جديد

زراعة النّور في كون منشور..الظَنُّ بين الإثْم والغُنْم

زراعة النّور في كون منشور..الظَنُّ بين الإثْم والغُنْم

زراعة النّور في كون منشور

 الظَنُّ بين الإثْم والغُنْم

 

بقلم: د.سعاد الحكيم

 

قبل أن نتصدّى للحكم على “الظَنّ” بالحُسْن أو بالقبح، وقبل أن نوصي أنفسنا وغيرنا بتركه كليةً أو بالأخذ به ولكن بشروط ومواطن، فلنتوقّف مع تعريفه ومع سبب نشوئه في الذّهن ومع فعله الفارق.. فما هو الظَنّ؟ وكيف يتولّد الظَنّ في الذّهن؟ وماذا يفعل في الإنسان؟

ومن أجل تعريف الظَنّ؛ نقول: إنه تصوُّر العقل لأمر من الأمور. والدّليل أنّنا إذا أخذنا مطلق نصٍّ يرد فيه لفظ “الظَنّ” فيمكن فهمه بمعنى “التصوّر”. مثلاً يقول سيّدنا رسول الله عليه صلوات الله: ((إنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله، ما يظنّ أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة. وإنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة من سُخْط الله، ما يظنّ أن تبلغ ما بلغت فيكتب اللهُ عليه بها سخطه إلى يوم القيامة)). والأحاديث النبويّة كثيرة التي يرد فيها فعل “الظَنّ” بمعنى التصوّر. وبالنّظر في الفكر الدّندراوي نعرف أنّ تصوّراتنا كلّها قد تكون: إمّا سليمة وإمّا مجرّد تخمينات وأوهام. ولذا، يتعيّن على الإنسان العاقل لكي يطمئن على سلامة تصوّراته أن يخضعها لثلاث عمليّات متتالية: التبصُّر والتفكُّر والتدبُّر.

أمّا للإجابة على السؤال الثّاني: كيف يتولّد الظَنّ في الذّهن؟ فنقول: يتولّد الظَنّ تجاه شخص مثلاً من كلّ مثير للفكر حوله، ومنها: العلامات التي تراها العين على الشّخص، تصرّفات الشّخص وأعماله، الاستماع إلى قول النمّام فيه، وغير ذلك.

وللإجابة على السّؤال الثّالث: ماذا يفعل الظَنّ في الإنسان؟ نقول: إنّ علامة قبول المرء لظنٍّ وَقَرَ في عقله بخصوص إنسان ما هي تغيُّر قلبه على ذاك الإنسان، ثمّ تغيّر معاملته له بعد تغيُّر قلبه عليه. وقد نبّه على ذلك الإمام الغزالي في كتابه القيّم: إحياء علوم الدين؛ حين دلّنا على أنّ علامة سوء الظنّ هي أن يتغيّر قلب الظانّ عمّا كان، فينفر عَمّن ظنّ به سوءاً.

وخلاصة القول في هذا التّعريف؛ إنّ “الظنّ” هو مجرّد تصوُّر عقليّ، ولا يُبنى عليه وحده، لأنّه لا دليل على كونه سليماً أو وهميّاً إلا بإخضاعه لعمليّات عقليّة أعلى وأوثق. ولكن للأسف، فقد يعمد بعض النّاس إلى الاستيثاق من ظنونهم ليس بالتبصُّر والتفكُّر والتدبُّر، كما يقترح الفكر الدّندراوي؛ وهذا مشروع، بل بمراقبة الآخر والتجسّس عليه، وهذا مخالفٌ للشّرع والخُلُق والعقل والحسّ السّليم.

بعد هذه الإطلالة التعريفيّة، نتشارك في النّقاش الدّائر حول “الظنّ” وأثره على الحياة العامّة، وأجعل المشاركة على   ستّ فقرات:

 

1 – نقاشٌ لم يُحْسَم:

اختار فريق من العلماء، أن يعطوا الثّقة للآخر ابتداءً، وينفتحوا عليه ولا يظنّوا به إلا كلّ خير حتى يتبيّن لهم العكس.

وفي المقابل، اختار فريق آخر من العلماء أن يحترزوا من الآخر، وإن كانت علاقتهم به لا تزال على صفوها الأوّل ولا تاريخ لها. وعدّوا هذا الاحتراز من باب الفطنة، لأنّ الإنسان في طبعه التقلُّب؛ وربّما مَنْ هو اليوم صديق حميم قد يصبح غداً ولسبب ما – مقبول أو غير مقبول – في عداد الخصوم. يقول الإمام الشافعيّ رضي الله عنه:

لا يكُنْ ظنُّكَ إلا سيّئاً               إنّ سوءَ الظنِّ من أقوى الفِطَنْ

ما رمَى الإنسانَ في مَخْصَمَةٍ        غَيْرُ حُسْنِ الظنِّ والقَوْلِ الحَسَنْ

ونجد وسطيّة عادلة في قول الخليفة الرّاشد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الوارد في لسان العرب: “احْتَجزُوا من النّاس بسوء الظنّ”. لكأنّ معناها؛ أن لا يثق الإنسان بكلّ النّاس بل يحرص في انتقاء صحبه ومعشره، وفي الوقت نفسه يتأنّى في العشرة فلا يذوب فيها بكليّته.

ومن المعاني الإنسانيّة الجديرة بالتفكُّر، أن لا يسارع الإنسان في إضفاء الحمد والثّناء على شخص قبل أن يختبره بعشرةٍ أو جيرة، حتى لا يضطرّ إلى نعته بالسّوء بعد أن كان ينعته بالخير. يقول الشّاعر:

   لا تَحْمَدَنَّ امْرأً حتّى تُجَرِّبَهُ           ولا تَذُمَّنَهُ من غيرِ تَجْريبِ

   فحَمْدُكَ المرءَ ما لم تَبْلُهُ سَرَفٌ وذَمُّكَ المرءَ بعدَ الحمْدِ تكذيبُ

إذن؛ إنّ النّاس مراتب في إحسان الظنّ بالآخر، وهذا طبيعيّ لأنّ البشر أصناف وأشكال.. إلا أنّ القاعدة الجامعة للكلّ هي: إنّ إحسان الظنّ بالآخر واجب شرعيّ وخلقيّ، ولا يقلّ عنه وجوباً: وإخضاع الظنّ لسلطان الدِّين والعقل.

 

2 – الظّنون في فضاء الزّواج:

إنّ علاقة الزّواج مقدّسة بالمعايير الدينيّة والاجتماعيّة، لأنّها الحضن الدّافئ الذي يضمّ العائلة. وتُبنى العلاقة السليمة بين الزّوجين على الثّقة المتبادلة، وعلى المودّة والرّحمة من الطّرفين. ولكن لأسباب شتّى قد تتعرّض هذه العلاقة للمرض والتفكّك. ولعلّ سوء الظنّ بالآخر كان سبباً سابقاً لتفكيك العلاقة أو نتيجة لاحقة لهذا التّفكيك.

إنّ من أخطر أمراض الزّواج هو فقدان الثّقة بين الزّوجين، ودخول الشكّ بينهما في كلّ حركة وسكون. ومن مشاهداتنا؛ نلاحظ أنّه عادة ما ينتج عن سوء الظنّ بالآخر [والشكّ به] عدّة أمور تجعل البيت قطعة من الجحيم، ومنها: التجسّس على الآخر، ملاحقته ومراقبته، التّفتيش في أغراضه الشخصيّة، التّحقيق معه (أين كنت، من قابلت؟…)، الضَنُّ بإنفاق المال في إطار العائلة إلا الضروريّ.. ناهيك عن الشّجار الدّائم الذي يسمّم حياة الأولاد، ويفقدهم الثّقة بهذه المؤسّسة المقدسّة.

ولا نقول؛ إنّ هذا يحدث في كلّ حالةِ فقدانِ الثّقة بين الزّوجين، لأنّ هذه الأمور نسبيّة ولها علاقة بوعي كلا الزّوجين، وبنمط شخصيّة الواحد منهما، وبأسلوب إدارتهما للأزمات الزوجيّة.. وفي كلّ الأحوال، فإنّ الثّقة إن فُقدت بين اثنيْن، وتمادى الشّقاق بينهما، فمن الصّعب جدّاً استعادة الصّفاء الأوّل. ولكن عودة حسن الظنّ ليست مستحيلة؛ إن صَلُح الحال وزالت الأسباب المثيرة لسوء الظنّ والسّلوكات المريبة، واستقامت العلاقة على حدّ المودّة والرّحمة.

 

3 – الظّنون في فضاء الأولاد:

يبدو أنّ الظّنون تتوالد – أحياناً – في بيئة الخوف على محبوب، الخوف من حمل مسؤوليّة مستقبل الآخر [= الولد]. ومن هنا، نشهد العديد من الأهل لا يحسنون الظنّ بأطفالهم، بل لا يقدرون على ذلك؛ فيخافون عليهم من كلّ شيء، ويتوقّعون المكروه في كلّ شيء.

وبدل أن ينقلوا إلى الولد مخاوفهم وظنونهم، ثمّ يتحاورون معه حول مخاطر الزّمان وكيفيّة التّعامل مع الخطر، نراهم يعمدون إلى حمايته وإحاطته ورقابته ووضعه تحت جناحهم بالكليّة.. وربما يفتّشون دفاتره ولا يثقون بأقواله، بل يتّصلوا بالمدرسة ليتأكّدوا من صدق إخباره لهم.. ومن هنا نقع في مأزقيْن: مأزق العلاقة المرضيّة بين الأهل والأولاد، ومأزق جيل لا يتقن حمل مسؤوليّة ذاته وقراراته.

 

4 – الظّنون في فضاء الصّداقة:

إنّ الصّداقات هي مجال رحب للظّنون، لأنّ المرويّات المتداولة بين النّاس ترسي ثقافة “سوء الظنّ بالصّاحب الصّديق”، وتؤكّد أنّ الصّديق الحقيقيّ نادر، وأنّ معظم الصّداقات اليوم هي لمصلحة واستغلاليّة. ولكن رغم كلّ هذه الثّقافة الشّائعة، فلا يزال معظم النّاس يؤمنون بالصّداقة ويسعون لاكتساب صديق يجعل الحياة أوسع أفقاً وأحلى مذاقاً. ولكن، وحيث إنّ الزّمان لا يخلو من مفرّقي الجماعات، فقد تتعرّض الصّداقة للخلخلة ويدخل سوء الظنّ بين المتصادقين. يدخل سوء الظنّ من قراءة الواحد منهم لعلامات وتصرّفات، كأن يستشعر أنّ صديقه يتآمر على مصلحته أو تبلغه عبارة سيّئة قالها في حقّه.. إذن، الأسباب عديدة ولا تكاد تنجو الصّداقة في هذا الزّمان إلا بأمور أربعة:

  • أن لا يضع الصّديق نفسه في موضع شبهة تجاه صديقه؛ كأن يعاشر خصماً له أو يتقرّب من عدوٍّ له وغير ذلك.
  • أن يُعمل حسن الظنّ في النّظر إلى أقوال صديقه وأفعاله. وأن لا يحكم استناداً إلى الظّواهر، بل يؤول كلّ سيّئة ظاهرة بالبحث عن عذر منطقيّ لها.
  • أن يصارح صديقه بأنّ قلبه على وشك التغيُّر بسبب ظنّ تسرّب إلى عقله، ويطالبه بالتّفسير.
  • أن لا يقبل في صديقه وشاية واشٍ.. ذُكر أنّ حكيماً من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبرٍ عن واحدٍ من أصدقائه. فقال له الحكيم: قد أبطأت في الزيارة، وأتيت بثلاث جنايات: بغّضتَ إليَّ أخي، وشغلت قلبي الفارغ، واتّهمتَ نفسك الأمينة.

 

5 – الظّنون في فضاء الوظيفة:

عندما يكون الإنسان موظّفاً في الدّولة أو لدى مؤسسة، فهو لا يستطيع أن يستند إلى “حسن الظنّ” في إدارة المال والأعمال. لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى ضياع حقوق للنّاس وتفشّي الظّلم. ومن الأمثلة على ذلك؛ أنّ القاضي لا يستطيع أن يقبل شهادة شاهد، إن كان لديه أدنى شكّ بعدالته؛ وأنّ إحسان الظنّ هنا بالشّاهد فيه ضياع لحقوق الناس المستأمن عليها القاضي. ولذا، فإنّ القاضي لا يقف عند خطّ الظّنون، بل يدفعه الظنّ إلى التبصُّر في الأمر وتدقيقه حتى يتكوّن لديه ملف كامل حول الموضوع، يقطع الشكّ باليقين.

وكما في القضاء كذلك في كلّ وظيفة في مؤسّسة حكوميّة أو في شركةٍ لأشخاص.

 

6 – الظّنون في فضاء القيادة والحكم:

يرى بعض المفكّرين ضرورة أن يكون الحاكم – أو القائد – بعيداً عن سوء الظنّ. وأنّه من الخطورة بمكان أن يبني أحكامه على معرفة ظنيّة، فيظلم أركان دولته أو عامّة رعيّته. فإن كان سوء الظنّ بين الصّديقيْن يدمّر علاقة الصّداقة، وبين الزّوجين يدمّر البيت والعائلة، فإنّه إن أطلّ برأسه في عقل الحاكم فإنّه يدمّر بلداً وشعباً.. لذا، يتعيّن على القائد أن يتحرّى عند سماع أيّ خبر يتعلّق بخاصّته، ولا يتعجّل بالتّصديق، فيتغيّر قلبه وينفر، ويحدث الشّقاق المدمّر للاجتماع البشريّ.

ومن الأخبار الدالّة على حكمة الأمراء، ما ورد عن عبد الله بن عامر – وكان أميراً، أنّ رجلاً قال له: بلغني أنّ فلاناً أعلم الأمير أنّي ذكرتُه بسوء. قال الأمير: قد كان ذلك. فقال الرّجل: فأخبرني بما قال لك حتى أُظهر كذبه عندك. فقال الأمير: ما أحبُّ أن أشتم نفسي بلساني، وحسبي أنّي لم أصدّقه فيما قال، ولا أقطع عنك الوصال.

وأجمل ما نختم به تجوالنا في مسارح سوء الظنّ وحسنه، عبارة قالها الإمام عليّ بن أبي طالب لما أُثني عليه: “اللهمّ اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً ممّا يظنّون”.

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!