جديد

زراعة النّور في كون منشور: الاعتدال والقضايا الإنسانيّة

زراعة النّور في كون منشور: الاعتدال والقضايا الإنسانيّة

زراعة النّور في كون منشور

 الاعتدال والقضايا الإنسانيّة والتقدّم العلميّ

بقلم: د. سعاد الحكيم 

يحصد الإنسان السّكون والرّاحة والحياة الطيّبة إن هو نَصَبَ ميزان الاعتدال في أفق نظره، وحكَّمه في كلّ شأن من شؤون حياته.. ومن هنا نجد أنّ الدِّين والخُلُق والعقل والحسّ السّليم ، كلّ ذلك يحثّ الإنسان ويطالبه بأن يكون معتدلاً في كلّ شيء يخصّ ذاته، أو يتعلّق بعلاقته بأشخاص محيطه وبأشياء الكون. ومن قراءة أوّليّة لنصوصنا القدسيّة (القرآن الكريم والحديث النبويّ الشّريف)، ولأوراق المفكّرين والفلاسفة المسلمين وغير المسلمين ، تكوّنت لديّ فكرة : إنّ الاعتدال هو كمال الإنسان ، وهو قاعدة عامّة وشاملة .

ولكن أرجَعْتُ البصر كرّةً ثانيةً في النّصوص فتبيّن لي أنّ هذه القاعدة تصنع الحياة الطيّبة للإنسان الملتزم بها ، وتولّد البيئة الاجتماعيّة الآمنة الملائمة لإنشاء العائلة وتربية الولد، وتوفّر البنية البشريّة الصّالحة لمرافق الدّولة ومؤسّسات العمل. ولكن السّؤال الّذي يطرح نفسه: إن التزم كلّ إنسان في المجتمع بقاعدة الاعتدال هل يتقدّم المجتمع؟ ثمّ إذا نظرنا في التّاريخ القريب والبعيد ، ألا نجد أنّ “القفزات النوعيّة” في مجال العلم والمعرفة ما كانت لتكون لولا أشخاص أعطوْا ذواتهم وحياتهم دون إقامة لميزان الاعتدال؟!

ونتشارك فيما يأتي وعبر فقرات ستّ ، في مناقشة مسألتيْ: المَيْل والاعتدال ، ومواطن حُكْم كُلٍّ منهما .

1 ـ الاعتدال في الطّعام والشّراب :

إنّ الطّعام الطيّب تشتهيه النَّفس وتستلذّه ، وقد يجد المرء صعوبة في التوقّف عن تناوله عند الحدّ الشرعيّ والعاقل . ومن هنا ، فإنّ الاعتدال في الطّعام والشّراب هو قاعدة عامّة يتعيّن أن تسريَ في البشر، ولا يخرج عنها عاقل: وقايةً لعقله وبدنه. والاعتدال في شهوة الأكل يكون بأن لا يُعرّض المرء نفسه للجوع الخاتِل (المؤثّر على سلامة التّفكير) ولا للشّبع القاتل.

وقد نبّه الشّرع الحنيف على هذه القاعدة الذّهبيّة.. يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف 31] . ويقول سيّدنا رسول الله عليه صلوات الله :((ما ملأَ آدميّ وعاءً شرّاً من بطنه. بحَسْبِ ابن آدم أكلاتٍ يُقِمْن صُلبه . فإن كان لا محالةَ: فثُلثٌ لطعامه، وثُلثٌ لشرابه ، وثُلثٌ لِنَفَسِه)). كما نبّه المعلّم الأعلم صلوات الله عليه إلى العلاقة بين مكوّنات الذّات الإنسانيّة؛ فالعقل ـ مثلاً ـ يتأثّر بامتلاء البطن زيادة على الطّاقة . يقول صلوات الله عليه :((لا تُميتوا القلوب بكثرة الطّعام والشّراب ، فإنّ القلب كالزَّرع إذا كثُرَ عليه الماء مات)).

ويشارك العلماء والشّعراء في ذمّ التُّخمة، ومطاوعة شهوة البطن.. يقول الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه:

ثلاثٌ هُنَّ مُهْلِكَةُ الأنام       وَداعِيَةُ الصَّحيحِ إلى السِّقامِ

دوامُ مُدامَةٍ ودَوامُ وَطْءٍ       وإِدْخالُ الطَّعامِ على الطَّعامِ

2 ـ الاعتدال في الإنفاق:

إنّ العقل والشَّرع يدعوان الإنسان إلى حُسْن التصرّف بما يملك : فلا يحرم الآخرين حقّهم في ماله.وفي الوقت نفسه،لا يبسط يده كلّ البَسْط (وخاصّة إن لم يكن صاحب ثروة كبرى لا يهزّها إنفاق) ، ثمّ يندم ويتحسّر لفقدان المال ، وعلى كونه أنفقه أحياناً في مصارف غير هامّة أو على أشخاص لا يستحقّون.. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً﴾[الإسراء29]. ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَاماً﴾[الفرقان67] .

وهذا الاعتدال في الإنفاق حرص سيّدنا رسول الله عليه صلوات الله على تَبْيينِه للنّاس، فلم يقبل صلوات الله عليه من رجلٍ أن يَخْرُجَ عن ماله كلّه صدقةً، وقال صلوات الله عليه:((خيرُ الصّدقة ما كان عن ظهر غنى)). ولم يقبل أيضاً صلوات الله عليه من أحد أن يترك ماله كلّه بعد وفاته صدقةً، وقَبِلَ منه إلى حدود الثُّلث، وقال صلوات الله عليه:((والثُّلثُ كثير)). إذن، روايات عديدة تخبرنا أنّ المصطفى المجتبى صلوات الله عليه يحضّ المؤمن على الاعتدال في الإنفاق ، ولو كان الإنفاق في باب البرّ والصّدقات .

وفي المقابل نجد أنّ الصّادق الأمين صلوات الله عليه قَبِلَ من صاحبه أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه الخروج عن ماله كلّه. وهذا يدعونا للتّفكُّر ، مع استبعاد فكرة أنّ النّاس ليسوا سواسية عند سيّدنا رسول الله عليه صلوات الله، وأنّه صلوات الله عليه قد يقبل من شخص ما لا يقبل من الآخر (أستغفر الله من ظنّ كهذا). والتّفسير شبه الوحيد الّذي قد نفهمه من هذه الرّواية: هو أنّ الصّدّيق رضي الله عنه لم يخرج عن ماله من باب الصَّدَقة، ولكن من باب الالتزام بقضيّة حقّ . فهو رضي الله عنه خرج عن ماله من أجل إحقاق ما يؤمن به . وهذا يعني أنّه عقلاً وشرعاً وخُلُقاً : يحقّ لصاحب القضيّة الحقّة أن يُميل ميزان الاعتدال ، ويضع في كفّة قضيّته ماله كلّه ، ولا يكون مُسْرفاً .

3 ـ الاعتدال في صحبة الأهل :

إنّ اعتدال الإنسان في صحبة أهله يتجلّى في إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه: من ذاته، ومن وقته، ومن ماله..وتظهر هذه الحقوق في العبارة البلاغيّة التي اعترض بها الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه على تقشُّف وتزهُّد صاحبه وأخيه أبي الدّرداء رضي الله عنه، حين رآه يُهمل حقّ نفسه بالرّاحة والتّغذية وحقّ زوجه بالمؤانسة والشّراكة الحياتيّة،قال له:”إنّ لنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً ، ولضيفك عليك حقّاً، فأعطِ كلّ ذي حقّ حقّه”. وحين ذهب سلمان رضي الله عنه إلى النبيّ صلوات الله عليه وأخبره بمقولته تلك،قال صلّى الله عليه وسلّم: “صدق سلمان، صدق سلمان”.

إذن، إنّ العلاقة بالأهل ليست مبنيّة على الحبّ الطبيعي فقط، وإن كان ضروريّاً لطيب العيش،وإنّما هي مبنيّة على الحقوق والواجبات ، التي يفرضها: الدِّين والخُلُق . ومن هنا، لا نغلّب حبّاً على حبّ ، ولا حقّاً على حقّ ، كأن نغلّب حبّ الزّوج على حبّ الأمّ ، أو حقّ الأب على حقّ الزّوج وهكذا.. ميزان استقام لسانُه، وتعادلت كفّتاه بالحقّ والعدل.

4 ـ الاعتدال في صحبة الأصدقاء:

إنّ الإنسان يختار أصحابه بمزاجه الشخصيّ،وينتقيهم موافقين لطَبْعه البشريّ،وعلى الأغلب مشاركين له في الأفكار والرّؤى والاهتمامات. ومن هنا، فقد يرتاح لعشرة أصحابه أكثر من ارتياحه لصحبة الأهل والعائلة والأرحام . وقد يدفعه هذا الارتياح إلى جعلهم أقرب إليه من أرحامه ، وأعزّ عنده من غيرهم من النّاس.

يتدخّل أئمّة فكرٍ كبار ليقولوا لهذا الإنسان: إياك وقطع ما أمر الله تعالى به أن يُوصل ، وإيّاك وأن تحبّ صديقاً حبّاً يخرجك عن حدّ الاعتدال .. يقول الخليفة الرّاشد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ناصحاً إنساناً: لا يكن حبّك كَلَفاً ولا بغضك تَلَفاً [الكَلَفُ:الحبّ الشّديد، العشق والوَلَه،التَّلَف:الهلاك] . فقيل له:وكيف ذاك . قال رضي الله عنه:إذا أحببتَ كلفت كَلَفَ الصبيّ، وإذا أبغضتَ أحببتَ لصاحبك التّلف . وكان الخليفة الرّاشد الإمام عليّ كرّم الله وجهه يذاكر جلساءه في حسن الأدب فيقول:

واحْبِبْ إذا أحببتَ حُبّاً مُقارِباً       فإنّك لا تدري متى أنتَ نازِعُ

وأَبْغِضْ إذا أبْغَضْتَ بُغْضاً مُقارِباً       فإنّكَ لا تدري متى الحبُّ راجِعُ

وغنيٌّ عن البيان أنّ الصّحبة تستمرّ بالتّجاوز عن الصّغائر وبالتّأسيس على صدق المودّة من الطّرفيْن.. وأنّ العتاب قد يكون فيه ـ أحياناً ـ جلاء القلوب ، ولكن إن صار عند منحنى كلّ كلمة وكلّ فعل أضرّ بالصّحبة وفرّق شمل المتحابّين .. يقول بشّار بن بُرْد:

إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتِباً       صديقَكَ لم تَلْقَ الّذي تُعاتِبُهْ

فَعِشْ واحداً أو صِلْ أخاكَ فإنَّهُ       مُقارفُ ذنبٍ مَرَّةً ومُجانِبُهْ

5 ـ الاعتدال والقضايا الإنسانية :

من النّاس مَنْ لا يستطيع أن يعيش حياته داخل إطار ذاته وأهله وعمله وصحبه وجيرانه ، بل يشعر أنّه يريد أن يُعطي نفسه لقضيّة إنسانيّة كبرى ويخفّف من الآلام في العالم . ومنهم من يخرج من دائرة ذاته إلى دائرة الوطن، ومنهم من يخرج إلى دائرة الكون كلّه .

ونلاحظ من مشاهداتنا في المجتمع، أنّ الشّخص الذي خرج عن الانحباس بشؤونه الذاتيّة إلى الانفتاح على شؤون مجتمعه ، يتّجه إلى محاولة تحسين معايش النّاس ، ويختار حقلاً يتناسب مع مؤهلاته وقدراته.. فقد يختار ـ مثلاً ـ العمل الخيري الرّامي إلى القضاء على الفقر والجهل والمرض، أو الرّامي إلى إرساء السّلم الأهلي..أو غير ذلك من القضايا الأخلاقيّة والحقوقيّة الأساسيّة البعيدة عن الممارسة السياسيّة.

أمّا الخروج إلى الكون الواسع، والالتزام بقضايا الإنسان، فهو أيضاً يتطلّب همّة عالية ونفساً معطاءة كريمة وتخصّصاً علميّاً.وهذا ما نراه في الأشخاص المهتمّين بصحّة الإنسان وخاصّة الأطفال، ومنهم: أطبّاء بلا حدود…أو في أشخاص مهتمّين بسلامة الإنسان فنراهم يسارعون للإغاثة في مواطن الكوارث الطبيعيّة والهجرات البشريّة وغير ذلك.

وكثيراً ما يأخذ “الاهتمام بالإنسان” [= صحّته، أمنه ، معتقده..] جلّ وقت الشّخص الذي جعله قضيّة له. وربّما قد يقول له واحدٌ من أهله أو أصحابه : لماذا تفعل هذا في نفسك؟ أعطِ باعتدال من وقتك وجهدك! ومن هنا ؛ فإنّ أصحاب القضاياالإنسانيّة الكبرى هم غرباء أحياناً في محيطهم ، إلا أنّهم مباركون بكلّ لسان..لأنّه لا إسراف في خدمة النّاس وتحسين شروط الحياة .

6 ـ الاعتدال والتقدّم العلمي:

إنّ الاعتدال في الاهتمامات وحسن توزيع الوقت بين المشاغل هو أمر طيّب ومستحبّ وضروريّ لكلّ إنسان . ولكن من النّاس من لا يعنيهم في الوجود إلا أمر واحد ولا يهتمّون إلا بأمر واحد ، وهم مستعدّون لإعطاء حياتهم كلّها لهذا الأمر الواحد..فإن كان هذا الأمر لخير أمّة من النّاس أو البشريّة كلّها، أثنت عليهم الأيّام. وإن كان هذا الأمر لخير ذاتيّ أو لشرّ من الشّرور حصدوا شرّ أنانيّتهم وسوء أعمالهم .

ونقول؛ إنّ التقدّم العلمي في مجال الطبّ،وعلاج الأمراض المستعصية،واكتشاف اللّقاحات للأمراض المعدية،وتطوير صناعة الأجهزة الطبيّة وصولاً إلى الصّورة النوويّة للجسم البشري، والتقدّم في ميدان زراعة الأعضاء..كلّ ذلك ما كان ليتمّ إلا بوجود “سَرْب من العلماء” ، مالوا عن حَدّ الاعتدال في قسمة الوقت والجهد والاهتمامات ، ليمضوا حياتهم في المختبرات ليتقدّم العلم وتتحسّن شروط حياة الإنسان.. وهذا المَيْل في حياتهم،الذي يظنّه النّاس مفارقة لحدّ الاعتدال هو عين الاعتدال على الحقّ والخير.. تماماً، كالقوس فإنّ اعتدالها هو عين استدارتها .

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!