جديد

من مبررات راهنية التصوف : ابن عربي نموذجًا

من مبررات راهنية التصوف : ابن عربي نموذجًا
من مبررات راهنية التصوف
( ابن عربي نموذجا)
 
د. ساعد خميسي
جامعة منتوري قسنطينة
مقدمة
قال أبو يزيد البسطامي مخاطبا علماء الرسوم: “أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي وأنتم تقولون حدثني فلان….”1
 
وكان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا قيل له قال فلان عن فلان عن فلان يقول: “ما نريد نأكل قديدا هاتوا أئتوني بلحم طري”2. وقال محي الدين بن العربي: “تقرر في العلم الألهي أنه تعالى لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين ولا في صورة واحدة لشخص مرتين وكل تجل له كلام.”3
 
وقال أيضا: “لكل مقام مقال ولكل علم رجال ولكل وارد حال.”4
 
تدل هذه الأقوال وغيرها على أن الاجتهاد الصوفي مثمر باستمرار، منفتح على ما لا نهاية له من الحقائق، وأن جهابذة التصوف من أمثال البسطامي وأبي مدين شعيب ينبذون التقليد ولا يعدوه كشفا حتى ولو روي عن أصحاب الكشف، فهم يحثون بذلك على الاجتهاد في علم السلوك وعلم الباطن مما يعني أن التصوف عندهم دائم الابداع. وأنه ممثلا بـ: “ذي النون” و”الهجويري” و”الحلاج” و”القشيري” و”الغزالي” و”ابن عربي” وغيرهم ومدون في: “قوت القلوب” و”الرسالة القشيرية” و”الطواسين” و”الفتوحات المكية” وفي سائر التواليف الصوفية المليئة بالحكمة النظرية والعملية والمغلفة برمزية فتحت لها باب الخلود والقراءات اللامتناهية، مخترقة المكان والزمان فتجعلها حية في زمانها وموضوع دراسة بعد قرون من كتابتها. وتعكس بكل ذلك مستوى من الرقي الفكري الذي بلغه المسلمون في أوج حضارتهم.
 
التقليد أهم مظاهر زوال الحضارة:
لقد ضعف المسلمون بعد التقدم والرقي وزال نفوذهم لما ركنوا إلى التقليد وغلقوا أبواب الاجتهاد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، لا بالمعنى الأصولي للكلمة فحسب. فلقد ركن المسلمون بعد القرن السادس الهجري/ الثاني عشر – ميلادي في المشرق الإسلامي وبعد القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر – ميلادي في مغربه5 إلى مظاهر شتى للتقليد مثل تصنيف الشروحات والحواشي وحواشي الحواشي والمختصرات في كل ميادين العلم والمعرفة، العقلية والنقلية على حد سواء، بما في ذلك التصوف الذي ركن أصحابه إلى التقليد أيضا، ومزجوا علمهم بالسحر والشعوذة، وفصلوا بين حقيقته علما وسلوكا وهو الأمر الذي ينكره رجالات التصوف، الذين كثيرا ما حثوا مريديهم على أن لا يعولوا على مسائل خرق العوائد والكرامات ويعدون ذلك من المكر والاستدراج وامتحانات أول الطريق لا ثمارا للتجربة الصوفية، بل قد تكون عرقلة لمسيرة الترقي في سلم العرفان. فلا يجب التوقف عند مثل هذه المسائل لمن يروم بلوغ اليقين ونيل السعادة المطلقة.
 
لقد عد “مالك بن نبي” (1905 -1974) ضمن تفسيره الروحي والدوري للحضارة وللتاريخ، عد ابن خلدون6 خلاصة الحضارة الإسلامية، وآخر حلقة في سلسلة ازدهارها، لتأتي بعده سلسلة النزول والاضمحلال والخروج عن دورة الحضارة والدخول في الليل الطويل للتاريخ. وهي المنزلة التي تعكس موقف ابن خلدون من علم الكلام ومن التصرف باعتبارهما من العلوم الحادثة في الملة. وموقفه الرافض للفلسفة باعتبارها دخيلة. فالملة بطاقتها الروحية هي المولدة للحضارة والدافعة لها دفعة أولى، حسب مالك بن نبي، والتي تجسدت في الحضارة الإسلامية انطلاقا من نزول الوحي إلى غاية معركة صفين. ثم جاءت بعدها مرحلة العقل التي امتدت في الحضارة نفسها من معركة صفين إلى عهد ابن خلدون “الذي أضاءت عبقريته غروب الحضارة الإسلامية في نهايتها”7. ثم نزل المنحنى البياني لمسيرة الحضارة في مرحلة سماها “بن نبي”: “مرحلة الغريزة” لتنغمس تدريجيا في لجج التخلف والتبعية لحضارة الغير.
 
عندما ننظر في عصر ابن خلدون وفي فكره وهو العلامة الذي ترك بصماته وأثره في الفكر الإنساني عموما نلمح بالفعل شخصية تؤرخ للماضي وتعلم عداءها للفلسفة بتأثير غزالي بعد ما عرفت التطور في عهد ابن رشد، تؤسس علم العمران بناءا على ما كان من تجارب عربية وأعجمية، كما تعلن عن نهاية علم الكلام، هذا العلم الذي يعكس التقدم الحضاري بازدهاره ونهاية الحضارة وأفول نجمها بتوقف نقاشاته، ولهذا يدعو البعض اليوم إلى إحياء هذا العلم وبعثه من جديد.
 
لم يكتف ابن خلدون من التضييق في مجال علم الكلام منهجا وموضوعا بأن جعله علما حادثا لأجل الدفاع عن عقيدة السلف ضد المبتدعة، بل جعله بمثابة المهمة المنتهية، لأن الدفاع عن العقيدة تم التكفل به من علماء أشاعرة أمثال الجويني (419/1028-478/1085) والغزالي وغيرهما، لهذا قال: “وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا الأدلة إنما احتاجوا حين دافعوا وانصرفوا وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن كثير إيهامه وإطلاقه”8 وهو فيما يبدو يعكس واقعا زال فيه التحدي العقدي لضعف المسلمين عامة؛ لأن التاريخ يثبت أن عصر – ابن خلدون هو عصر الاختلافات وكثرة البدع والفتن التي تحتاج إلى علماء يدافعون عن العقيدة بصفائها الأول، وهو الواقع نفسه الذي ربما يبرر وجود علماء متشددين في ضرورة التمسك بالنص وبظاهره ومحاربة كل أشكال البدع دون التفرقة بين المستحسن منها والمستهجن؛ لأن في اعتقادهم كل بدعة ضلالة.
 
والملاحظ هنا هو التأسيس للتقليد والكف عن النظر بتحريم الاشتغال بالفلسفة ثم الإعلان عن نهاية الكلام، بالرغم من أن ابن خلدون استمر يمارس علم الفروع لكن في وسط محدود لتطبيقه على رعايا المالكية في جو عام غير مالكي. وهو العلم الذي صدت بوابات الاجتهاد فيه ولم يعرف التطور منذ الشاطبي إلى عهد بن عاشور وكل المسافة بين الفترتين تقليد في تقليد وركون إلى الشروحات والتفنن في وضع الحواشي والمختصرات.
 
لقد أعلن ابن خلدون ولاءه صراحة للغزالي وانحاز إلى تهافت الفلاسفة على حساب مذهب ابن رشد وغلبت عليه النزعة الفقهية والإعلاء من شأن التصوف، وهو ما تضمنه كتابه شفاء السائل، غير أن الواقع الاجتماعي الذي عاصره ثم الأزمنة والعهود التي تلته ما سادها إلى فقه راكد وتصوف سلبي مقلد مخالف لما دعى إليه البسطامي وأبي مدين وابن العربي، خال من كل اجتهاد، وهدأ كل نقاش وسكت الحوار الكلامي والتنافس الكشفي والاختلاف الفقهي، ولم تعد هنالك حركة في التهافتين، إلى أن حل عصر النهضة.
 
وفي عصر النهضة عدنا إلى الحديث عن ابن رشد كفكر تنويري، طرح للنقاش فكرة الأصالة والمعاصرة، وظهرت الحركات الإصلاحية، وطرح السؤال عن السبيل إلى التقدم، فتهافتت على الساحة الفكرية والأدبية العربية مختلف التيارات التي عرفها الغرب، وراحت تتنافس، وعاد من جديد التهافتان، عاد البعض إلى عقلانية ابن رشد، كما عاد البعض الآخر إلى نصية لا تحيد عن التأصيل وتبدع كل تجديد، وعاد البعض الآخر إلى التصوف علما وممارسة تتخطى المعقول المقيد نحو العالم الفسيح المطلق.
 
من مبررات راهنية التصوف
يحظى التصوف اليوم بحيز كبير من اهتمامات الدارسين للتراث العربي الإسلامي سواء من العرب أو من الغرب، ويحتل محي الدين بن العربي – (560هـ/1165م – 638هـ/1240م)- الصدارة في هذا الاهتمام نظرا لما تقدمه شخصيته ومؤلفاته من صورة شاملة عن التصوف الإسلامي، وعن تطوره من مرحلة الزهد والتعبد إلى مرحلة أصبح التصوف فيها علما يعرف عند أهله بـ “علم الباطن”، وعرفوا من خلاله “بأهل الحق” وهي المرحلة التي امتزج فيها النظر بالعمل، والعقل بالكشف، وأخذ الخيال حيزا من مجال المعرفة لم يكن له من قبل مع سلطان العقل، كما تنوعت فيها الموضوعات التي يطرقها الصوفي بغية إصابة الحق ونيل درجة الكمال.
 
وتعود العناية المتزايدة بالتصوف وبابن العربي إلى جملة من الأسباب، منها ما هو متعلق بالتصوف، على وجه العموم، وبتصوف ابن العربي وبتجربته وبفكره، على وجه الخصوص، ومنها ما يعود إلى ذوات الدارسين والمهتمين بالتصوف. كما لا تخلو العودة إلى الفكر الصوفي والأكبري من تأثير لظروف عامة وخاصة يعرفها عالم اليوم، عالم ما بعد الحداثة.
 
قال زكي نجيب محمود في كتابه تجديد الفكر العربي: في فصل عنونه بـ: ثورة في اللغة ثم عنوان فرعي: من اللغة تبدأ ثورة التجديد:
 
“لست أتصور لأمة من الأمم ثورة فكرية كاسحة للرواسب، إلا أن تكون بدياتها نظرة عميقة عريضة تراجع بها اللغة وطرائق استخدامها، لأن اللغة هي الفكر، ومحال أن يتغير هذا بغير تلك، فقد تسود العصر روح دينية صوفية، تبحث عن الغيب وراء الشهادة، عن الخفاء وراء الظهور، عن الثابت وراء المتغير، عن المطلق وراء الجزئي النسبي العابر، عن البقاء وراء الفناء، فعندئذ ينعكس هذا كله على طريقة استخدام الناس للغة – في مدارج الثقافة العليا لا في تصاريف الحياة اليومية – فتراهم يجعلوها للإيحاء لا للدلالة، فهي أداة عروج إلى السماء لا وسيلة اتصال بالواقع. ثم قد تسود العصر روح علمانية واقعية، ينشغل الناس فيها بالعلوم الطبيعية والرياضية أكثر مما ينشغلون بالوجد الصوفي وتسبيح المتدين، فعندئذ كذلك ينعكس ذلك على اللغة، فترى أصحابها يتخذون منها أداة ترم إلى الواقع المحسوس، أكثر مما يتخذونها عدسات ينفذون منها إلى اللانهاية والخلود، ذلك على وجه التعميم…”9
 
وفي كتابه رؤية إسلامية قال: “أموت وفي نفسي أشياء وأشياء عن العلاقة بين الأشياء والكلمات”10 ومن أهم ما أدركه في علاقة الأشياء بالكلمات، أن اللغة تنقل ما ندركه من أشياء مفكك ومجزء عن وحدته كتجزئة اللغة في جمل وكلمات وحروف، ولكن المشكلة في هذه التجزئة وفي العبير عن الموحد هو فينقل الأحاسي والمشاعر من الباطن إلى الغير…، ولهذا يقول زكي نجيب محمود: “ولقد ذكر لنا المتصوفة كلاما كثيرا وعميقا وصادقا. في شكواهم بأنهم يشعرون بما يشعرون به. ثم يعجزون عن نقله إلى الآخرين، لعجز اللغة عن نقل ما هو بطبيعته خبرة موحدة فإذا فككتها فيجمل وكلمات، أفسدتها.”11
 
لم يكتف زكي نجيب من الانتقال من خرافة الميتافيزقا ومن الكلمات الفارغة إلى ما تحدثه في نفسه العلاقة بين الكلمات والأشياء إلى الاعتراف بصدق لغة الصوفية في الشكوى من عجز اللسان على التعبير على ما في الوجدان فينتقل إلى الغوص في رمزية أكبرية موغلة ليجد لها اتساقا وانسجاما في نظام معرفي يساعد على فكها، ثم يضع لذلك جداول تساعد على التعامل مع الرمز الأكبري وفهم مراده، ويختم قوله في شرح طريقة الرمز عند ابن العربي في ترجمان الأشواق بقوله: “ومهما يكن من أمر هذا الديوان، فهو غزير بشعره، غني بصوره، مجنح بخياله، مثقل بفكره وحكمته، نابض بحرارة إيمانه، فهو لقارئه متعة ودراسة وحياة”12 والافت للنظر هنا أن هذه الدراسة التي خص بهازكب نجيب محمود مسألة الرمز عند ابن العربي جاءت مباشرة بعد دراسة عن ابن رشد في تيار الفكر العربي، وهي الدراسة التي ختمها بتعليق عن “تهافت الفلاسفة” و”تهافت التهاتف”، وهو ما أعتقد أن له دلالة خاصة في الانتقال من تصوف رافض لفلسفة دخيلة على الشريعة إلى موقف رشدي ظل “على صلة إيجابية بفلسفة اليونان، وكانت دعوته إلى ذلك آخر صوت يرتفع دفاعا عن الفلسفة وضرورة دخولها مع الشريعة في نسيج واحد.”13
 
وعند طرح الاهتمام الفلسفي المعاصر بعالم الكلمات والرموز والإشارات مواكبا ومستفيدا من التطور العلمي والتقني الذي بلغته الإنسانية يطرح التصوف نفسه كعلم إنساني يجد له راهنيته ضمن الاهتمام الفلسفي المعاصر، ويجد “ابن العربي” الاهتمام الأكبر لأنه اختزل التجربة والفكر الصوفي في أعماله، كما عمل على تحقيق ما تصبو إليه الإنسانية اليوم وتنشده ويشغل اهتمامها من وحدة الإنسان ووحدة المذاهب والأديان، وحق المرأة في مساواتها بالرجل، والعمل على تحقيق الكمال الإنساني، ونيل السعادة القصوى التي عادت إلى ميدان البحث ضمن العودة إلى القيم الأخلاقية والجمالية، المغيبة في عهود العلمانية وسلطة العقل. وما التصوف في جوهره إلى أخلاق.
 
تكمن أهمية “ابن عربي” كذلك في أنه جسد وحدة المذاهب والأديان من خلال ما له من أثر على الفكر الإسلامي سنيه وشيعيه، وعلى الفكر الإنساني بتعدد دياناته: الإسلام والمسيحية واليهودية وحتى الوثنية، وسر قوة الفكر الصوفي الأكبري يكمن في رمزيته وفي مجالات التأويل الرحبة التي فتحها على العقل وعلى القلب الإنساني ومكنها من الغوص في غياهب المطلق لأجل الترقي نحو نور الكمال، ثم مجال تأويل رمزيته في حد ذاتها، مما يتيح لكل صاحب خيال أن يقرأ الفكر الأكبري من الازوي التي يشعر بحسن التعمق فيها، فقد يقول ما قاله ابن العربي وصرح به وقد يقول ما لمح إليه، وقد يقول ما أراد قوله هو من خلال محاولته فك رمزية النص الأكبري. لهذا كله يتواجد النص الأكبري اليوم في جل المجالات المعرفية والفنية، في الفلسفة، في الرواية والقصة والشعر، في الموسيقى، وفي الرسم… ناهيك عن حضوره القوي في المجال الديني لأنه مجاله الحيوي الأول، الذي تؤول إليه كل رمزية، ولأن التصوف في نهاية المطاف ما هو إلا محور هام من محاور الفكر الإسلامي الحادثة في الملة خدمة للحقيقة الدينية، وتجسيدا للسلوك الذي جاءت لأجله الأديان، وتمثله الأنبياء بسننهم أحسن تمثيل. بل هو في نظر أصحابه الدين بعينه، الدين الذي يتيح مجال الإبداع المستمر باستمرار فاعلية النبوة معه، أو من خلال صلة الولاية بالنبوة، ذلك أن الولاية هي استمرار لفاعلية ولتأثير النبوة.
 
إذا كانت المعرفة الشغل الشاغل للفلسفة الحديثة حتى شكلت أنساقا من نظرية المعرفة كان “كانط” (1724-1804) من واضعي أسسها، فإن الفلسفة المعاصرة يأتي تركيزها على اللغة كتعمق بشكل ما في إحدى جوانب المعرفة لتكون محورا ارتكازيا وتتوسط الإنسان العارف العالم والمعرفة الموضوعة في قالب لغوي، تكونه كلمات تتشكل من الحروف وتتوسط عالم الأشياء وعالم الأفكار، أو عالم الأشياء والمعاني التي تحملها من خلال اللغة كأسماء أو صفات ونعوت يطلقها عليها المؤلف للحروف في كلمات وجمل تسمى لغة أو لسانا بالتعبير المجازي. ولهذا كله قال أحد الفلاسفة المعاصرين بأنه إذا كانت الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى وضعت الأشياء في مركز المعرفة، فإن الفلسفة كما هي في تطورها من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر أصبحت تضع الأفكار نصب أعينها. وأما اليوم فبالكلمات نعمل على التحكم في الحقل الفلسفي.14 هذا التركيز على الكلمات وما تعبر عنه وما يقابلها من أشياء وهي أمور يعج بها النص الأكبري ومصطلحاته التي عببرت عن جزء منها “سعاد الحكيم” بـ: “مولد لغة جديدة”15 يضاف إليها كل المعاني التي جمعها “غدامير” في حديثه عن مصطلح L’hermeneutique والتي تعبر عن بعض من معاني الرمز والتأويل عند الشيخ الأكبر، ويضاف إلى كل هذا طبيعة راهنية كثير من القضايا التي طرحها ابن العربي. كل هذا يجعل من ابن العربي شخصا مفروضا على هذا العصر في هذا الزمن وفي العقود القادمة سواء مرحب به أو غير مرغوب في حضوره. وذلك من خلال باب الرمزية والتأويل.
 
ومن خلال النظر في نصوص ابن العربي وفي فلسفته الشاملة الجامعة بين المتضادات في نسق فكري منسجم يعطي أهمية قصوى لمعرفة الحس ويضع العقل موضعا لا يتيح له الاستبداد على مختلف أدوات المعرفة التي تحت سلطانه المحدود. كما يعطي أهمية للخيال ولكل ما في النفس من قوى وأدوات، ثم يعطي قيمة خاصة للقلب كأداة معرفية مؤهلة إن كانت مجلوة لاستيعاب المطلق، متخطية كل القوانين التي تضبط العقل، بل تفك عقاله وتجعله هو الآخر مستعدا لقبول المعارف الإلهية اليقينية المبهجة للنفس، مع انسجام تام وانقياد للنص قرآنا وسنة. كل هذا يقودنا إلى مشاطرة ما وصلت إليه كثير من الدراسات بان فلسفة ابن العربي متعددة المصادر، ومن ثم لم تنطلق رمزيته من فراغ بل من النص الشرعي أولا: كتابا وسنة، ومن التصوف الإسلامي بمختلف مراحله: العملية والنظرية ومن مختلف مناطقه، المشرقية والمغربية، ومن الفلسفة الإسلامية الخالصة والممزوجة بالفكر اليوناني وحتى الفكر الشرقي القديم، فرمزية ابن العربي وتأويلاتها لها الملامح الشرقية القديمة الهرمسية، كما لها الملامح اليونانية الواضحة، سواء في الفلسفة الطبيعية الأولى، أو الفيثاغورية والهيروقليدية، أو الأفلاطونية والأرسطية، والأفلاطونية المحدثة وما تراكم لديها من فكر “غنوصي”. إن فلسفة ابن العربي في الرمز ثرية في ذاتها لثراء المصادر المستقاة منها والموظفة توظيفا بارعا مبدعا في نسقية أكبرية لا يمكن إلا أن تنسب إلى: الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، بالرغم مما فيها ملامح لأفكار تعود إلى: “هرمس”، و”أفلاطون”، و”ابن مسرة” و”الغزالي” و”أبي مدين شعيب”، وغيرهم. وكلها أفكار أرادها ابن العربي منسجمة مع الوحي وخادمة للحقيقة الدينية.
 
تدور فلسفة ابن العربي في دوائر لامتناهية لتنوعها في مصادرها وإبداع صاحبها: الفكرة الجزئية تضم المنحي العام لفلسفته والفكرة الكلية سرعان ما يفككها ويجزئها في شكل لافت للنظر، ففلسفته في اللغة والحروف مثلا، تعكس نسقه الفلسفي ككل، فمن نظرته للألف فقط، تستشف المنحي العام لفلسفته ونقرأ فيها أفكاره في الإلهيات: وجود الله في أحديته وفي صفاته وفي علاقته بالكون، بل ونقرأ فيها فكرة وحدة الوجود بحكم أن الألف رمز لله وله السريان في كل الحروف كسريان الواحد في كل الأعداد.
 
وبمثال “الألف” وما يرمز إليه ندرك أن الرمزية الأكبرية تفضي بالضرورة إلى التأويل، والتأويل لا ينتهي عند فك الرمز فقد يفضي إلى رمز جديد، لهذا عندما نقول عن مذهب ابن العربي أو عن نصه أنه موغل في الرمزية فإن ذلك يجعل من فلسفته الدائرة عبارة عن بحر من رموز. يفكها التأويل ويزيدها رمزية؛ لأن مفهوم التأويل عند ابن العربي لا يقف عند العودة أو الذهاب إلى المعنى الأول أو المعنى الباطني للشيء، فالتأويل عنده يشمل فنون الشرح والتفسير والتعبير والإيماء والإشارة والإيحاء وإيصال المعنى للأذهان بأي شكل من الأشكال، إلى المدارك الحسية إن كانت محسوسة، أو إلى العقول إن كانت معقولة وإلى القلوب إن كانت كشفية. ولهذا الرمزية والتأويل في فلسفة ابن العربي الصوفية لها خصوصياتها وتتعدى المدلول اللغوي والإصطلاحي سواء للرمز أو التأويل المعهود في عهد ابن العربي ناهيك عن السابق عليه.
 
وعملية إيصال المعاني إلى الغير لا تنتهي بفك الرمز فقد تستمر في رمزيتها، إما الإبقاء على الرمز الأول بشكل مفهم مدرك أو برمز ثان أو أكثر يهيأ له المتلقي. ومن هنا فإن الكلمة التي قد تساوي إلى حد ما “الرمزية والتأويل”: هي مصطلح “الهرمنوطيقا” L’Herméneutique مع الإشارة إلى أن معنى التأويل عند ابن العربي لما هو رمزي ورمز ما هو مؤول يتجاوز المعنى الكلاسيكي المتمثل في تقريب النص الديني للأفهام، لكن لا يخالفه بل يحتويه، بحيث يسعى التأويل الأكبري من بين ما يسعى إليه إلى فهم النص الديني على حقيقته الإلهية ولا يقف الأمر عند النص الديني قرآنا أو سنة أو قولا لنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء، وإنما يذهب إلى معرفة الحقيقة، عين الحقيقة حيث الحق وهناك لايمكن أن ينتهي التأويل عند حد لأن الموقف إلهي، فهو النار التي تحدث عنها الحلاج في: “طاسين الفهم” عندما قال: “ضوء المصباح علم الحقيقة، وحرارته حقيقة الحقيقة، والوصول إليه حق الحقيقة”16 وعند النار لا يمكن للحقيقة الإلهية أن تتقيد بكلمة معلومة كشيء، وحتى الأشياء في جانبها الإلهي تتجاوز المحدود مما يفتح المجال أمام لا نهائية الرمز ولا نهائية التأويل. لأن في النهاية كل شيء إلهي والأمر يتعلق بالحقيقة الدينية الألهية التي تحقق الكمال والكمال يتجاوز كل محدود. لأن الجانب الإلهي في الإنسان والجانب الإنساني في الإله يزيد من أبواب الرمزية ومن مجالات التأويل الشامل للفهم والتفسير والتعبير والبرهنة والتعليل وكل فنون طرق إيصال المعاني إلى الإفهام بالإقناع والحجة العقلية وبخلق الاستعداد للإمداد أو بالمساعدة على التحقق ونيل الكمال. أو بعناية إلهية مستقلة عن كل مؤول، أو بفشل في الوصول وهو ما يبقى على خصوصية المؤول ودرجات الرمزية.
 
إن المعنى الجامع للرمزية والتأويل هو المعنى المقارب لما أورده “غدمير” Gadamer لما أشار إلى أن ظهور هذا المصطلح يعود إلى القرن السابع عشر وبالضبط إلى سنة 1654 مع دانهاور Danhauer ولا يبتعد عما أشار إليه من أن نواة المعنى القديم للكلمة هو التأويل الرمزي17 Interprétation Allégorique، هذا الاقتراب يفسره المعنى الفضفاض لكلمة تأويل المعتمدة عند ابن العربي بحيث يعمد إلى استخدام عبارات كثيرة كمرادفات مثل الإشارة والرمز والباطن، ودرجات التأويل لا حد لها، يماثلها في التعالي تعدد الطبقات في المؤولين من عامة إلى خاصة، وخاصة الخاصة، وخلاصة الخاصة، وصفاء خلاصة الخاصة. فكل هذه الطبقية المتجهة نحو الكمال ونحو المطلق توحي بأن لا حد للتأويل وللرمزية، فالدائرة أكمل الأشكال لأنه ليس فيها نقطة بداية ونقطة نهاية. ومن هنا نقول إن كلمة “هرمنوطيقا” تقارب معنى التأويل عند ابن العربي ولكن لا تدركه. لأن الرمز يجمع الظاهر والباطن، الجلي والغامض، الإلهي والبشري والطبيعي، الفقه والعقيدة، فقه لا يتقيد بمذهب، وعقيدة كما أرادها الله على الفطرة، لا كما يحددها مذهب بعينه، يوجد الجبر والاختيار، التنزيه والتشبيه، المطلق والمعين، بالمعين جانب إلهي وللمطلق جانب من التعيين اللامستقر، متقلب الأحوال ومتعدد المظاهر. وربما اقترب من الفكرة التي تجعل من الهرمنوطيقا أو بالتدقيق “هرمنوطيقا اللغة” ضرورة فلسفية جاءت لتمد جسرا بين الميتافيزيقا والنزعة الإنسانية18. لكن مع ابن العربي لا يمد الرمز وتأويله الجسر مع الغيبي والإنساني بل هو إنساني وإلهي في الآن نفسه لتعلق الإنسان المسلم بربه ولاعتقاده بتجليات الله في مظاهر الكون، أكثرها ترشيحا للتجلي الإلهي: الإنسان نفسه والمرأة على وجه التحديد لتعطي للمسألة بعدها الجمالي.
 
لكن وبالرغم من أن سياحة ابن العربي وأسفاره في المطلق إلا أنها مقيدة بما يشبه قوانين التأويل التي تحدث عنها “الغزالي” و”ابن العربي” الفقيه المعافري، غير أن قانون التأويل الأكبري ثلاثي الأسس: كتاب، سنة، وكشف، لكي لا يبقى باب الادعاء مفتوحا لأن القول سنة وقرآنا يفسح المجال للاختلافات بحجج التأويل أيضا، ولهذا اشترط ابن العربي جملة من آداب، هي التصوف بعينه لأن التصوف في حقيقته أخلاق، حاول صاحب كتاب: Adab and revelation19 أن يستجمعها ويجملها من نصوص ابن العربي وغيره من الصوفية وهي الهادفة عند وضعها لسد باب ادعاء الكشف وسرد أقوال وحكايات لا ضابط لها. إذ للكشف ضوابط أيضا يعرفها أهله جيدا فيميزون بين الكشوفات الحقيقية والوهمية والادعاءات الكاذبة. ولذلك يزعم ابن العربي أنه من القلائل الذين ملكوا ناصية الرمز ولهم القدرة التامة على تأويله لما بلغوه في التصوف من مرتبة أهلتهم لوراثة العلم النبوي، وأبلغتهم درجة الكمال والاتصال. وهو الكمال الذي يعبر عنه قدرته على فهم رموز الحروف في عوالمها وفهم حقيقة الكلام المعبر عن العقيدة الصحيحة الفطرية والنصية والبالغة عين اليقين كشفا، ذلك اليقين الذي لا يدرك إلا بأسفار في عالم المطلق، وإدراك التجليات الإلهية في أسمى معانيها فيما أودعه الله في المرأة من جمال ومن جلال، ويلعب الخيال في كل ذلك الدور الأساسي لأنه القوة الخلاقة في الإنسان وبها تميز بالكمال وبلغ درجة الاتصال.
 
يعد ابن العربي من الشخصيات القليلة في العالم التي لازمها دون انقطاع اهتمام خاص منذ أن كانت على قيد الحياة إلى يومنا، وتنوع هذا الاهتمام وتعدد من تأييد وموالاة ونصرة وكثرة تلاميذ إلى إنكار ومعارضة وخصومة ونقد بلغ درجة التكفير. ولقد كان تأثيره على غير العادة في جل التيارات الإسلامية ومذاهبها سنية وشيعية، ظاهرية وباطنية، وبتعدد الأتباع والمؤيدين تعدد الخصوم، وقد كان دوما بين هؤلاء وأولئك شد وجذب كانت الغلبة فيه أحيانا للأتباع وأحيانا للخصوم بحسب جملة من الظروف والمعطيات: المذهبية، السياسية الاجتماعية والحضارية… الخ.
 
دور الاستشراق في راهنية التصوف:
كان وما زال الاستشراق والغرب يلعب الدور الكبير في العودة القوية إلى الدراسات الصوفية عموما وتراث “الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي” على وجه الخصوص، ذلك لأنه يتصر “قائمة المتصوفة الذين شكلت تجربتهم الكشفية نموذج الحياة الروحية المرجوة، وسلطت على أعماله أضواء يبدو من المؤشرات الموضوعية أنها مستمرة للسنوات القادمة. فلماذا يهتم المستشرقون اليوم بالتراث الصوفي عموما وبابن العربي على وجه الخصوص؟ أيعود ذلك لأسباب تتعلق بهم كأشخاص، أم بمجتمعاتهم؟ أم لأسباب تتعلق بابن العربي وبالتصوف الإسلامي؟ أم إن اهتمامهم به مرده ما يثيره من قضايا فقهية وعقدية شائكة، كانت وما زالت محل نقاش حاد بين المسلمين أنفسهم؟ أم مرد الاهتمام إلى ما رأيناه من الطابع الرمزي لفكره الصوفي والذي يتيح المجال الرحب للتأويل واتخاذ المواقف المختلفة فيكون الموقف متأرجحا في النسبة والمسؤولية بين الواضع الأول للرمز وبين المؤول؟
 
إن الظروف الموضوعية التاريخية المتمثلة في تطورات الغرب والأحداث الكبرى التي طبعت القرنين التاسع عشر والعشرين والذين تميزا بأحداث هامة منها ظاهرة الاستعمار المباشر بداياتها ونهاياتها، منها الحربين العالميتين وما أحدثته من تغيرات وتطورات على مختلف الأصعدة المادية والفكرية والروحية، وما ظهر من تيارات فلسفية ميزتها الفلسفات المادية والإلحادية، ثم العلمانية المفرطة التي أحدثت أزمات اجتماعية وأخلاقية استمرت بعض آثارها السلبية إلى يومنا هذا. كل هذا أعطى حسب المستشرقين20 أنفسهم منزلة لفكر وممارسة صوفية أكبرية منشودة اليوم.
 
لا يختلف “نصر حامد أبو زيد” في طرحه كثيرا عن بعض المستشرقين في التبرير لراهنية ابن العربي، ومن ثم راهنية التصوف الإسلامي حتى أنه طرح السؤال نفسه في كتابه: “هكذا تكلم ابن عربي” بصيغة: “لماذا ابن عربي الآن؟” وكانت إجابته مركزة على ما عرفه العالم ويعرفه من أحداث ومن تطورات علمية وتقنية وما أحدثه من تغييرات على مختلف الأصعدة، شكل القاعدة الأساسية لمبررات استحضار النص الأكبري خصوصا، والبديل الصوفي على وجه العموم. فالإنسانية، حسب “نصر حامد أبو زيد”، تعاني من القلق حول مستقبلها، بعد أن خابت آمالها في “التنوير” الذي تحول إلى أيديولوجيا سببت الاستعمار وما ارتبط به من تقهقر للعالم المتخلف وسببت الدمار والأزمات للعالم المتقدم. ثم إن التقدم التكنولوجي الهائل حول عالم اليوم إلى فضاء مترابط الأجزاء من جهة، ولكن أظهر من جهة أخرى فروقات شاسعة بين البشر، وأثمر ظلما واستبدادا محكما ومنظرا له مع مزاعم الديمقراطية والعدالة، وأثمر عولمة تحكمها حتمية قوانين اقتصادية وسياسية واجتماعية جائرة. مما أوحى بضرورة اعتماد الحل الديني، غير أن هذا الحل آل به المطاف إلى التطرف والعنف وأثمر ظاهرة الإرهاب. ليأتي في الأخير البديل الصوفي “الأكبري” بما يطرحه من روحانيات تسمو بالإنسان وتدعو إلى التسامح وإلى التكامل بدلا من التناقض المفضي إلى الصراع. ثم إن التجربة الأكبرية في حد ذاتها مصدر لتجارب فنية سامية، وتقدم للغرب صورة أخرى عن الإسلام21. الصورة التي هي ضالتهم.
 
ثم إن فكر ابن العربي وفلسفته في العقل والكشف لا تنسجم فحسب مع الأسئلة التي يطرحها زمن ما بعد الحداثة وإنما تقدم الجواب، هذا الجواب الذي تكمن فيه فلسفة ابن العربي التي تنشد الكمال للإنسان وهو كمال لا يمكن أن يتحقق إلا بسيادة القيم وفتح المجال أمام القلب للتقلب في فضاء المطلق، ويتعالى الإنسان عن عيب الحصر والتقييد22. ولكن التعالي عن الحصر والتقييد لا يعني أن منهج التصوف في حقيقته يناقض المنهج العقلي بالكلية، لتقيده بقواعد وقوانين صارمة، بل بالعكس، إذ يؤكد بعض علماء الصوفية على أنه يجب “على المبتدئ أن يرتقي بالتفكر حتى يبلغ درجة من الكمال؛ عندها يتلقى بالكشف ما سلك إليه بالعقل. ولم يقتصر المتصوفة على الدعوة إلى الاعتراف بكشف هامشي في السياق الإسلامي الكبير الخاص بالمجهود التأويلي في المادة الفقهية (أي الاجتهاد)؛ إنهم رسخوا أقدامهم في هذه الحلبة وعرضوا فيها رؤيتهم الخاصة. دفعهم ذلك – بداية – إلى تفضيل الاجتهاد عن التقليد في المجال القضائي. وفي الحقيقة فإن الاجتهاد يتطابق بشكل أفضل مع تصورهم لشريعة حية تتكشف في كل لحظة على خصوصيات المؤمن.”23 ولعل هذا كذلك من أهم مبررات الحضور القوي للتصوف في هذا الزمان.
 
إن ما جاء في كتاب “هكذا تكلم ابن عربي” يتفق كثيرا مع ما قدمه المستشرقون من مبررات ودواعي الاهتمام بالتصوف، بل وبممارسته واعتناق الإسلام من حيث هو مصدر للتصوف، وبالنظر إلى مقومات التصوف، خاصة من حيث روحيته وطابعه العرفاني، وعلو همة الصوفي ورفعة خلقه، وسعة قلبه للكون كله، وهي أمور دعت لها الديانات السماوية ولكن لم تتجسد بعيدا عن الأنبياء إلا مع الصوفية، لهذا التصوف بممارساته وبآرائه في المعرفة والمحبة وبفنائه في الألوهية وتوخيه الكمال، هو عند هؤلاء المستشرقين الأنموذج الكامل لوحدة الأديان، وأكثر من هذا المعتنق للإسلام منهم لا يرى نفسه قد تخلى عن دينه، بل أكمل مشواره في التدين وجمع الأديان السماوية كلها، (وحتى الوثنية قد تأخذ نصيبها أحيانا). يقول “إيريك جوفورا” (يونس) “Eric Geoffroy” أستاذ بجامعة ستراسبورغ – بصدد حديثه عن الإشعاع الروحي للشيخ العلاوي على الغرب وبالضبط على المعتنقين للإسلام منهم: “كلمة: Converti غير ملائمة لأن الشخص القادم من اليهودية، المسيحية أو من ديانات أخرى لم يقم سوى بمد طريقه إلى الإسلام، لقد توج عمله ولم يفارق أي شيء”24 هذا ما قد يفسر ترديد المستشرقين لعبارة التقاء الإسلام بالعقيدة الإبراهيمية، نقول هذا بالرغم من أن القصد قد لا يخول من مراد الآية الكريمة: { ومَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} النساء: 125
 
ومن مبررات اعتناق بعض الغربيين الإسلام من باب التصوف، ما يعتبره “أ. بيرك” “A. Berque” في نص يورده “جوفورا” – على أن ذلك رد فعل “الروح” على الحضارة الميكانيكية، ثم يضيف بأن المسيحية التي تقدم نفسها على أنها رسالة محبة ورحمة تقنعت بظاهرة الاستعمار. ومن ثمة فإن هذا الإسلام الصوفي في الغرب هو بفعل الأوربيين الراغبين في تجديد الميتافيزيقا وفي البحث عن أشياء لم تعد ثابتة بالعواطف الكاثوليكية، كغذاء روحي حقيقي25.
 
وفي مقابل استفادة الغرب من التصوف الإسلامي الممثل لإسلام يحقق للغرب توازنه يطرح حوفروا على المسلمين حلا لمعضلة الأصالة والمعاصرة، أو المحلي والعالمي، ومن ثم حلا لكيفية التعامل مع “العولمة” ولن يتم ذلك، حسب رأيه، إلا بالعودة إلى ما في الإسلام من بعد كوني وروحي يوحد الأجناس والأعراق في ظل عقيدة التوحيد دون أن تقمع الاختلاف والتعدد الذي يقف خلف الوحدة، وهي الوحدة التي عدها نوعا من العولمة والحداثة التي سادت في زمن الحضارة الإسلامية، يقول جوفروا في هذا الصدد:
 
“تحتوي المسيرة الحالية الحاسمية للعولمة بالنسبة إلى المسلمين… تحديا إيجابيا للغاية: إنهم مجبرون على إعادة اكتشاف البعد الكوني الذي بني عليه الإسلام… لينطلقوا نحو جوهر الرسالة الإسلامية عبر الفكاك من التقاليد والأعراف المحلية… التي غالبا ما يأخذونها على أنها من تعاليم الإسلام، مما يخلق خلطا ضارا. والانتشار المذهل للإسلام الذي تم على مراحل، ما كان ليتحقق لو لم يكن المسلمون يحملون في داخلهم القيمة المحورية للتوحيد، وهو ما جعلهم يشعرون إنهم في ديارهم حيثما كانوا. كانوا قادرين على التماس “الوحدانية” في تعدد الثقافات واللغات والأديان؛… مما أتاح لهم التكيف مع حداثتهم، وأتاح لنا أن نتوافق مع حداثتنا نحن. كانوا متراصين في حوارهم مع العالم وفي احتكاكهم الآمن مع الآخرين. وكانوا متلهفين إلى معرفة الحضارات الأخرى واستيعابها، لذا استمر الإسلام الكلاسيكي، بل شجع على نوع من العولمة، في أفضل مظاهرها: الكونية الروحية وليس النمطية المادية الحالية”26.
 
إن المستشرقين الذبن دخلوا الإسلام من باب التصوف أرادوا علم الباطن من علوم الإسلام، حيث الرمزية تسود كل شيء وباب التأويل مفتوح على مصراعيه مما يمكنهم من بناء أفكار وتصورات تتماشى ومطالبهم الروحية في إعطاء الإنسان أهمية مركزية في الكون من حيث جمعه لحقائق العالم واختصاره وللحضرة الإلهية، ومن حيث الامكانية التي يتيحها التصوف لبلوغ الكمال والتحقق والتمكن من اليقين ونيل السعادة المطلقة، أما الظاهر من الإسلام فليس مطلبهم، لهذا قال أحدهم بأن الأوربيين “الذين اعتنقوا الإسلام أو أوشكوا على ذلك كانوا يبحثون عن إسلام الباطن لا الظاهر، لقد كانوا في حاجة إلى منبع روحي حي ممكن التعامل معه”27.
 
لقد بلغ الإعجاب بتصوف ابن العربي علما وممارسة بأحد الأكبريين الغربيين إلى أن يعده وكتبه وخاصة كتاب الفصوص بأنه الحكمة الحقة وبأن حاجة العالم اليوم إلى ابن العربي ومؤلفاته هي الحاجة إلى معاني إلهية سامية، وهو من يتوفر فيه هذا، لأنه من القلائل الذين عقدوا الصلة بين المحدود والمطلق، واستمدوا المعرفة من معينها الذي لا ينضب، يقول “بيتر يونغ” “Peter Young”: “عند الحديث عن ابن العربي لابد أن ألاحظ ما يلي: قد يوجد الكثير ممن هو رحيم وحكيم، ولكن المتصفين الآن بالرحمة وبالحكمة قليلون. أما الذين هم رحماء خلص، والذين كتبهم وأعمالهم تأتي على الطريقة التامة ومن المنبع نفسه، وهم على الحكمة والرحمة ذاتها على حد سواء. فهم القلة القليلة الباقية. هؤلاء ممن بلغ قمة الجهد الإنساني، وصلوا من الوهلة الأولى المطلق بالنسبي. هؤلاء، فقط، من يمكنهم الحديث في من هو الله. يكونون هم الرحمة والحكمة. ومن هؤلاء محي الدين بن عربي، الذي هو الرحمة الخالصة بالعالم، كما أن كتبه، خاصة: “فصوص الحكم”، ليس شيئا آخر غير الحكمة ذاتها”28.
 
هناك محاولة جادة في الغرب في التعامل مع التصوف ومع تصوف ابن العربي بشكل خاص حيث يجمعون فيه بين النظر والعمل، بين الدراسة والفهم والتأويل والممارسة وهو الأمر الذي ينقصنا نحن، إذ نفترق إلى فئتين: فئة الباحثين الدارسين وفئة الممارسين، فالممارس عندنا تنقصه الدراسات النظرية والمناهج العلمية التي يتعامل فيها مع النص، والدارس ينقصه أهم شرط لفهم التصوف على حقيقته وهو التجربة الذوقية. فالحاجة ملحة اليوم إلى: ضرورة ووجوب التكامل بين الفئتين ريثما تجتمع الخصلتان في الشخص الواحد.
 
وانطلاقا من هذا التميز نلاحظ أن الطريقة الصوفية العربية التي بها مريدون من الغرب تتسم بازدواجية في الشخصية، شخصية عربية، لسان حالها ينطق تحت ظلل سلطة الفقه، فكرها كثيرا ما يستند إلى النصوص الشرعية، وشخصية غربية متحررة من سلطة الفقه، لا تعير اهتماما كبيرا لكم الفقيه فيها، بل وتكتفي بعده وجهة نظر مغايرة، أو يعبر عن وجه الإسلام الظاهري الذي لم يختره الغربي.
 
إن كثيرا من الدراسات الأكبرية لا تدخل في إطار البحث العلمي فقط، بل يندرج جزء هام منها في العمل على بعث مدرسة أكبرية غربية، على غرار محاولة الأمير عبد القادر في بعث مدرسة أكبرية عربية في عهده، ولقد سخر البعض حياته كلها لهذا الغرض وورث العمل لأبنائه وأحفاده كما فعل شودكيفيتش. مع ضرورة الإشارة هنا إلى تطور هذه الدراسات والتأويلات بالشكل الذي جعلها تحيا في أيامنا هذه ويراد لها الانتشار والسيادة في السنوات القادمة بفعل الجهود المبذولة في هذا الصدد وبفعل المناخ العام الفكري والعقدي السائد في عالم يتجاذبه تيار ما بعد الحداثة بكل ما يحمل من معاني الدعوة إلى نقد العقل والعودة إلى الروح وإلى القيم الأخلاقية والجمالية لذاتهان من جهة، وحبال العولمة المحكومة بنتائج صراع المصالح والسالكة لنهج البراغماتية المتجددة، من جهة أخرى. من هنا استطاعت أفكار ابن العربي برمزيتها الخالدة أن تعيش الماضي في إطارها المكاني والزماني وتعيش بيننا اليوم، وتسكن حتى مستقبلنا، توحد العقل والذوق وتحيي الأمل في آفاق الآتي، آفاق “ما زلما بعيدين عن تمثلها واستيعابها فضلا عن استنفاذها. [لقد] استطاع الشيخ الأكبر أن يستوي على برزخ سيبقى أبدا أفقا للبشرية”29
 
في كل الأحوال، هم ونحن، يمكننا النظر إلى التصوف وإلى تصوف ابن العربي كتجربة وكعلم إنساني لما له من هذا الطابع، ولما يوجد فيه من أفكار ومن مناهج تتماشى وما يصطلح عليه اليوم بما بعد الحداثة. وإن شئنا القول ما بعد الرشدية. ضف إلى ذلك ما يوجد في التصوف من أفكار ومن تجارب روحية تعلي من شأن الإنسانن تبتغي اليقين وتنشد الكمال حيث السعادة المطلقة. فالتصوف اليوم تشجعه الظروف الدولية الفكرية المعاصرة (ما بعد الحداثة – ظاهرة العنف، وظاهرة الغلو).
 
ولكن إذا كان بعض المستشرقين وجدوا ضالتهم في تصوف ابن العربي في فكرة المحبة ووحدة الأديان ومطلب الحقيقة المطلقة ومركزية الإنسان ف يالكون وتحقيق السعادة المطلقة والإنسان الكامل… الخ فإن هذه المطالب مشروعة وممكن البحث فيها في أي مكان وزمان ونحن كباحثين مسلمين أولى بها من غيرها لأنها صالتنا، وباعتبار التصوف في نظر ابن عربي هو الحكمة الجامعة لعلوم متعددة ومختلفة وإن اشتركت في منتهاها العقدي الذي يجب أن يكون خدمة الحقيقة الدينية أو الوصول إلى الله حيث الكمال وحيث السعادة المطلقة. ولكن كمجتمعات نحتاج إلى التصوف لا من حيث هو علم الخاصة وخاصة الخاصة وخلاصة الخاصة، بل من حيث هو أخلاق كريمة ظهرت في زمن كريم مع قوم كرام، كما قال “محمد بن علي القصاب”30. وما التصوف في جوهره وحقيقته إلا الأخلاق كما جاء في جل تعريفات التصوف خاصة إلى ما تم الاتفاق على أن أزمتنا في الوقت الحالي هي أزمة قيم أخلاقية.
 
خاتمة:
 
مجمل القول فيما سلف أن راهنية التصوف أملاها البحث عن الكمال، وأملتها العودة إلى أهمية القيم الأخلاقية والجمالية، وإلى ضرورة استعادة المعيار الأخلاقي لكل علم وعمل، وإلى العودة إلى توازن الإنسان إن لم نقل إلى ضرورة تغليب كفة الروحي على المادي كرد فعل على سيطرة طالت لعقل انفلت من قيد القيم بدافع الحرية والرغبة في الاكتشاف دون فسح المجال للتساؤل عن ماذا نبحث وإلى أين نريد الوصول؟ إلا بعد أن تأزمت الأوضاع على أصعدة شتى وأفرزت حركات استعمارية وتيارات غذت الصراعات وولدت ما يعرف اليوم بصراع الحضارات، وحتمية تحمل أعباء العولمة.
 
لقد ربطنا في عالمنا العربي أزمنة تطور المسار الفكري للغرب بأعلام سابق عهدنا فساوقنا بين الحداثة وعقلانية ابن رشد، ونساوق اليوم بين ما بعد الحداثة وفكر الغزالي أو ابن العربي، والواقع أن راهنية التصوف من خلال نموذج ابن العربي أو الغزالي والفكر الحداثي الممثل بابن رشد تجمعهما بيئة موحدة جامعة للمذاهب والتيارات ولو بشيء من التلفيق كما كان الحال في العهد الموحدي، وهو الذي يفسر تطور الفلسفة والتصوف ومختلف العلوم وبلوغها قمة مجدها في المغرب الإسلامي أيم الموحدين.
 
لقد ذهب البعض إلى الربط بين التصوف وما بعد الحداثة بسبب ما بالتصوف من لاعقلانية، والحقيقة أن التصوف ليس لا عقلانيا بالكلية بقدر ما هو ناقد للعقل ومحاول جعله يتحرر بعض الشيء من قيوده ليستوعب ما يعجز عن إدراكه بما تحت سلطته من أدوات معرفية، وبناء عليه أعتقد أن العمل المثمر الموحد اليوم ليس هو إخضاع الفكر الأكبري لصرامة العقل الرشدي بقدر ما هو تليين العقل الرشدي لجعله منفتحا على المطلق، وهو العقل الذي تمكن الفرس من ممارسته في الجمع بين مدرستي: العقلانية الإشراقية السينوية والتصوف الأكبري، في حين بدأ ابن طفيل من خلال الغرض من تأليفه حي بن يقضان في هذا السياق المطوع للعقل بالحكمة المشرقية، غير أن ابن رشد قوم مسار إشراقية حي بن يقضان وأعاد للعقل انضباطه والسبب في ذلك النزعة الفقهية والفلسفية الأرسطية الغالبة عليه.
 
إن تفعيل الاجتهاد بالمدلول الصوفي العام الشامل للأصول والفروع ولسائر العلوم الحكمية بشقيها النظري والعملي وبالشكل الذي لا يجعله فضفاضا يميعه ولا يابسا يجمده كفيل بأن يجعل منه أداة أساسية لها مهمة مزدوجة تتمثل في تحديث الدين وتأصيل الواقع، وهذا الفعل الثنائي لا يقبل القسمة أو التفاضل بين فعل وآخر، بل يجب المزاوجة بين الأمرين لكي يثمر هذا الفعل فكرا يجمع بالفعل لا يمجرد القول بين الأصالة والمعاصرة أو كما عبر عنها يونس جوفروا با “لمحلي” و”العالمي”. ويجمع في خضم ذلك بين النظر والعمل ويجعلهما متطابقين لا ينفصلان، ذلك لأن أزمتنا وضعفنا في تقصيرنا في النظر أو في العمل أو فيهما مجتمعين. ولعل التصوف من العلوم الإسلامية التي يمكنها أن تحقق هذا النوع من التطابق بين النظر والعمل بين الظاهر والباطن، وهو التطابق الذي يشكل ماهية التصوف كعلم السلوك، أو التصوف كأخلاق ترقي لما هو مطلق في الجمال حيث الحق.
 
ولا شك في أن الغرب المادي، من خلال ما رأيناه من نماذج لمن أسلموا عن طريق التصوف وجد ضالته في روحانية التصوف، في حين لا أحسب أن حاجتنا إلى التصوف في ضرورة مضاعفة جرعة الروحانيات بقدر ما هي في الالتزام بالأخلاق، لأن الحديث عن الكمال والمطلق مطلب خاص يتحقق للخواص ولن يصل إلى الحد الأقصى غير “صفاء خلاصة الخاصة” فالتصوف بهذا المعنى خاص جدا أما المعنى الذي يحتاجه الجميع هو التصوف من حيث أنه أخلاق.
 
إن المراد من الحديث عن التحديث والاجتهاد هو بحث عن السبيل إلى نهضة شاملة تنقل مجتمعاتنا من حال التخلف إلى التقدم من حال التقليد إلى الإبداع، من حال المتأثر إلى المستقل بالرأي وبالقرار، خلاصة القول من تابعين لحضارة غيرنا إلى أصحاب حضارة أو على الأقل إلى مساهمين وشركاء في حضارة إنسانية لنا فيها قول وعمل.
 
وليس هذا الأمر بالهين لأن حالة الركود والتقليد التي نعانيها تمتد في أعماق التاريخ، فكما نتغنى بحضارة سادت لقرون، يجب أن ندرك بأننا بعد تلك السيادة دخلنا في سبات وخرجنا عن دورة التاريخ بتعبير مالك بن نبي لقرون أيضا، ومحاولتنا النهضة من خلال حركات الإصلاح والحركات الفكرية المختلفة أثمرت اشياء وعجزت عن تحقيق التقدم والرقي المنشودين وحالتنا الفعلية اليوم بعيدة عن أمجاد الماضي، كما أننا لا نغنم من المعاصرة إلا سلعا استهلاكية على مستوى المادة وظلالا لتيارات ومذاهب على مستوى الفكر. فلا أصالة ولا معاصرة في واقعنا.
 
 
الهوامش 
 
ابن العربي (محي الدين): الفتوحات المكية، دار صادر بيروت لبنان، ج1، ص318.
المصدر نفسه، ج4، ص372
المصدر نفسه، ج3، ص61
المصدر نفسه، ج1، ص152
هذه الفكرة لا تروق للشيعة ولهنري كوربان الذي يذهب إلى أن هذا لا ينسحب على بلاد الفرس من الحضارة الإسلامية الذين عرفوا تطورا واستمرارية في الفكر الفلسفي ممثلا في مدرسة ابن سينا وفي التصوف ممثلا في تأثير المدرسة الأكبرية من خلال صدر الدين القونوي وجلال الدين الرومي، وهو الأثر الذي امتد إلى أيامنا هذه.
هنري كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة نصير مروة وحسن قبيسي، منشورات عويدات، بيروت لبنان، ط1، 1966، ص ص 30، 31
 
يعد “مالك بن نبي” “ابن خلدون” من أصحاب فكرة الدورة التاريخية، لكن بمصطلح الدولة لا مصطلح الحضارة، وفي هذا الصدد يقول عنه: “وأما ابن خلدون، فقد تمكن من قبل من اكتشاف منطق التاريخ مجري أحداثه، فكان بهذا المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن هذا المنطق إذا لم نقل أنه قد قام بصياغته فعلا. فقد كان يمكن أن يكون أول من أتيح له أن يصوغ قانون الدورة التاريخية، لولا أن مصطلح عصره قد وقف به عند ناتج معين من منتوجات الحضارة ونعني به – الدولة – وليس عند الحضارة نفسها.”
مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، ضمن سلسلة مشكلات الحضارة، دار الفكر، بيروت لبنان، 1979، ص 62.
 
المرجع نفسه، ص53
ابن خلدون (عبد الرحمن): مقدمة ابن خلدون، دار القلم، بيروت، لبنان، ط5، 1984، ص467
زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، دار الشروق، القاهرة، ط8، 1987، ص ص 205-206
زكي نجيب محمود: رؤية إسلامية، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1987، ص 48
المرجع نفسه، ص ص 55-56
زكي نجيب محمود: قيم من التراث، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1987، ص ص 90
المرجع نفسه، ص 48
14- Richard Rorty: L’homme Spéculaire, traduit de l’anglais par Thierry Marchaisse, Editions du seuil, Paris, p.293.
 
15- سعاد الحكيم: ابن عربي ومولد لغة جديدة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1411هـ/ 1991م.
 
16- الحلاج (أبو منصور): ديوان الحلاج ويليه أخباره وطواسينه، جمعه وقدم له سعدي ضناوي، دار صادر، بيروت، 1998م. ص147.
 
17- Gadamer Hans-Georg: La Philosophie Herméneutique, P.U.F. Paris, 1996, p p 85-89.
 
18- Jean Greisch: Herméneutique et Métaphysique, In Comprendre et Interpréter le paradigme herméneutique de la raison, Institut catholique de Paris, Beaudhesne, Paris, PP 430-431.
 
19- Denis Gril: Adab and Revelation or one of the Foundations of the Hermeneutics of Ibn ‘Arabi, In Muhyiddin Ibn ‘Arabi, In Muhyddin Ibn Arabim A Commemorative Volume, Edited by Stephan Hirtenstein and Michael Tierman, Muhyiddine Ibn ‘Arabi Society.
 
20- دوني غريل Denis Gril من المستشرقين الذين يقدمون مثل هذه المبررات، لمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى:- ساعد خميسي: من مبررات اهتمام المستشرقين بالتصوف الإسلامي، ضمن أعمال الملتقى الدولي شروط الحوار المثمر بين الثقافات والحضارات، منشورات المجلس الإسلامي الأعلى، الجزائر 2003، ج1، ص ص 195، 216
 
21- نصر حامد أبو زيد: هكذا تكلم ابن عربي، ص ص 17-23
 
22- محمد المصباحي: ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة، ضمن ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة، ص ص 26، 31
 
23- إيريك يونس جيفروا: الموقف الصوفي من مبحث العلم والدين في الإسلام، تجاوز العقل أم إلغاء العقل؟
 
-http://science-islam.net/article.php23/01/2008
 
24- Eric Geoffroy: Le Rayonnement Spirituel du Cheikh Al Alawi en Occident,P366.
 
25- Eric Geoffroy: Le Rayonnement Spirituel du Cheikh Al Alawi en Occident,P 365.
 
26- إيريك جوفروا: مرحلة صعبة يلتقي فيها “المحلي” و”العالمي” أو يتصادمان
 
– http://www.eric-geoffroy.net/article.php le 20/01/2008
 
27- Eric Geoffroy: Le Rayonnement Spirituel du Cheikh Al Alawi en Occident,P 364.
 
28- Peter Young: Ibn ’Arabi, towards a universal point of view by Delivered at the MIAS Symposium Oxford,1999.
 
29- مقداد عرفة: ابن عربي حاضرا ومستقبلا، ضمن ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة، ص 21
 
30- القشيري: الرسالة القشيرية، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 127

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!