إشاراتٌ صوفيّة

إشاراتٌ صوفيّة

إشارات صوفيّة
بقلم: خالد محمد عبده

(1)

جميل جدا أن تسرح روحك مع روح طيبة تبحث عن الجمال في كل البقاع وتنقل لك صورًا يصعب عليك الحصول على جزء منها وتربط كل هذا ببعضه لتتجسد أمامك صورة مشرقة للأنثى الصوفية .. أمّا كانت أو زوجة أو عمة أو مرشدة أو ابنة لأحد الصوفية المشاهير .. فعلت هذا أنماري شيمل في كتابها ‘روحي أنثى’ فمن أراد أن يتعرّف على صورة المرأة المسلمة فليطالع هذا الكتاب.. وهو متوفر في ترجمات عدة. وأقتبس هنا جملة من الترجمة لديّ تبعث على التفكير فيما لدينا من تراث روحيّ ثريّ، تقول أنماري شيمل: على الرغم من تأرجح موقف الصوفية من المرأة إلاّ أن نشاطها، والحقّ يقال قد حظي في ميدان التصوف بالتشجيع والتأييد أكثر مما حظي به في مجالات الإسلام الأخرى. إن رأفة النبيّ الكريم بالمرأة، وزيجاته المتعددة، وحبّه لبناته الأربع، حالت دون شيوع نظرة الاحتقار التي سادت الرهبانية المسيحية في العصور الوسيطة، كما أنّ الاحترام والتبجيل الذي تسبغه الأوساط الشيعية على فاطمة، رضي الله عنها، إن انطوى على أمرٍ، فما ذلك الأمر سوى أهمية الدور الذي يمكن أن يناط بالجناح النسائي في الحياة الدينية الإسلامية.

(2)

تعجّبت وأنا أقرأ أخبار بعض النساء الصوفية في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي عما يقال عن الرجل وعن كونه معاديًا للتصوف، اعتمادًا على ما كتبه في كتابه الشهير “تلبيس إبليس” من نقد المتصوفة وأحوالهم .. يظل هذا الكتاب حاضرًا في الأدبيات الإسلامية الحديثة حتى يومنا هذا، كشوكة في حلق المتصوفة! حتى أن شاعرًا ومفكّرًا بحجم محمد إقبال صاحب تجديد التفكير الديني في الإسلام أراد أن يعيد كتابة تلبيس إبليس بصيغة معاصرة لينقد متصوفة عصره ..
إن التفاتة الغربيين إلى كتابات ابن الجوزي لا تقتصر على تلبيس إبليس كما يفعل عوام المثقفين في بلداننا فيوجّهون الاتهامات ويطلقون الأحكام بناء على نصّ تاريخي.. بل استفادوا من كتاباته الأخرى التي تصبّ في صالح (تاريخ التصوف) وتعيد بناه، يشار هنا على سبيل المثال إلى كتابات جورج مقدسي التي أضحت متوفرة بفعل طوفان الترجمة العربي، وكتابات روث رودد! وقد استفاد من إحالاتهم على ابن الجوزي غير واحد ممن درس التصوف من أمثال (مؤمنة بشير العوف) في كتابها أبي الفرج بن الجوزيّ والتصوّف السنّيّ، وسامي مكارم في كتابه (عاشقات الله) .. لكن ذلك لم يصل بعد إلى الجمهور المسلم، سواء في ذلك خصوم التصوف أو المحبين المدافعين عنه، وكذلك جمهور كبير من المثقفين العرب!

(3)

الرجوع إلى السعادة البدائية هو عنوان بحث من البحوث التي طالعتها وأنا في سياق بحثي عن المكتوب عن الأنثى الصوفية، قرأته نهارًا بعد مطالعتي لرسالة الحكيم الترمذي عن “بدو شأنه” ذهب الحكيم بعيدًا عن هنا وراح يتحدث عن “فرح البدء” حيث لا رسالة ولا رسول ولا تعاليم تحدّ من شأن الإنسان، لا جنّة ولا نار، فرحٌ محض، فرح إله بإنسان، من أجل فرح الإنسان .. لم يصف الترمذي نفسه بالصوفي أو يتحدث عن التصوف بالرسم، وإن كانت حياته وأفكاره تسير وفق النهج الصوفي، وفي رسالته هذه شرح حاله دون أن يكون أنانيًا، بحيث يخصّ نفسه بحسن السيرة ويلوّث غيره، بل إن ما تحدّث به عن نفسه ذكر ما هو أفضل منه لزوجه الصالحة ..
هنا يكتب الصوفي قبل ألف عام سيرته ولا ينسى أن تشاركه الأنثى في تفوّقه وتجربته الروحية الثرية التي خلّفت مؤلفات في علوم الشريعة والحكمة لا يزال بعضها مخطوطًا لليوم وإن حظي الحكيم باهتمام الدارسين من مصر والمغرب وألمانيا وغيرها من البلدان.
إن ما خطّه الحكيم جميل بداية من (فرح البدء) والقلب واللب والفؤاد وانتهاء برسالته التي لم تنشر بعد (عُرس الموحدين) كان الرجل سببًا لإلهام كثيرين وعلى رأسهم ابن عربي (الشيخ الأكبر) و(مولانا جلال الدين الرومي)، فكلاهما كانت للمرأة مكانة كبيرة في حياته وتصوفه وعرف للمرأة مكانتها وقدرها، ولم ينس واحد منهما أن يسجّل ذلك في مؤلفاته الخالدة .. فعشرات القصص عند سيد الصوفية (الرومي) تؤكد ذلك، وقصة حياة ابن عربي التي أنضجت الأمومة الروحية والحبّ الخالد فيها شخصه وألهمته (ترجمان الأشواق) تؤكد ذلك.. لكن الحكيم الناطق بالعربية والفارسية غاب وغابت زوجته بعيدًا .. غاب الرجل وفُقدت الأنثى!

(4)

في خلوة السيدة نفيسة بالمقطم
كان كلّ شيء بالأمس في المقابر التي يصفها المحبّون والمحبّات بـ ‘بقيع الأنوار’ جميلا.. كنت أشعر بالأنس والراحة وأنا واقف على يميني مقام ابن دقيق العيد وعلى يساري مقام ابن الهمام الحنفي وابن عطاء الله السكندري .. الهواء كان جميلاً والرحمة كانت تلف المكان .. لا أحد هنا يزاحم أحدا ولا مجال للعبث .. تلمح شابًا يجلس.. يتحدث في هاتفه مع فتاة.. وعلى الكتلة الخرسانية بجواره صديقه الذي يظل مبتسمًا طيلة حديثه ،وفي لحظة معينة قرر الصديق أن يسعده وهو يتحدث مع من أحب، فأذاع قطعة من غناء أم كلثوم لا أذكر من كلماتها شيئا .. حتى الرجل المزعج الذي كان يجلس إلى جوار خلوة السيدة نفيسة الذي أصرّ طيلة زيارتنا أن يتشاجر مع أحدهم على الهاتف ولم يتأدب بأدب “لا ترفعوا أصواتكم” لم أذكر شيئا من حديثه ..
كان الجلوس بعد إتمام الزيارة على أعتاب مسجد ومقام سيدي ابن عطاء الله السكندري في المساء جميلا.. أغلق خادمُ المسجد الباب بعد صلاة العشاء بساعة ورحل .. لكن صاحبَ الحـِكَم.. فتحَ قلبَه لاستقبال من أرادت قلوبهم الحياة.. لا شيء يمكنه غلق أبواب الرحمة مهما طالت المزعجات سقف البنايات .. كل إزعاج وهِنٌ وضعيفٌ .. يستطيع الحيّ الذي يؤمن بحيّ قيّوم أن يخلق لنفسه مساحة لا يشاركه فيها غيره، يستطيع أن يسبّح أو يسْبَح في عالم من صنعه وحده، يستطيع أن يتنفّس دون أن يوقفه أحدٌ!
كلُّ لحظة مرّت لا يمكننا استعادتها أبدًا .. ما يأتي لن يشبهها .. حلوًا كان أو مرًّا.. فلكلّ لحظةٍ مذاقٌ هو ابن وقته كما يقول الصوفية.. جدد الله حياتنا وخلق الحلو فيها كفانا مرارة!

(5)

في مقام السيدة زينب
دخلت اليوم مقام السيدة زينب.. وجدت صوت النساء يعلو بالصلاة على النبي .. يظهر الفرح في صوتهن .. في إنشادهن لبعض القصائد والمدائح.. يجعلك فعلهن خجلاً مما يقال عن الصوت والحجاب والحرية، وكل اللغط الذي تقرأه هنا أو تسمعه ممن حولك وهم يتناقشون نظريًّا ولا يشتركون مع الناس في حياتهم .. كل صوت غير صوتهن عدم.. هؤلاء النسوة اللائي تؤكدن لك أن الإيمان بالآثار والأفعال هو الأبقى والأنفع .. أما اللغط والدفاتر المعبئة بالأحبار الضعيفة مجرد ترفٍ من فقراء لا يحسن منهم أن يمارسوا الترف وهم في انحدار كل يوم.. لا تقرأ كثيرات منهن للرومي وبعضهن لا تعرف الجنيد أو الحلاج .. تحمل إحداهن الورد ولا تلقيه على سنة الشبلي أو تعلن عن ألم وردة الحبيب على الصليب .. تكتفي بعضهن ممن لا تملك أزهارا أن تجلب بعض العشب الأخضر .. أو توزّع الماء والتمر .. وأضعف الإيمان عند من لا تحسن القول والألحان تزغرد باللسان .. لا وقت للبكاء هنا .. فدمع العين خارج المكان جفّ من كثرة التعب.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!