذا يكمن الرّابط بين العامّ والخاصّ من دلالة ذلك المركّب.

وأبان تحليلنا لسياقات ذكر الثّلاثيّة الخاصّة والثّنائيّة العامّة، ضمن المدوّنة الّتي نشتغل بها، أنّ للمركّب الإضافيّ «منهاج النّبيّ» مفهوما إجرائيّا عند حسن العكريمي يتمثّل في الانقياد له شخصيّا على اعتباره شيخ التّربية وخليفة الزّمان وإمام الوقت ومجدّد الدّين ومحيي رسومه الّتي يرى أنّها تكاد تندثر على أرض الواقع. وقد قادنا الوقوف على هذا المفهوم الإجرائيّ إلى استنتاج فصّلنا القول في توضيحه، وهو أنّ موضوع الخطاب الحسنيّ انبثق من تموقع ذات المخاطِب داخل الأوساط الصّوفيّة وموقفها النّاقد لأحوال مجتمعها في علاقته بتعاليم الإسلام، كشأن عموم التّيّارات الدّينيّة الاحتجاجيّة كلٌّ على حسب مرجعيّته وفهمه للدّين.

لا ينتهي تمركز الذّات في الخطاب الحسنيّ عند حدود الهويّة الشّخصيّة، وإنّما يتعدّى تلك الحدود إلى دائرة الهويّة الجمعيّة، وقد أبرزنا ذلك في اهتمامنا بصيغة من الأشكال التّعبيريّة لافتة للنّظر، وهي استعمال العكريمي للثّنائيّة التّقابليّة المتكلّم الجمع والغائب الجمع في مجاري الإحالة على الأنا الإسلاميّة والآخر الغربيّ، وقد أوضحنا ما يقترن بمَواطِن هذه الإحالة من إثارة قضايا ظلّ التّديّن الاحتجاجيّ يشدّد عليها حتّى أمست كالرّأسمال الرّمزيّ المميّز له حصرا، وضربنا مثلين منها، هما قضيّة علاقة الدّيمقراطيّة بالسّياسة الشّرعيّة، وقضيّة مرجعيّة الدّساتير.

تطرّقنا إلى تلك الثّنائيّة في معرض بيان شبكة من المقابلات ينبني عليها الخطاب الحسنيّ وتشحذه بالنّفس الاحتجاجيّ، إذ يحتذي فيها المخاطِب أشدّ الأصوليّات الإسلاميّة حدّيّة وجذريّة، وأرجعنا الثّنائيّات التّقابليّة كلّها إلى مقابلة تصنيفيّة إطاريّة بين المعبَّر عنه بـ«حزب الله» والمُحَالِ عليه بـ«حزب الشّيطان»، ووضعنا قارئ بحثنا إزاء الحدّ الفاصل بين طرفيْ هذه المقابلة، وهو الموقف من “الخليفة الإمام”، أي العكريمي ذاته الّذي استخلصنا من كلامه في هذا الخصوص أنّه لا يرى وجها لموالاة الله غير موالاته شخصيّا بوصفه شيخ التّربية والوليّ ولاية عامّة في الأمور الدّينيّة والمصالح الدّنيويّة.

ولئن أتاح لنا تحليل شبكة الثّنائيّات التّقابليّة كشف حالة تمركز الذّات الحسنيّة بدعوى الخلافة، فإنّ تعميق النّظر في تنويعات بعض الأعمال اللّغويّة من صيغ التّعبير أوقفنا على انفعالات تلك الذّات عينها إزاء واقع “الأمّة”، وقد اقتصرنا في سبيل إبراز هذه الانفعالات على سياقات النّداء لإيفائها بالغرض، ولم نتوسّع في الحديث عن وظيفة هذا العمل اللّغويّ من حيث كونه فعلا كلاميّا، وإنّما اكتفينا بإشارة إليها عابرة، لأنّ اهتمامنا اتّجه إلى ما يفيدنا من أمره في تبيّن طبيعة الخطاب لا غير، ولم تتعدّ بُغيتنا في تقليبه تسليطَ الضّوء على موقف الرّفض لأحوال الاجتماع الإسلاميّ الرّاهن من جهة صلته بالمرجعيّة الدّينيّة، وهو موقف ينجلي بعلاقاته السّياقيّة عن النّزعة الاحتجاجيّة في مدوّنة العكريمي.

وقد انعكست تلك النّزعة في شبكة من المفاهيم أقام عليها العكريمي خطابه، وحاولنا أن نستظهرها فألفينا مفهوم الخلافة مركز دائرة ثنائيّات منها عرضناها في شكل جدوليّ ليتراءى انتظامها على محورين متقابلين، هما محور الوحي ومحور الواقع، حتّى يتيسّر توضيح الظّلال الدّلاليّة الّتي تمتدّ، بفعل جدليّة هذين المحورين، حول ذلك المفهوم، إلى حدّ يخرجه عن حدوده الوظيفيّة الطّرقيّة التّقليديّة ويجعله بؤرة نظريّة سياسيّة، إذ تستحيل مشيخة التّربية سلطانا زمنيّا لا مجرّد مرجعيّة روحيّة، وتُنَاطُ بشيخ الطّريقة الصّوفيّة سلطة تنفيذيّة، فضلا عن دوره التّوجيهيّ.

وفي فلك مفهوم الخلافة تدور سائر المفاهيم من غير تلك الثّنائيّات ضمن الخطاب الحسنيّ، وأبرزها ثلاثة تعمّدنا تجليتها لقوّة دلالتها مجتمعةً على ما يلقى ذلك المفهوم من مركزة مقترنة بالنّزعة الاحتجاجيّة، وهي مفاهيم الطّاعة والجهاد الأكبر والجاهليّة المعاصرة، وقد أظهرنا ما أضفى عليها العكريمي من أبعاد تتجاوز الأفق الصّوفيّ إلى مجال الفعل السّياسيّ المعمَّد بفكرة تجديد الدّين، إذ اختزل الهيئة الاجتماعيّة الحاليّة في صورة «الجاهليّة المعاصرة»، ليشحذ «الجهاد الأكبر» بمشروع إصلاحيّ يستهدف تقويض أركانها، حتّى يُقَام على أنقاضها مجتمع الخلافة الّتي يُوجِب طاعتَها في أحكامها السّلطانيّة بحجّة أنّ الانقياد إليها طاعة لله ورسوله.

ولقد اقترن استعمال الخطاب الحسنيّ لهذه الشّبكة المفاهيميّة وتلك الصّيغ التّعبيريّة، في معالجته موضوعه، باستراتيجيّة تطرّقنا إلى بيانها حتّى نستكمل عناصر التّشكيلة الخطابيّة الكاشفة عن نزعته الاحتجاجيّة، فأوضحنا أنّها استراتيجيّة إقناعيّة، وجلّينا مناسبتها للمقام الدّعويّ الّذي يتنزّل فيه منجَز العكريمي وملاءمتها للوظيفة التّأثيريّة والصّيغة الحجاجيّة اللّتين ترتبطان بذلك المقام، ونبّهنا حيث حاولنا تحديد الغرض من هذه الاستراتيجيّة إلى أنّ وراء هدفها المعلَن، وهو إيقاظ الأمّة المحمّديّة ونفع الإنسانيّة قاطبة، غاية مستبطَنة تتمثّل في استقطاب المخاطَبين على قاعدة التّسليم بإمامة المخاطِب.

ولعلّنا لم نجانب الصّواب إذ قادنا تحليل استراتيجيّة الإقناع الحسنيّة إلى استخلاص أنّها تستمدّ قيمتها الوظيفيّة داخل التّصوّف الطّرقيّ من حالة صراع بين مدّعي المشيخة تكون الغلبة فيه للأقدر على التّأثير عبر اللّغة، لاسيّما أنّنا وضّحنا أنّ الخطاب موجّه، في واحد من مستويين تقوم عليهما توليفة تلك الاستراتيجيّة، إلى المخاطَب الصّوفيّ، لكن لم يكن هذا المستوى مشغلنا الأساسيّ بخصوصها، وإنّما كان يهمّنا المستوى الثّاني لصلته الوثيقة بالنّزعة الاحتجاجيّة، وهو الّذي يتوجّه فيه العكريمي إلى كلّ متلقٍّ مهما يكن مذهبه، متصدّيا لما يلاحق المتمسّكين بـ«منهاج النّبوّة» والحريصين على تفعيل «سياسة القدّوس» و«الأحكام الإلهيّة» من الوصم بـ«الغلوّ» و«التّطرّف» و«التّشدّد» و«الإرهاب»، نتيجة عدم فصلهم بين السّياسة والدّين.

وكان الحاصل من استقرائنا لاستراتيجيّة الخطاب الحسنيّ وسائر عناصر تشكيلته الخطابيّة وقوفنا على مزيج فيه من الخلفيّة الصّوفيّة والنّزعة الاحتجاجيّة الّتي حدّدنا مفهومها مسبقا بالاستناد إلى معايير أربعة تمثّل نقاط تقاطع فكريّ بين جماعات “الإسلام السّياسيّ”، وهي: مبدأ شموليّة الإسلام ومناهضة الثّقافة الغربيّة ورفض نمط التّديّن السّائد والدّعوة إلى استعادة الأصل. وهكذا وُفِّقْنا، في ما نحسب، إلى إثبات أنّ مؤلّفات العكريمي تنطوي على تشكلية خطابيّة مركّبة تسمح لنا بالحديث عن وجود “خطاب صوفيّ احتجاجيّ”.

بهذا المآل الّذي أفضت إليه سيرورة استدلالنا على وجود النّزعة الاحتجاجيّة في مؤلّفات العكريمي انفتحت مباحث كثيرة شغلَنا ثلاثة منها بدت لنا أساسيّة لا يمكننا أن نغضّ عنها النّظر، فأمّا المبحث الأوّل فأصول تلك النّزعة، ومن الدّوافع إلى استكشافها غرابة اجتماع المرجعيّة الصّوفيّة والمنحى الاحتجاجيّ في تشكيلة خطابيّة واحدة، ولِمَا أنّه من المحتمل كونها كامنة صلب بنية التّصوّف كما يمكن أن تكون مرتبطة بظرفيّة إنتاج الخطاب الحسنيّ، لم نقتصر في طلبها على وجه وحيد، وإنّما اشتغلنا بالمحورين الآنيّ والتّعاقبيّ كليهما، مستحضرين في التّحليل بعدين سياقيّين، هما البعد الإسلاميّ العامّ والبعد الصّوفيّ الخاصّ.

وكان مفتاحنا المنهجيّ في هذا الشّأن مفهوم “الخطاب البينيّ” interdiscours الّذي تراءى لنا المدخل المناسب إلى تضمينات العكريمي أدراج منجَزه من مفاهيم وشواهد وسرديّات، باعتبارها علامات على أصول النّزعة الاحتجاجيّة لديه، إذ يسّرت لنا أجرأته إبراز مدى ما تغلغل ضرب من الخطاب الاحتجاجيّ في المدوّنة الحسنيّة، ذلك أنّنا ألفينا هذه المدوّنة تدور على ثلاثة من المفاهيم تُعرَف بجماعها مجموعةٌ خطابيّة تُوصَف بالسّلفيّة الجهاديّة، لأنّها تمثّل عمدة جهازها النّظريّ وأساس سلوكها العمليّ، ألا إنّها ثلاثيّة الجاهليّة والطّاغوت والجهاد.

بيد أنّ للخطاب البينيّ في مدوّنة العكريمي أبعادا أخرى إضافة إلى الرّافد السّلفيّ الجهاديّ، حاولنا تسليط الأضواء عليها، وهي الأدبيّات المشرقيّة المعاصرة ذات السّمت المدرسيّ المحافظ والمستقبليّات المنسوبة إلى النّبيّ من قبيل حديث الافتراق والتّنبّؤات بالفتن، وقد رصدنا سياقات تضمينها داخل النّسيج اللّغويّ الحسنيّ وأبرزنا عبر تحليلها ما تعكس من جدليّة المخزون الثّقافيّ والواقع المرئيّ في ضمير صاحب ذلك النّسيج بوجه يساوق المنحى الاحتجاجيّ السّلفيّ الجهاديّ ويفعّل على مقتضاه النّصّ المرجعيّ المؤسّس للاجتماع الإسلاميّ وذا القابليّة لأن تُوجَّه دلالاته وفق أيّ مطلوب أو مرغوب.

ولئن سهّل لنا النّظر في المفاهيم والشّواهد من المكتسبات الأدبيّة والمحفوظات النّبويّة استجلاء الأصول غير الصّوفيّة لنزعة العكريمي الاحتجاجيّة، فإنّ الانتباه إلى تواتر إحالة الخطاب الحسنيّ على سرديّتيْ حديث جبريل وحديث العودة من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، اللّتين تمثّلان مرتكز مشروعيّة التّصوّف، قد وضعنا إزاء أصول صوفيّة لتلك النّزعة، ذلك أنّ تسنّن السّنّيّين من المتصوّفة أكسب السّرديّة الأولى توازنا أعاد الاعتبار إلى الشّريعة، فبات إجلال “الأحكام الشّرعيّة” من التّعاليم الّتي يحرص مشايخ الطّرق على إرساخها في مريديهم، إذن لا عجب أن تكون الصّيغة المُسنَّنة لتلك السّرديّة من بواعث النّزعة الاحتجاجيّة تحت وطأة الشّعور بإهمال النّاس عموما، وروّاد الزّوايا الطّرقيّة خصوصا، رسومَ الدّين.

فهذا وجه من الأصول الصّوفيّة للنّزعة الاحتجاجيّة في الخطاب الحسنيّ لم يكن يسعنا إغفاله أو التّغافل عنه. وثمّة وجه آخر مرتبط بالسّرديّة الثّانيّة سعينا لتجليته اعتمادا على مفهوم الضّمنيّات، إذ لاحظنا أنّ منجِز الخطاب خالف، إلى حدّ ما، المألوف من اهتمام المتصوّفة بالبؤرة الدّلاليّة في صريح تلك السّرديّة، ووجّه عنايته إلى الضّمنيّ منها، ذلك أنّها لا تغلق باب الجهاد الأصغر، وإنّما تتركه مواربا، وهو ما أتاح لفكرة التّعالق الشّرطيّ بين النّوعين من الجهاد أن تستقرّ في ذهن العكريمي الّذي لا يخفي الحاجة إليهما كليهما الآن وهنا، وفي هذا المستوى يتقاطع كلامه والخطاب السّلفيّ الجهاديّ بنحو من التّقاطع.

وأمّا المبحث الثّاني من الثّلاثيّة المبنيّة على حاصل عملنا في إثبات تلبّس الخطاب الحسنيّ بالنّزعة الاحتجاجيّة فالخلفيّة الاعتقاديّة الّتي انبثقت منها هذه النّزعة، وقد ألفيناها دائرة على قطب ذي بعدين، أحدهما مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وثانيهما فكرة خلافة الله العظمى، فتدرّجنا في تحليل هذه الفكرة من بسط صيغتها النّظريّة الحسنيّة إلى تفصيل إجراءاتها العمليّة الّتي اعتمدها العكريمي لإثبات مشيخته، ورتّبنا خَطْوَنا في التّطرّق إلى ذلك المبدأ على خيار التّمهيد لعرض التّصوّر الحسنيّ بشرح المقاربة الصّوفيّة حتى ينكشف مدى تعالقهما.

في ما يتّصل بمبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أبرزنا سير العكريمي على نهج المقاربة الّتي صاغها أسلافه من أعلام التّصوّف، ولكنّنا ابتغينا لفت الأنظار إلى أنّه أخذها بضرب من السّيقنة وفق رأيه في واقع مجتمعه، وأسبغ عليها ما يجعلها بمثابة مشروع تغيير حضاريّ جذريّ شامل لا مجرّد طرح أخلاقيّ اجتماعيّ، ذلك أنّه ربط تفعيل المبدأ بإعادة إنتاج التّجربة النّبويّة في وجود جماعة مثلها مثل جماعة النّبيّ زمن بدايات الدّعوة المحمّديّة، فالمهمّة ليست في تصوّره محمولة على الأفراد، لأنّ المراد معالجة بنية الهيئة الاجتماعيّة برمّتها لا مجرّد التّصدّي لتعيّناتها الجزئيّة من الانحرافات السّلوكيّة.

ولئن أوضحنا هكذا ما وراء تصوّر العكريمي لمبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من موقف شموليّ تجاه واقع المسلمين اليوم، فإنّنا لم نُغفِل معطى سياقيّا أثمر تبلور هذا الموقف وذاك التّصوّر، وهو اندراج الطّريقة الحسنيّة في تيّار حركة إصلاحيّة صوفيّة طرقيّة بدأت تدبّ داخل البلاد التّونسيّة منذ بدايات القرن العشرين، وما برحت توجّه سهام النّقد إلى عوائد التّصوّف القائم على «التّبرّك» بالمتوفّين من “الأولياء الصّالحين”، ولا يخفى ما في ذلك من تقاطع مع الوهابيّة وقفنا عنده وأرجعناه إلى كون الإصلاحيّتين تتشاركان الرّافد النّصّيّ المؤسّس للاجتماع الإسلاميّ، بوجهيه القرآنيّ والحديثيّ.

واستنادا إلى المشترك بينهما من الرّافد النّصّيّ التّأسيسيّ يُظهِر العكريمي، في تناوله لمبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أنّه نذر نفسه لمهمّة إنتاج اجتماع ينضبط للمراد الإلهيّ، إذ ينزّل في مجرى ذلك المبدأ الخلافةَ بوصفها وجها من أوجه تدخّل الخالق لردّ النّاس إلى شريعته، ويتوسّل بحديث الطّائفة الظّاهرة على الحقّ في الإشارة الخفيّة إلى طريقته، مشكّلا للخليفة صورة واقعيّة تناسب حاله حتّى يستطيع تملّك الرّأسمال الرّمزيّ الموروث عن شيخه إسماعيل الهادفي وتلقى دعواه المشيخة ما يأمل من الأصداء.

لقد توسّعنا في تحليل التّمثّل الحسنيّ للخلافة حتّى انجلت الدّلالة السّياسيّة للمشيخة الصّوفيّة الّتي يدّعيها العكريمي، وتطرّقنا بشيء من التّحفّظ النّاتج عن غياب المعطيات الدّامغة والأدلّة القطعيّة إلى احتمال أن يكون احتماء بعض الحاملين لأفكار “الإسلام السّياسيّ”، حينما اشتدّت قبضة الدّولة على تنظيماته، بالانتساب الصّوفيّ الطّرقيّ عدّل مجرى “تصوّف الإرادة” في اتّجاه النّزعات السّلفيّة الأشدّ أصوليّة، ويُحوِج إثبات هذا الاحتمال إلى أبحاث ميدانيّة دقيقة وعميقة وطويلة النّفس لم تتهيّأ لنا ظروف إنجازها.

ومع حرصنا على إبراز ما حمّل العكريمي مصطلح الخلافة الصّوفيّ من مدلول سياسيّ ذي خلفيّة احتجاجيّة تجلّت في كونه ينيط بشيخ التّربية مهمّة إصلاح المجتمع وتغييره لا مجرّد إرشاد السّالكين إلى مقام التّوحيد، لم نتغاض عن النّسق النّظريّ الّذي جعله الخطاب الحسنيّ وعاء لفكرة المشيخة، بل وضّحنا قوامه على ثلاثة أبعاد تنتظم بخيط ناظم من السّرّ الإلهيّ المودَع في آدم: بعد وجوديّ متعيّن بالخلافة الآدميّة العامّة، وبعد تواصليّ متحقّق عبر الإمامة الإبراهيميّة الخاصّة، وبعد إرشاديّ متجسّد في الولاية المحمّديّة الأخصّ.

وأمّا ثالث المباحث المترتّبة على إثبات نزعة الخطاب الحسنيّ الاحتجاجيّة فالمشروع المجتمعيّ الّذي يدعو العكريمي إلى تحقيقه، ولمّا لم يكن بمقدورنا الإتيان على كلّ عناصره، وجّهنا نظرنا في استجلائه إلى مسألتين مترابطتين ترابط الكلّيّ والجزئيّ، وهما إشكاليّة الشّريعة وقضيّة المرأة، وما كان اعتباطيّا اصطفاؤنا هاتين الثّنتين دون سائر المسائل الّتي تمثّل مفترق المشاريع الاجتماعيّة في تونس ومثيلاتها من البلدان، فإنّهما أجلى علامات اختلاف تلك المشاريع وأكثر الخلافيّات إثارة للمناقشات بين المتطلّعين إلى فصل الدّين عن الدّولة والمتمسّكين بتفعيل المرجعيّة الدّينيّة في الشّأن العامّ.

في تناولنا لسؤال الشّريعة صرفنا اهتمامنا إلى مفهومها الحسنيّ، كي نبيّن أنّه حاصل عاملين مركّبين، هما ازدواجيّة خلفيّة العكريمي الصّوفيّة الاحتجاجيّة وجدليّة الشّريعة والحقيقة في تاريخ التّصوّف السّنّيّ، فكان أن خلصنا من تقليب النّظر فيه إلى أنّه ذو حدّين يعكسانهما، أحدهما أنّ الشّريعة هي المنصوص بالكلام الإلهيّ والسّنّة النّبويّة وسنن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعلى هذا الحدّ بنية التّديّن الإسلاميّ السّنّيّ عموما والنّهج السّلفيّ خصوصا، وثانيهما أنّها ذلك المنصوص مضافة إليه سنن إمام العصر من سلسلة المتعاقبين على مشيخة التّربية، واستخلصنا منه أنّ ملء الفراغات النّصّيّة منوط بالخلافة الصّوفيّة.

بيد أنّ هذه النّتيجة على قدر من الإجمال والاختزال يحجب ما في تمثّل العكريمي لمفهوم الشّريعة من الالتباس، فقد أوقفْنا قارئَ البحث على سياقات من الخطاب الحسنيّ يبدو فيها ذلك المفهوم أضيق ممّا يفيد الحدّان المذكوران، إذ يُحَالُ عليه محدودا بالامتداد النّصّيّ المتلقَّى عن النّبيّ، وقد بيّنّا أنّ تسييجه بهذا النّحو على أساس تطابق الاشتمال (الكتاب والسّنّة مشتملان على الشّريعة) أو تطابق الماهية (الشّريعة هي الكتاب والسّنّة) من أثر ما يعبّر عنه المفكّر المصريّ محمّد عمارة بـ«المنهج النّصوصيّ»، وهو المنهج الّذي يوجب تطبيق كلّ حكم نصّت عليه الشّريعة نصّا صريحا باعتباره عنصرا ثابتا غير قابل للتّحوير أو التّبديل.

بل وضعتنا بعض السّياقات اللّغويّة من مدوّنة العكريمي إزاء نزوع إلى تضييق حيّز المنصوص المرجعيّ بالقول إنّ الكتاب لم يترك شيئا دون حكم، حتّى بلغ الأمر أن حُمِّلَ متلقّي القرآن مسؤوليّة انتفاء ما لا ذكر له فيه. وليس لمَبلَغٍ كهذا من التّضييق ألاّ يعمّق شعورا بهوّة سحيقة تفصل الواقع المعيش عن الشّرع المسطور، وقد عمدنا إلى تسليط الضّوء على ذلك الشّعور لكونه أقوى بواعث ما في الخطاب الحسنيّ من نزعة احتجاجيّة مستندها الشّريعة الّتي بيّنّا، خلال مسار التّحليل ضمن المبحث، أنّ التباس مفهومها ونصوصيّته وشكلانيّته شوائب تاريخيّة ازداد ثقلها بمعترك الدّساتير والقوانين مع التّحوّلات الحضاريّة الّتي شهدتها المجتمعات الإسلاميّة حديثا.

ومن شأن الشّوائب الثّلاث أن ألقت بظلالها على تشكّل صورة المرأة في المتخيَّل الجمعيّ لمتلقّي الرّسالة المحمّديّة، وتحدّدت تحت تبعاتها علاقة الجنسين صلب الهيئة الاجتماعيّة، وقد تردّدت أصداء هذه العلاقة وتلك الصّورة ضمن مؤلّفات العكريمي بنحو سعينا لاستيضاحه فتبيّن لنا أنّ الخطاب الحسنيّ يختزل هويّة المرأة في صفتيْ الشّهوة والعورة، ولا يرى لها منتِجُه كينونة خارج حدود وجودها الفيزيائيّ، على اعتبار أنّها ناقصة عقلا ودينا. ومن آثار المفارقة بين متصوَّره الذّهنيّ ومنظوره العينيّ أن اتّهم الرّجل المسلمة المعاصرة باستباحة جسدها في الفضاء العموميّ، لأنّها تخلّت عن ارتداء الحجاب.

وفي تناغم مع نظرته إلى المرأة وتسليمه بالتّفوّق الذّكوريّ تناول العكريمي مسائل الأحوال الشّخصيّة وفق منطق التّقليد الدّينيّ الّذي يعدّ قوامة الرّجل وتعدّد الزّوجات وحجاب المرأة أحكاما قطعيّة لا مناص من إجرائها على صعيد الواقع، ولم يُحوِجْنا إلى كثير من جهد التّحليل إثبات أنّه لا يعبّر في ذلك عن البنية العميقة للوعي العامّي بقدر مجاراته للموقف السّلفيّ الاحتجاجيّ، إذ يبدو جليّا أنّ بسطه تلك المسائل ليس مجرّد انفعال سلبيّ عابر من قبيل ما يصدر عن العوامّ عند خوضهم فيها، وإنّما هو فعلُ مناهضةٍ، بالكلام، للسّلطة السّياسيّة والسّائرين في ركابها من النّخبة الفكريّة، اعتراضا على سياسة التّحديث الاجتماعيّ.

لقد أفضى بنا تحليل الشّواهد، من مؤلَّفات العكريمي، على منزلة المرأة في الخطاب الحسنيّ إلى ملاحظة غياب الخلفيّة الصّوفيّة وراء الكلام عن مسائل الأحوال الشّخصيّة وحضور لغة التّديّن السّلفيّ بنبرتها الاحتجاجيّة، وهو ما جعل الخطاب أقرب في هذه القضيّة، إلى النّزعة الجلاليّة، وأبعد ما يكون عن النّفحة الجماليّة الصّوفيّة، وما هذا إلاّ من استحكام الذّهنيّة الذّكوريّة الموروثة في البنية العميقة للوعي الدّينيّ الجمعيّ على اختلاف تشكّلاته السّطحيّة، فلولا أنّها كذلك لما كان في التّديّن الصّوفيّ المعاصر منفذ لتصوّرات، عن قيمة المرأة الوجوديّة ووظيفتها الاجتماعيّة، من قبيل ما يدور عليه الخطاب السّلفيّ.

كان فراغنا من معالجة سؤال المرأة منتهى حفريّات، في المدوّنة الحسنيّة، نزعم أنّها وفّقتنا إلى تأكيد الفرضيّة الّتي بنينا عليها كتابنا برمّته، وهي تسرّب النّزعة الاحتجاجيّة إلى حقل التّصوّف الطّرقيّ. ولعلّنا برهنّا بذلك على أنّ الجهاز النّظريّ الصّوفيّ ذو صلاحيّة لأن تتأصّل طَيَّهُ أفكار من نوع ما تدعو إليه التّيّارات السّلفيّة عموما والسّلفيّة الجهاديّة خصوصا، وأثبتنا إمكان أن تفرز كيمياء الاجتماع الإسلاميّ حركات احتجاجيّة ذات خلفيّة مركّبة كالّتي ألفيناها ماثلة في مؤلَّفات حسن العكريمي، تبعا لكون الحدود بين الظّاهرة الطّرقيّة وسائر الظّواهر الدّينيّة مفتوحة.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!