جديد

القواعد الاعتقادية في القرآن الكريم

القواعد الاعتقادية في القرآن الكريم
القواعد الاعتقادية في القرآن الكريم
( سورة البقرة نموذجاً)
أ.د. حسن الشافعي [*]
 
منذ أكثر من عقد من الزمان دعوت في بعض المجامع العلمية في مصر وغيرها، إلى إنشاء علم جديد باسم “القواعد الاعتقادية”، في منظومة العلوم الإسلامية الشرعية [1]، كواحد من فروع الدراسات الكلامية، أسوةٌ “بعلم القواعد الفقهية” الذي نشأ في إطار الدراسات الفقهية منذ أكثر من ألف عام، وكان له أثر بالغ وجدوى ظاهرة على هذه الدراسات [2].
 
ومعلوم أن حيوية أي ضرب من الدراسات ودينامييتها تتأكد بإبداع فروع جديدة وظهور نظريات مستحدثة في إطار تلك الدراسات، وبخاصة تلك الفروع البينية التي تتخذ علمين أو أكثر مجالاً لنشاطها أو نموذجاً لطرق البحث فيها، وقد قرأت يوماً أن علم الوضع الذي نشأ فرعاً مستقلاً من الدراسة البينية بين اللغة والشريعة – خلال القرن الثامن الهجري [3] كان آخر تلك الفروع النامية في دوحة العلوم الإسلامية، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد بحث في هذه المسألة.
 
وعلى أية حال فإن باحثاً جاداً يتابع العمل في هذا الحقل الجديد الذي يمكن أن يحرك المياه الراكدة، ويفتح أفقاً جديداً، ويغزو فضاءً بكراً، في مجال الدراسات الكلامية الدراسات الكلامية وبحوثها العلمية – لم يظهر بعد فيما أعلم، وإن كانت بعض المجامع العلمية قد أبدت أخيراً اهتماماً بالفكرة، وأخذ اثنان من طلاب البحث بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة على عاتقهما إنجاز أطروحتين جامعيتين في مجال هذا الحقل الجديد.
 
ومن ثم فقد وجدت أنه قد يكون من المناسب أن أخطو خطوة جديدة في مؤتمرنا هذا القرآني لتنتقل من التنظير إلى التطبيق ومن الدعوة إلى العمل، وكنت قد نشرت في السنين الأخيرة مقالين في ذلك الإطار النظري ومدى الحاجة إليه، وما عساه يترتب عليه من نتائج أو يحقق من أهداف.
 
وتتمثل تلك الخطوة في تأمل “سورة البقرة”، السورة الثانية في القرآن الكريم، وما تتضمنه من “القواعد الاعتقادية”، باعتبار أن القرآن هو المصدر الأول للعلوم الشرعية ومنه تستمد وعليه تعتمد، وأن بيان مضامينه والكشف عنها – جيلاً بعد جيل – هو الغرض الأول أيضاً لتلك العلوم على اختلاف حقولها ومناهجها.
 
ذلك أن المسح المبدئي للعلوم الإسلامية أظهر أن من بين المصادر التي يمكن أن يستمد منها هذا الفرع الجديد مادته العلمية التي ستكون محل النظر والتأمل، والتنظيم المنهجي والتقعيد والتوظيف والتجديد هي:
 
القرآن الكريم: وقد نذكّر هنا بأن عدد آيات الأحكام العملية يتراوح بين مائتي آية وستمائة – كما يقول الكاتبون في آيات الأحكام – أما العقيدة فأضعاف هذا العدد.
السنة النبوية: التي هي بيان للوحي المنزل، ومصدر الأحكام الشرعية المفصل، اعتقادية كانت أو فقهية، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد بأن ثلاثاً من “القواعد الفقهية” الجامعة جاءت بصيغ نبوية صريحة.
وأصول الفقه: فعلاقته حميمة بأصول الدين، ويعلم المختصون أنه يقوم على هذا الأخير باعتباره العلم الأعلى في منظومة العلوم الشرعية، وكل المؤلفين فيه تقريباً يذكرون الأصول الكلامية لعلم أصول الفقه.
والفقه: فهناك تداخل بينه وبين مباحث علم الكلام، كما في مباحث الردة، والتوبة، والهجرة، واختلاف الملة، والإمامة، وغيرها.
وعلم القواعد الفقهية: فإن الفقهاء وعلماء أصول الفقه – وإن عنوا في المحل الأول بالقواعد في ميدان الفقه والفروع العملية لم يغفلوا تماماً القواعد الشرعية في مجال الاعتقاد، لما بينها من نسب وثيق، حتى إن بعضهم – كالسبكي في “الأشباه والنظائر” – أفرد القواعد الاعتقادية بفصل مستقل في ذلك الكتاب المانع، يضم جملة صالحة منها بحمد لله.
وعلم أصول الدين: فإن النظار المسلمين الذين ألفوا في هذا العلم عن المتأخرين كالآمدي وابن تيمية والطوسي وابن الوزير، وأصحاب الحواشي – كثيراً ما يوردون أمثلة من القواعد الاعتقادية، وإن جاء مبثوثة في كتبهم، خلال بحثهم المسائل الكلامية المختلفة، بل إن بعضهم – كالشيخ الأمير في حاشيته الشهيرة [4] على الجوهرة – يورد “تعريفاً دقيقاً”، بل جامعاً مانعاً، للقواعد الاعتقادية، مصحوباً بتمثيل جيد صالح لها، ونزعم بعد توفر على هذه الحاشية العجيبة، أن الباحث اليقظ يجد فيها، أمثلة كثيرة أخرى، يمكن أن تسهم في بناء هذا الفرع الجديد من الدراسات الكلامية.
ومن عجب أن الصوفية – وليس بينهم وبين الفقهاء مثل ما بين علماء الكلام، وأصول الفقه والنقد من صلة وثيقة – قد تنبهوا، مبكرين نسبياً، إلى حيوية الدراسات
 
الفقهية ونضجها، المتمثلين في إنشائها لعلم القواعد الفقهية فرعاً مستقلاً، وتنبهها للقواعد الأصولية أيضاً، التي تختلف نوعياً عن كل من القواعد الفقهية والقواعد الاعتقادية، فنسج الصوفية على منوال الفقهاء واقتفوا خطاهم، بإفرادهم “القواعد الصوفية” للسلوك والتزكية الروحية بالتأليف، وهي بدورها تختلف، شيئاً ما، عن كل من القواعد الاعتقادية، والقواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، وإن كانت إلى هذه الأخيرة أقرب. وذلك كالشيخ ابن زروق في كتابه الشهير “قواعد التصوف”، بل إني أزعم أن كتباً سابقة على هذا الكتاب ولاحقة له، تضم من “القواعد الصوفية” بل والقواعد الكلامية أحياناً، ما قد يمثل مجالاً خصباً لهذه الدراسات المتنوعة على نسق جديد مفصل، يميز بين هذه المجالات القاعدية الأربعة، ومن هذه الكتب المشار إليها آنفاً.
 
“حكم” ابن عطاء الله؛ و”رسالة” القشيري، و”مباحث” ابن البنا السرقسطي، ومؤلفات الشعراني وخاصة “الميزان” و”اليواقيت والجواهر”؛ فقد تضمنت كل هذه الأعمال قواعد اعتقادية، ومباحث مشتركة مع علم الكلام.
 
وإذن فأول المصادر لاستمداد مادة هذا العلم المقترح – وأغناها أيضاً – إنما هو القرآن الكريم، لعناية القرآن – باعتباره يعني بالأصول والمبادئ، ويكتفى بذكر النماذج والأمثلة لما تتضمنه من أحكام عملية – بأصول العقيدة وتحديدها، وتربيتها وترسيخها على نحو أكثر تفصيلاً؛ إذ هي المهمة الأولى للرسل والأنبياء؛ فإذا تغيرت العقيدة وأسلم الناس وجوههم لله – عز وجل – جاءت التنظيمات الاجتماعية والأحكام العملية؛ ومن ثم سميت مباحث العقيدة بأصول الدين، بينما أطلق على الأحكام العملية الفقهية علم الفروع – قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ ومَا وصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ) [الشورى: الآية 13] فالعقائد والأخلاق واحدة في كل دين، لا تتفاوت إلا بالإجمال والتفصيل.
 
ومن ثم فقد كان من طبائع الأمور أن نبدأ هذا البحث – في مجال هذا الفرع الجديد – بالمدد القرآني، غير أنا نظراً لحدود هذا البحث اخترنا “سورة البقرة” نموذجاً، راجين أن نتمكن من إكمالها، لما سيتبين من غنى المضمون القرآني المعجز بأحكام العقيدة الكلية، وربما ضممنا إليها لمزيد من البيان والتحديد بعضاً مما سيرد في سور أخرى حتى يأتي موضع بيانها على وجه التفصيل.
 
وقد وجدت من واجبي – دون عودة إلى الكلام النظري – أن أقدم تعريفاً للمراد “بالقاعدة الاعتقادية” قبل استقرائها في السورة؛ فقد استُعملت كلمة القاعدة والقواعد بمعان عدة لدى الكثير من المتكلمين، وهي ذات المعاني التي استعملت فيها كلمة “الأصول”: أعني الأسس، والأدلة، والقانون الكلي، وهذا الأخير هو المراد سواء في القواعد الفقهية أو القواعد الاعتقادية، والفرق إنما هو في مجال كل منهما، أهو الأحكام التي تعتنق وتعتقد كالوحدانية مثلاً، أم الأحكام التي تنفذ ويعمل بها كوجوب الطهارة للصلاة على سبيل المثال، وقد أشار الأمير – كما سلفت الإشارة إلى هذه الاستعمالات جميعاً في عبارة موجزة، لكنه حدد المعنى الدقيق للمقصود فنياً بالقاعدة الاعتقادية بإيراد المثال؛ إذ يقول – رحمه الله – في تعليقه على قول اللقاني: “قواعد العقائد”، قوله: “قواعد العقائد” شبهت بقصور ذات قواعد، أو الإضافة بيانية فإن الأعمال كالفروع، أو القواعد الأدلة، أو الكلية، نحو كل كمال واجب لله – تعالى [5]” وهذا كلام محكم دقيق، وقد حدد المثال الذي أورده المعنى المراد بالقاعدة الاعتقادية، وهو الأخير فيما ذكره.
 
هذا، وتتمة هذه القاعدة – كما في الحاشية نفسها بعد قليل “وكل نقص عليه محال” وهي التي يسميها الآمدي في “الأبكار”: “قاعدة الكمال” ويعتبرها المرجع الأخير والمبدأ الكلي في إثبات الصفات الإلهية إيجابية كانت لتثبت الكمالات، أو سلبية لتنفى النقائص عنه – عز وجل.
 
وقد بدا لي أن أهم ما تحتويه السورة الكريمة من القواعد الاعتقادية ثلاث – والله أعلم – وهي:
 
الإنسان مُكرَّم.
والبعث حق.
والإيمان بكافة الأنبياء واجب.
فقد نالت من البيان والتوكيد في مواضع عديدة من السورة الكريمة ما لم تنله قواعد أخرى تضمنتها السورة أيضاً ولعل هذا يسمح لنا أن نبدأ بعرض هذه الثلاث آملين أن يتسع المقام لما تضمنته من أحكام تفصيلية.
 
 
1- القاعدة الأولى: الإنسان مخلوق مُكرَّم
إن تكريم الإنسان وتميز مكانته ورسالته في الكون مبدأ إسلامي عام وقاعدة شرعية اعتقادية، يشهد لها الكثير من آيات الكتاب وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أظهر هذه النصوص وأجمعها قوله تعالى، في أوائل سورة البقرة: (وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) حتى قوله (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) [سورة البقرة: الآيات من 30: 33].
 
وتتضمن هذه القاعدة أحكاماً تفصيلية، يمكن اعتبارها عناصر لهذه القاعدة، أو نظائر يجرى عليها حكمها، إذ كلها تشهد لهذا المبدأ أو تلك القاعدة التي يمكن تسميتها “قاعدة” التكريم، وقد أشارت الآيات الأربع التي أسلفناها إلى أكثر هذه العناصر أو النظائر التي أكدتها آيات كثيرة أخرى أيضاً، والتي يكاد يجمعها قول مفسر فقيه متقدم – هو الماوردي المتوفى 450هـ: “قوله تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…….) فيه سبعة أوجه: أحدها يعني كرمناهم بإنعامنا عليهم. الثاني كرمناهم بأن جعلنا لهم عقولاً وتمييزاً. الثالث: بأن جعلنا منهم خير أمة أخرجت للناس. الرابع: بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم (يقصد بتعديل الخلقة الظاهرة). الخامس: كرمناهم بالأمر والنهي (يقصد التكليف والأمانة). السادس: كرمناهم بالكلام والخط (يقصد بتعديل الخلقة الباطنة). السابع: كرمناهم بأن سخرنا جميع الخلق لهم.. [6]” فهو يشير أيضاً إلى كونها تقرر مبدأ عاماً يشهد له العديد من الأحكام الشرعية، الاعتقادية والعملية، التي نورد بعضها فيما يلي:
 
من معالم هذا التكريم: أن الله سبحانه – خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته الذين خاطبهم بقوله: (اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ) [البقرة: 34] وفي موضع آخر يقول سبحانه: (فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) [الحجر: 29-31]. وفي سورة ص [الآية 75] يقول الله تعالى منكراً على إبليس امتناعه عن السجود لهذا العبد المكرّم: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ..) وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وتعظيم، فحقت عليه اللعنة لاستكباره وعصيانه: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإنَّكَ رَجِيمٌ. وإنَّ عَلَيْكَ اللَعْنَةَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ) [الحجر: 34-35].
وأنه حين خلقه اختار له أحسن الهيئات، وأعدل الأوضاع، وأنسب التكوينات؛ فخلقته الظاهرة، التي تعينه على مهمته في الأرض، مهمة الخلافة والعبادة والتعمير وإليها الإشارة في قوله سبحانه (إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، وهو – سبحانه – يمتن عليه ويستميله إلى جانبه بتذكيره بهذه النعمة الجليلة فيقول – عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ.الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار 6: 8]. يقول المؤلفان في “تفسير الجلالين”: “فعدلك – بالتخفيف والتشديد –: جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء” (وهذه هي النعمة التي يخشى أن تهددها الأخطار الآن من الاستنساخ وغيره)، وتؤكد ذلك آيات أخرى مثل قوله تعالى في [سورة التين: 4]: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).
ومنها أنه سبحانه خصّه بعلم لم يُفضه على ملائكته المقربين، كما يقول – تعالى – في الآيات الأربع السالفة [31-33] (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)؛ “فعلمه أولاً، وميزه بذلك على الملائكة.. وهو تعليم يبين له كل شيء يحتاجه، لينهض برسالته، فيتبين بذلك فضله على سائر المخلوقات، التي ليس لها ما للإنسان من استعدادات متنوعة وبها يؤدي واجبه.. في احتمال أعباء الأمانة الإلهية التي عهد الله بها إليه” [7] ولئن كان بعض المفسرين يرى أن تعليم الأسماء يتضمن تعليم اللغة كلها إلهاماً، فإن البعض الآخر يرى أنه إذا كان آدم قد علم جملة أسماء عن طريق الإلهام والإلقاء في الروع، فإنه قد هيئت فطرته وعقله ليضع الأسماء كما هيئت الكائنات الأخرى لما يخصها من لغات، بقول الراغبة في المفردات، فتعليمه الأسماء هو أن جعل له قوة بها نطق ووضع أسماء الأشياء، وذلك بإلقائه في روعه، وكتعليمه الحيوانات كل واحد منها فعلاً يتعاطاه وصوتاً يتحراه..” [8].
ومنها أنه – سبحانه – سخر له كل ما في السموات وما في الأرض من مخلوقات (وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [الجاثية: 13] يقول السيوطي والمحلى في تفسيرهما: “.. ما في السموات من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره، وما في الأرض من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها؛ أي خلق ذلك لمنافعكم..” [9]، وقد جاء في سورة البقرة قبل الآيات الأربع مباشرة قوله تعالى سبحانه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) وقبل ذلك بقليل قال – عز من قائل: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) [البقرة: الآية 22].
ومنها: أنه استخلفه على الأرض ليعمرها ويستخرج خيراتها، فقال – عز من قائل – في أولى الآيات الأربع: (وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30].
يقول الماوردي: “في خلافة آدم وذريته ثلاثة أقاويل: أحدها أنه كان في الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فأُهلكوا، فجعل آدمَ وذريته بدلهم، وهذا قول ابن عباس، والثاني أنه أراد قوماً يخلف بعضهم بعضاً من ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض (يعني توالي الأجيال الإنسانية في حمل الرسالة)، وهذا قول الحسن البصري. والثالث أنه أراد “جاعل في الأرض خليفة” يخلفني في الحكم بين خلقي؛ وهو آدم ومن قام مقامه من ولده، وهذا قول ابن مسعود”. [10]
 
ولعل الاستخلاف يرتبط بحمل “الأمانة” التي فسرها بعض المفسرين بالتكليف – الذي ناطته الشريعة باكتمال العقل – في قوله سبحانه: (إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) [الأحزاب: 72] وهذا قول غير بعيد من قول ابن مسعود – رضي الله عنه – آنفاً، وبه قال كثير من المحدثين [11] – غير أن أحد الكتاب في “الاقتصاد الإسلامي” يقول عما نسب إلى ابن مسعود: “إنه قول غير مسلم به” ولا حرج عليه في ذلك؛ فالأقوال كثيرة في تفسير الاستخلاف، لكنه يسرف على نفسه إذ يقول: لمخالفته أصول العقيدة الصحيحة والنظر السليم [12]، وأحسب أن ابن مسعود أسد نظراً منه وأعلم بالقرآن وبالعقيدة الصحيحة، لأن الخلافة هنا في العبادة والحكم والتعمير ليست لغياب أو عجز ولكن لحكمة الابتلاء والتكليف العام والخاص؛ وقد قال سبحانه في سورة ص آية 26: ( يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) وهي كآية البقرة ترشح لقول ابن مسعود.
 
ومنها أنه عظّم حرمة الحياة الإنسانية، وشدد النكير والعقاب على منتهكيها؛ فعن الترمذي والنسائي عن ابن عمر – رضي الله عنه – مرفوعاً إلى النبي – صلى الله عليه وسلم –: “لزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل رجل مسلم” وفي رواية أخرى لابن ماجة عن البراء بن عازب: “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق” وفي سورة المائدة، بعد ذكر هابيل وقابيل يقول الله – عز من قائل: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [الآية 32]. قال ابن عباس – تعقيباً على الجملة الأخيرة: “من حيث انتهاك حرمتها وصونها” [13] ومن العموم المصرح به في الآية: “قتل نفساً..” يستظهر أن حكمها يعم كل البشر، إذ لا تخصيص فيها، وإن كان الشرع الشريف قد عظم حرمة الإنسان المؤمن، ماله ودمه وعرضه؛ أي سمعته وكرامته، لا دمه فقط، حتى ليقول النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه ابن ماجه في سننه: “ما أطيبكَ وأطيبَ ريحَكِ، ما أعظمكِ وأعظم حُرمتكِ – يعني الكعبة – والذي نفسُ محمد بيده لحَرمةُ المؤمن أعظم عند اله حرمة منك، ماله ودمه وان يُظَنَّ به إلا خيراً”. [14]
وفي سورة البقرة تشريع القصاص من القتلة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى) [الآية 178] وبيان حكمته كذلك: (ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الآية 179].
 
ومن ذلك: أنه أرسل إليه رسله وأنزل عليهم كتبه، من أجل هدايته وإرشاده وحماية مصالحه، وصدق الله العظيم: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: الآية 25]، فهذه الآية وأمثالها كالآية الثانية في سورة البقرة: (ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وكالآية رقم 28: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) تبين أن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الشرائع هو المصلحة الإنسانية؛ وقد استقر الرأي – لدى الأصوليين والمتكلمين – أن الشريعة جاءت لحفظ مصالح البشر في حياتهم الدنيوية وحياتهم الأخروية، وهذه المصالح الإنسانية هي موضع رعاية الشرع واعتداده بمستوياتها المختلفة: الضرورية والحاجية والتحسينية؛ أي ما كان منها ضرورياً لقيام الحياة الإنسانية واستمرارها، أو لازماً لتيسيرها ودفع المشقة والحرج عن سبيلها، أو مؤدياً إلى تجميلها وتكميلها.وتتمثل المصالح الضرورية فيما عرف بالمقاصد الشرعية الخمسة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. وهي أمور تتوقف عليها حياة الناس – من وجهة النظر الشرعية – في دنياهم وفي أخراهم على حد سواء؛ بحيث لو فقدت كلها أو بعضها اختلت حياة البشر في الدنيا، وفاتهم النعيم والسعادة أو اكتمالها في الآخرة.
وهذا الأمر قد تكفل ببيانه والاستشهاد له علماء “أصول الفقه الإسلامي” بما لا يحوج إلى الإضافة فيه، وقد بلغ الإمام أبو إسحق الشاطبي (790 هـ) في ذلك شآواً عالياً، في الجزء الثاني من كتابه العظيم “الموافقات”؛ ونكتفي هنا بقوله في مطلع الجزء المشار إليه: “إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً. وهذه دعوى لابد من إقامة البرهان عليها صحة أو فساداً، وليس هذا موضع ذلك، وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام؛ وزعم الرازي أن احكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك… والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءٌ لا ينازع فيه الرازي ولا غيره؛ فإن الله – تعالى – يقول في بعثة الرسل: (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: الآية 165]، (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: الآية 107] [15].
 
ومن هذه الأحكام، وغيرها كثير في سورة البقرة وغيرها، يظهر أن “تكريم الإنسان” – كما أسلفنا – مبدأ عام وقاعدة شرعية، لا حكم مفرد، ومن ثم عنى به علماء المسلمين من كل طائفة، من الفقهاء، والمتكلمين، والأصوليين.
 
وأرجو أن يسمح لي في هذا المقام بإيراد أمرين يؤكدان ما سبق، أولهما من على الكلام:
 
فلقد طرح المتكلمون سؤالاً: أيهما أفضل؛ البشر أم الملائكة؟ فمال جمهور علماء أهل السنة إلى أن البشر جملةً أفضل من الملائكة جملةً، وإن كان بعض الملائكة يفضل البشر.
يقول سعد الدين التفتازاني (792هـ) في شرحه على “العقائد النسفية”: “ورسل البشر أفضل من رسل الملائكة، ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة: أما تفضيل رسل الملائكة على عامة البشر فبالإجماع بل بالضرورة، وأما تفضيل رسل البشر على رسل الملائكة وعامة البشر على عامة الملائكة فوجوه:
 
الأول: أن الله – تعالى – أمر الملائكة بالسجود لآدم – عليه السلام – على وجه التعظيم والتكريم، بدليل قوله – تعالى – حكاية (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) [الإسراء: الآية 62].. ومقتضى الحكمة الأمر للأدنى بالسجود للأعلى دون العكس.
 
الثاني: أن كل واحد من أهل اللسان يفهم من قوله – تعالى –: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ…) الآية، أن القصد منه إلى تفضيل آدم على الملائكة، وبيان زيادة علمه واستحقاقه العظيم والتكريم.
 
الثالث: قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ) [آل عمران: 33]، والملائكة من جملة العالم، وقد خص من ذلك بالإجماع عدم تفضيل عامة البشر على رسل الملائكة، فبقى معمولاً به فيما عدا ذلك، ولا خفاء في أن هذه المسألة ظنية، يكتفى فيها بالأدلة الظنية.
 
الرابع: أن الإنسان يحصل الفضائل والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع؛ من الشهوة والغضب، وسنوح الحاجات الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات. ولا شكل أن العبادة وكسب الكمالات مع الشواغل والصوارف أشق وأدخل في الإخلاص فيكون أفضل…” [16].
 
ولا يغفل التفتازاني الرأي الآخر الذي ذهب إليه المعتزلة، والفلاسفة، وبعض أهل السنة كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي، وأبي إسحق الإسفراييني، ومحيي الدين بن عربي، وهو تفضيل الملائكة على عامة البشر، فيورد أربعة وجوه استندا إليها ويناقشها؛ خلاصتها:
 
أن الملائكة أرواح مجردة، مبرأة من مبادئ الشرور والآفات، كاملة بالفعل، ويجيب بأنه مبني على أصول فلسفية لا شرعية.
أن الأنبياء – مع كونهم أفضل البشر – يتعلمون من الملائكة، بدليل قوله – تعالى – (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ) ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم. والجواب أن التعلم من الله والملائكة مبلغون فحسب.
أنه قد ورد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر الأنبياء، والجواب أن ذلك لتقدمهم في الوجود، أو لأن وجودهم أخفى فالإيمان بهم أقوى وهو لذلك بالتقديم أولى.
قوله – تعالى –: (لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ) فهو يدل على أفضليتهم إذ القياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى. والجواب: أن الترقي إنما هو في أمر التجرد، وإظهار الآثار القوية، لا في مطلق الشرف والكمال: ويخلص التفتازاني من هذه المناقشة التفصيلية إلى نتيجتها – في رأيه – فيقول: “فلا دلالة على أفضلية الملائكة” والله أعلم بالصواب [17].
والأمر الآخر: أنه ربما كان في سياق الآيات الأربع في حديثها عن آدم الإنسان الأول، وبنيه بالضرورة الذين استخلفوا بعده لمهمتي العبادة والتعمير، وإسجاد الملائكة له، وتمييزه بالعلم والعقل والاستعداد للمعرفة ومسئولية التكليف يفيد أن حكم هذه القاعدة يعم أصلاً كل البشر، وإن كان البعض منهم يأبى إلا السقوط (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) [التين: 5-6] ويقول – تعالى – أيضاً: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ. ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: 175-176]. وربما كان في ظاهر آية الإسراء أيضاً – في هذا المعنى ما يرشح للتأويل السابق؛ إذ يقول – عز من قائل –: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: الآية 70] فهي تعطي هذه المكانة المتميزة لبني آدم، وهو وصف عام يشمل كل البشر والآدميين ما لم يأبوا هذه الكرامة وينسلخوا من تلك المسئولية.
 
وهكذا يقف الفكر الإسلامي – بكل مجالاته – من وراء هذا الكائن النبيل “الإنسان – ابن آدم”، بدفعه للقيام برسالته الجليلة على الأرض، دون إحساس بإثم أو خطيئة، أو شعور بالدونية إزاء المخلوقات الأخرى، بحجمه أو يقيد خطاه. وحتى ما كان في البدء من غفلة أو زلة، فقد أعقبتها توبة أثمرت اجتباء وأوبة، وهو من معالم الحكمة العليا التي تدربه وتهيئه لمهمته في الأرض، تلك التي لا ينهض بها سواه؛ فليست هناك كما يقول شيخنا أبو ريدة – رحمه الله – “مأساة إنسانية يمكن التحدث عنها، وهل هناك حكمة أعظم من الحكمة في خلق الإنسان وإسناد أعظم رسالة وأكبر أمانة إليه.. إن الخالق العظيم أظهر كرامة الإنسان وهو المخلوق العظيم الذي سخر الله له – لكي يؤدي رسالته – ما في السموات والأرض جميعاً..” [18].
 
 
3- القاعدة الثانية: البعث حق
نصت الآية الرابعة في مطالع سورة البقرة في بيانها لأوصاف المتقين الذين يحققون الفلاح لاهتدائهم بالكتاب الكريم، على أنهم (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)؛ فاليقين بالآخرة وما يكون فيها من بعث ونشر وحشر، وموقف وسؤال، وكتب وميزان، وصراط وأعراف، وجنة ونار – هو من أركان الإيمان في شريعة الإسلام، وهو واحد من أركان أو أصول ثلاثة لدى المتكلمين هي الإيمان بالتوحيد والكمالات الإلهية، وبسائر النبوات والكتب المنزلة، وبالآخرة ومشاهدها الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. ويؤثر بعض العلماء وبخاصة المحدِّثون – تحديد القواعد أو أركان الإيمان بست هي تلك التي جمعتها الآية الكريمة في خواتيم السورة كما هو الحال في مطالعها وختامها (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ) [البقرة: الآية 285] وجاءت السنة مجتمعة وهي هذه الخمس مع الإيمان بالقدر في حديث عمر – رضي الله عنه – عن نزول جبريل – عليه السلام – وفيه “.. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت..” الحديث أورده النووي في الأربعين، وقال: رواه مسلم [19] وورد الإيمان بالقدر في سورة البقرة 136، 153، 157، 245 وقد أجمع المسلمون على ذلك. ولا فرق بين الرأيين في بيان أركان الإيمان إلا بالإجمال والتفصيل.
 
وقد عنى الكاتبون عن موضوعات القرآن ومضامينه من المحدثين بموضوع “الآخرة”، وجعله أستاذنا الشيخ محمد الغزالي أحد المحاور الخمسة في القرآن الكريم في كتاب له بهذا العنوان، وربما كان أكثر هذه المحاور استفاضة وتردداً في سور القرآن الكريم.
 
وقد عنيت سورة البقرة بأركان الإيمان، وبأمر “الآخرة” على وجه الخصوص، وبقضية “البعث” على وجه أخص، فلم تكتف ببيان وجوب الإيمان به وبراهين إمكانه ووقوعه في الآخرة كالآيات 23-25 مثلاً، بل أوردت السورة أحداثا خمسة لتحقق الحياة بعد الموت في هذه الحياة الدنيا؛ لترسيخ الإيمان به في قلوب المؤمنين، حتى يتحقق لهم اليقين (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: الآية 4]، ولا يبعد أن تكون الحكمة في تسمية السورة بهذا الاسم “سورة البقرة”، تتمثل في الحديث الثاني من هذه الأحداث – كما سنبين – المتعلقة بقتل بني إسرائيل، وإيجاب ذبح البقرة عليهم لكشف السر الغامض لمقتله. هذا، إلى جانب، ما يرد في السورة من مشاهد الآخرة وأحوالها؛ لتذكير المؤمنين بها من وقت لآخر، ليستعدوا للقاء ربهم وموقفهم بين يديه عز وجل. أما الأحداث الخمسة فأولها:
 
ما تضمنته الآيات (54-56)، وهما حدثان لا حدث واحد، لكن الأول منهما يمكن أن يكون القتل فيه مجازياً لهؤلاء الذين عبدوا العجل (إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) كما ذكره الماوردي في تفسيره، أما الحدث الثاني بالنسبة لهؤلاء الذين قالوا لموسى – عليه السلام – (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وهم السبعون الذين اختيروا للميقات لسماع المناجاة، فيصعب تأويله فقد صرحت الآية (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ…) وإن كان في المقصود بالبعث بعد الإماتة عدة تأويلات [20].
ليس الحدث السابق هو الوحيد في حياة سيدنا موسى – عليه السلام – الذي ابتلى بقوم مراوغين، فهناك “حادث البقرة” الذي تضمنته الآيات (67-74) حين عثر القوم على قتيل لا يدرى من قتله، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة.ويضربوا الميت ببعض أجزائها فكان من أنه قام وذكر اسم قاتله ثم عاد سيرته الأولى ميتاً، قال عز من قائل: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً…) فحصل التردد من هؤلاء المراوغين مرات، وفي الثالثة (قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا ومَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) وبعد ذلك يقول الحق – سبحانه: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى ويُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) مبيناً الحكمة من وراء هذا الحدث الذي لم يؤت ثماره مع قساوة القلوب، لكن قد تنتفع به قلوب العقلاء من اللاحقين فتهبط من خشية الله [21].
أما الحدث الثالث من هذه الخمسة فهو المذكور في الآية الكريمة 243 (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) وقد كانوا هربوا خشية الجهاد لا هرباً من الطاعون – كما قيل أيضاً – فقد يكون ذلك مشروعاً، وبدليل السياق – إذ يقول الحق – سبحانه – بعد ذلك مباشرة: (وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: الآية 244] فهم كالذين قيل لهم: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وإذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلاً. قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) [الأحزاب: 16، 17]، لكن الله – تعالى – أحياهم بعد موتهم معجزة لنبيهم، وقيل إنه شمعون، وإن صح ذلك تكن الأحداث الثلاثة في أجيال من بني إسرائيل، الأولان في حياة موسى – عليه السلام – والأخير في عهد النبي شمعون. وقد خاطب القرآن الكريم أجيال منهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة: الآيات 6: 8] [22].
وأما الحدث الرابع فهو بشأن رجل مر على القدس بعد خرابها كما روي، يقول الحق – سبحانه (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إلَى طَعَامِكَ وشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظُرْ إلَى حِمَارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وانظُرْ إلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 259]. وهذا الذي علَّمه الله – بما أجراه الله عليه طوال مائة عام، وعلى حماره وأراه بعينيه كيف تقوم العظام البالية فيكسوها الله – تعالى لحماً حتى أيقن – بعد الاستبعاد – أن الله على كل شيء قدير، قيل هو الخضر، وقيل بل هو أحد أنبياء بني إسرائيل، العزيز أو أرمياء، وعلى كلا القولين الأخيرين تكون الأحداث الأربعة الواردة في السورة حتى الآن متعلقة بأجيال من بني إسرائيل. والاستبعاد أخو الجحود أوهو مقدمة له وكلاهما ينافي صفات المؤمنين (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)؛ ولذا قال الرجل المؤمن لصاحبه في سورة الكهف، عندما استبعد البعث قائلاً (ومَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً…): (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً. لَكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: 37-38].
ثم يأتي الحدث الخامس والأخير لوقائع البعث الفعلية والإحياء بعد الموت في هذه الحياة الدنيا، الذي وقع استجابة لدعاء أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم – عليه السلام: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى) لا لأنه متردد في هذا الأمر بل ليرى الدرة الإلهية وهي تعمل آنياً. ولذا جاء جوابه نافياً للتردد أو الشك مثبتاً اليقين للتساؤل وهو سبحانه بالسؤال وبالجواب أعلم: ( أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ولَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي لأطمئن بشأن الكيفية لا بشأن المبدأ الإيماني، وإنما كان السؤال لمزيد إظهار لحقيقة مقصد إبراهيم – عليه السلام – ولعله كما استظهرنا من كلمة “كيف”، ومن ثم جاءت الاستجابة العليا: (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: الآية 260] وهكذا رأى – عليه السلام – جناحاً ينضم إلى منقار ورجل؛ ورأس ورقبة، من أماكن مختلفة، فيتكون طائر حي يأتيه سعياً، فاطلع على عمل القدرة أثناء عمله.
في معجزة الإحياء بعد الموت التي هي مفتاح مشاهد القيامة وأحوال الآخرة. لقد كان – عليه السلام – أميناً على الحنيفية يعدل في يقينه أمة، وقد ورثها لبنيه من النبيين: (ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ).
 
وبعد، فليست تلك الأحداث الخمسة هي كل ما يرد في القرآن الكريم بهذا الصدد لكنا اقتصرنا على ما في ما في سورة البقرة، فهناك ما جراه الله تعالى على يد المسيح عليه السلام، كما في [سورة المائدة: 110] (وإذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإذْنِي) وفي [آل عمران: 49] (ورَسُولاً إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتَى بِإذْنِ اللَّهِ ).
 
وكل تلك الوقائع إنما رويت في الوحي الأعلى عبرة لأولي الألباب من المؤمنين في كل جيل، حتى لا يقتصر أمرها على بني إسرائيل أو على إبراهيم وبنيه – فالحمد لله رب العالمين.
 
 
3- القاعدة الثالثة: الإيمان بكافة الأنبياء واجب
وهذا ما افتتحت به السورة المباركة وختمت وورد في القلب منها كذلك، وسنورد ثلاثة أمثلة لذلك مع الإشارات إلى المواطن الأخرى بإذن الله.
 
ففي فاتحتها ترد الآيات الخمس عن صفات المؤمنين وأركان الإيمان الثلاثة (الإيمان بالله، وبجميع أنبيائه وكتبه، وبالآخرة) وفي الآية الرابعة يقول الوحي الأعلى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) حتى إنه لو آمن المرء بمحمد – صلى الله عليه وسلم – وبالقرآن ولم يؤمن بعيسى أو موسى أو إبراهيم أو غيرهم من الأنبياء والرسل – عليهم السلام – لم يكن مسلماً، فهل هناك تعددية، وإنصاف وموضوعية، أوضح من هذا الموقف القرآني؟ فالتفريق بين الرسل وجحود البعض منهم أو ما جاءوا به من الكتاب يخرج الجاحد من ملة الإسلام، وهذا ما يأتي أكثر تفصيلاً في آيات الختام التي ورد أنها تنزلت من كنز تحت العرش.
فيقول الحق، سبحانه – [في الآية 285]: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) فالتفرقة بين الأنبياء أو إنكار ما تنزل عليهم من وحي ينافي دين الإسلام؛ يقول الحق سبحانه: [النساء: 165] (إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأَوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وعِيسَى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهَارُونَ وسُلَيْمَانَ وآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا).
وقريب من هذا التفصيل ما يأتي في قلب السورة المباركة. كما يأتي في مواطن عديدة منها.. من نحو قوله، سبحانه [البقرة: 136] (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى ومَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) هذا هو دين الإسلام، وهو الحنيفية التي أوصى بها إبراهيم بنيه، ويعقوب حين جاد بروحه [البقرة: 133] (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبَائِكَ إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ودعا إليها ولده يوسف في سجنه، وهو الذي وصفه محمد – عليهما الصلاة والسلام: “الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم”. [في سورة يوسف: الآيات 37 إلى 40] (إنِّي تَرَكـْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وعَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) إلى قوله سبحانه: (إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).
 
هذا، وتزخر السورة الكريمة في العديد من آياتها بذكر الكثير من الرسل والأنبياء على نحو أشد تفصيلاً، الأمر الذي يؤكد تلك القاعدة الثالثة ويفصلها:
 
محمد – صلى الله عليه وسلم – 23، 44، 47، 90، 143، 144، 147، 151، وغيرها.
وموسى – عليه السلام – 26، 41، 53، 87-91، 97، 101، 116، 253، 254 وغيرها.
وعيسى – عليه السلام – 87 – 91، 97-101، 116، 253 وغيرها.
وكذا إبراهيم وولده إسماعيل ويعقوب كما أوردنا نماذج من قبل.
وآدم أبو البشر 24، 33، 34، 37 وغيرها.
وما أوردناه مجرد نماذج لعناية الوحي الأعلى في هذه السورة المباركة بترسيخ تلك القاعدة التي تعد من الأركان الرئيسية في دين الإسلام.
 
إننا قد نستكمل في عمل قام هذا الجهد العلمي، الذي ينتقل بالعلم المقترح – في مجموعة الدراسات الكلامية الاعتقادية – من النظر إلى التطبيق، ومن الدعوة إلى العمل، وبالله التوفيق.
 
* * *
 
 
 
الهوامش
[*] رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد السابق ، وأستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
 
والبحث ألقى في مؤتمر “الدراسات القرآنية” بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، عام 2009.
 
[1] انظر مقالتا “نحو تقسيم للعلوم الإسلامية” – مجلة الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية، القاهرة، مجلد عام 1980، ص 30-34.
 
[2] انظر مقالنا في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، نحو علم للقواعد الاعتقادية مجلد عام 1989.
 
[3] انظر: بحث الشيخ أ. د/ علي جمعة مفتي الديار المصرية.
 
[4] الشيخ محمد بن محمد الأمير: حاشيته على “جوهرة” اللقاني، طبع مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، 1368هـ، 1948م، ص5.
 
[5] أبو الحسن الماوردي: تفسير المارودي، نشر دار الصفوة بالقاهرة، 1413هـ، 2/503-504.
 
[6] الصابوني: صفوة التفاسير، دار الرشيد، حلب 1/51.
 
[7] انظر محمد عبد الهادي أبو ريدة: قاموس القرآن الكريم، مضمون القرآن الكريم، ط1، الكويت، ص124، وأبو الوفا التفتازاني: الإنسان والكون، ط القاهرة، 1975، ص70.
 
[8] الراغب الأصفهاني: المفردات، دار المعرفة، بيروت، تحقيق سيد كيلاني، ب ت، ص343.
 
[9] انظر تفسير الجلالين، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، مصر، الأنوار المحمدية، ب ت، ص565.
 
[10] الماوردي (مصدر سابق) 1/59.
 
[11] انظر العقاد – عباس محمود: الإنسان في القرآن الكريم، دار الهلال، القاهرة، 1971م، ص70.
 
[12] انظر عبد الله بن إبراهيم الناصر: مفهوم قاعدة الاستخلاف – مقال بالعربية في مجلة “الدراسات القرآنية” لندن، المجلد 6، العدد 2، 2005، 141-163.
 
[13] الماوردي (مصدر سابق) 1/59.
 
[14] ابن ماجه: السنن، تحقيق عبد الباقي – الحديث 3932، وانظر الألباني: ضعيف الجامع الصغير – 5006.
 
[15] الشاطبي: الموافقات دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ، 2/4.
 
[16] التفتازاني سعد الدين: شرح العقائد النسيفة – مع حواشي الخيالي وعبد الحكيم العصا – ط صبيح، القاهرة، 1358هـ/ 1939م، ص 501-503.
 
[17] السابق: 503-504.
 
[18] محمد عبد الهادي أبو ريدة: (مرجع سابق) 127.
 
[19] انظر “متن الأربعين النووية” بتحقيق وترجمة أ. د. عز الدين إبراهيم، و أ. دينيس جونسون ديفيز، دار القرآن الكريم، ط2، 1977م، ص29-33.
 
[20] الماوردي (مرجع سابق) 1/84.
 
[21] السابق 1-85.
 
[22] السابق 96-103.
 
انظر السابق 248 – 249.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!