غلبة أمر الله

غلبة أمر الله

فردية الإيمان.

مقاربة للخطاب القرآني في سورة يوسف.

بقلم: فداء العايدي[1]

 

  

“الإيمان تجربة ذاتية وخاصة وداخلية” رالف والدو إيميرسون.

 

مضمون هذا المقال ينطلق من سؤال الفردية في الإيمان، وعلاقته بالتصوف. ويتفحّص الرؤيا التي تجد في التصوفِ محاولةً لمقاربة التجربة الإيمانية الذاتية. وهي رؤيا فكرية متقدمة سبق بها رموز التصوف زمانهم: “ديني لنفسي ودين الناس للناس” على رأي رمز التصوف الحلاج.

وقد اتخذتُ من سورة “يوسف”، مساحةً للبحث في هذه الرؤيا. بالوقوف على حضور الفردية في تجارب الإيمان، لدى الشخوص الأبرز في القصة التي تعرض لها السورة القرآنية. ويمكن عد هذا المقال تفسيراً من زاويةٍ بعينها، للسورة الكريمة.

إن الفردية المتحررة من الأطر المسبقة هي جوهر التصوف. وإن كان ثمة مثالٌ مرجعي فهو محاكاة الإيمان المصدر؛ إيمان الأنبياء مثلاً.
 أي تقويض الشكل المؤسسي للدين، الذي يلوث نقاء العلاقة مع الله كما يحدث أحياناً إذ تفسد المدرسة ذكاء طفل، وكما يخرب المكياج جمال امرأة.
 ففعل الاصطلاح المبني على كلٍ من: الإعلان والجماعية، يغمز من قناة الروحانية بالرياء أولاً، وبالتعقيد والتقليد القطيعي ثانياً.

 

لقد اصطلح على التصوف. لكن هذا لا يجعل من الإيمان اصطلاحاً جماعياً. التصوف هو الاصطلاح على الإيمان بوجود الله،  بما في الاصطلاح من جماعية، أما شكل الإيمان وسبله؛ فمختلفة وليست نمطية، أي فردية وخاصة.

وسورة يوسف، تنبيهٌ إلى تجربة يوسف الفردية في الإيمان، المرادفة للتعمق العمودي في معرفة الله، وما يتولد عنه من التسليم بغلبة أمر الله، والتوكل عليه. ولا ينبغي أن يفهم من ذلك اطراح الأسباب، لا سيما وأن الاعتداد بالاختيار العقلي، قيمةٌ واضحة في الفكر الإسلامي؛ أبسط ما يمكّنني من إثباتها، استحضارُ عبارات مأثورة تجسد هذه القيمة، وردت في القرآن الكريم، مثل: “إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم”، أو عن النبي عليه السلام، مثل: “اعقلها وتوكل”، وعن الصحابة والصالحين، مثل ما يؤثر من قول علي كرم الله وجهه: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”.

لكن سورة يوسف جاءت لتخبر عن قصة يوسف، مبرزةً الإيمان بالله، لتبشر من خلاله بالأمل.

وسأجتهد فيما يلي في تقديم قراءة لفردية الإيمان في السورة، بالوقوف على الآيات، والعبارات، التي حسبت أن فيها ما يمكنني قوله، في هذا السياق.

(وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيوسُفَ فِي الأَرضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأويلِ الأَحاديثِ وَاللَّـهُ غالِبٌ عَلى أَمرِهِ وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ) ﴿٢١﴾ يوسف المظلوم بالغيرة، أسكن الله جرحه بالتمكين الأول في الأرض، وبتعليمه تأويل الأحاديث. وهذا أمر الله الغالب، الذي يجهل أهميته وقيمته كثير من الناس، تحت سطوة المعطيات والظروف المادية، مما يجعل العلاقة مع الله خاصة، بالخاصة المصطفين بالقبول من الرب تعالى، ومضمونها أسرارٌ على العامة.

(وَكَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ) ﴿٢٢﴾ فلعمل الدنيا، والأخذ بأسبابها الواقعية تقدير رباني، وجزاء ملموس في الدنيا. لكن وعلى تكرار التنبيه إلى الاعتداد الرباني بالعمل الدنيوي ممثلاً في لفظة “المحسنين”، إلا أن حضوره في مساحة النص القرآني، لم يغلب حضور أمر الله وإرادته.

(قالَ مَعاذَ اللَّـهِ إِنَّهُ رَبّي أَحسَنَ مَثوايَ إِنَّهُ لا يُفلِحُ الظّالِمونَ) ﴿٢٣﴾ يوسف على يفاعة سنه انتبه إلى سابق فضل الله عليه. لقد تعلم وتربى على الإيمان، وعلى وجود الله، فالخجل منه، قبل الخوف. والخجل مرتبطٌ بالحب، وهذا من علامات المعايشة لتجربة خاصة مع الله، قوامها المشاعر، لا القواعد المؤسسية المشتركة.

(لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبِّهِ) ﴿٢4﴾. ليوسف من قوة الإيمان قدرٌ وضربٌ، ردّاه إلى تذكر الله تعالى، أو جعلا ربه سبحانه وتعالى لا يتركه لمعصيته، لقد صار عارفاً بالله ولياً له، يختصه بالكشف والإطلاع على ما لايراود فكر العامة في خضم مصاب دنيوي. والتخصيص إفراد.

(نَبِّئنا بِتَأويلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ المُحسِنينَ) ﴿٣٦﴾ هذا ثاني المواضع الذي يأتي فيه ذكر مادة الفعل “أحسن” على هيئة اسم الفاعل “محسن”، لإقرار الخيار العقلي في العمل. فيوسف محسن؛ متقن لما يعمل، ومن هنا جاء توقع صاحبيه أن يجيد تأويل رؤيتيهما. وهذا مما رآه القرطبي ” وقيل : من المحسنين أي العالمين الذين أحسنوا العلم”[2] أو الإحسان إلى الخلق. يقول الطبري: فقال بعضهم : هو أنه كان يعود مريضهم ، ويعزي حزينهم ، وإذا احتاج منهم إنسان جمع له .[3] 

 فهو محسن بأخلاقه، وبفعل الخير للناس، وبإجادة ما يعمل.

(إِنّي تَرَكتُ مِلَّةَ قَومٍ لا يُؤمِنونَ بِاللَّـهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُم كافِرونَ) ﴿٣٧ حتى وهو يمارس فعلاً يقوم على الاجتهاد العقلي: تأويل الأحاديث، لا ينسى يوسف ربه، وإيمانه، بوصفه ركناً مهماً في حياته، ويعرض على الناس خبرته الإيمانية، بسلاسة الحديث عن تجربة حب، وبدافع الحب، دونما إجبار. وهذا يدعم فكرة فردية الإيمان “فمن اهتدى فلنفسه”.

)ذلِكَ مِن فَضلِ اللَّـهِ عَلَينا وَعَلَى النّاسِ وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَشكُرونَ( ﴿٣٨ ومن الطبيعي ألا يشكر أكثر الناس اللهَ تعالى على فضله؛ فالصفوة قلة منتخبة في علاقتها مع الرب، هي من تدرك معنى الشكر الحقيقي، وتتذكر أن تشكر الله، في أمواج الدنيا المادية.

)إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّـهِ( ﴿40﴾  ورغم سطوة الدنيا بتفاصيلها المادية على الحواس والعقل، حصرت -على لسان يوسف- ملكيةُ الكلمة النهائية الفاصلة في كل شأن، بالله عز وجل.

فَأَنساهُ الشَّيطانُ ذِكرَ رَبِّه( ﴿42﴾  لكن يوسف البشري جرف في لحظة ضعف إنساني مع حلم التحرر، والخروج من السجن، فوضع توكله على إنسان، وسأل إنساناً، واستعظم إنساناً من دون ربه، وليس هو المأمول منه هذا، في سياق الإيمان. فعاقبه ربه بقدر محبته له. فلبث في السجن بضع سنين.

)قالَ ارجِع إِلى رَبِّكَ فَاسأَلهُ ما بالُ النِّسوَةِ اللّاتي قَطَّعنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبّي بِكَيدِهِنَّ عَليمٌ( ﴿٥٠ من أين استمد يوسف القوة ليخاطب الملك هكذا؟ من الإيمان الأصيل بالله.

)كَذلِكَ مَكَّنّا لِيوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيثُ يَشاءُ نُصيبُ بِرَحمَتِنا مَن نَشاءُ وَلا نُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ) ﴿٥٦﴾(وَلَأَجرُ الآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذينَ آمَنوا وَكانوا يَتَّقونَ) ﴿٥٧ التمكين الثاني: الانعطافة الثانية في حياة يوسف نحو كل خير دنيوي، أو “الرحمة” بمعناها المرتبط بسعادة الدنيا؛ يقول النبي محمد عليه السلام مخاطباً ربه في الدعاء المعروف:”إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي، لكن رحمتك هي أوسع لي” يعني أنه رغم اكتفائه عليه السلام برضا الله تعالى عنه، مما يكسبه حظ الآخرة، إلا أنه لا يرفض منن الله عليه في الدنيا المعبَرُ عنها ب “الرحمة”. ورحمة الله مرهونة بمشيئته تعالى، وبالإحسان؛ المتصل معناه مثلما سبق عرضنا بالخير الدنيوي: للناس، والأشياء. فالخير الدنيوي له جزاء من “الرحمة”، أي التوفيق في الدنيا. والحديث عن الرحمة في الدنيا لا يَجُبّ بالطبع أجر الآخرة الثابت والأعظم، وسبيله التقوى؛ أي العلاقة مع الله في سياق أداء الشعائر. هذا يوسف: نال التمكين في الدنيا بحسن الخلق، ومعاملة الناس، أي بالإحسان الدنيوي، والتمكين الأخروي بإصلاح ما بينه وبين الله. فالدين لله، والخُلُق لله وللناس. وهذا أساس فكرة التصوف: التخلية: بتطهير النفس من رذائل الأخلاق، والتحلية: بالعمل بالطاعات والمبرات والقربات.

 (قالَ هَل آمَنُكُم عَلَيهِ إِلّا كَما أَمِنتُكُم عَلى أَخيهِ مِن قَبلُ فَاللَّـهُ خَيرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرحَمُ الرّاحِمينَ) ﴿٦٤

لو رفض يعقوب أن يرسل ابنه المحبوب الثاني مع إخوته، لما منعه أحد، ولما ترتب عليه لوم، وهو الذي فقد ابناً بتدبير أخوته، وكيدهم، لكنه من الإيمان ما يجعله يركن إلى حفظ الله ورحمته، ليرسل ابناً ثانياً مع أخوته الغير مأمونين.

(قالَ لَن أُرسِلَهُ مَعَكُم حَتّى تُؤتونِ مَوثِقًا مِنَ اللَّـهِ لَتَأتُنَّني بِهِ إِلّا أَن يُحاطَ بِكُم فَلَمّا آتَوهُ مَوثِقَهُم قالَ اللَّـهُ عَلى ما نَقولُ وَكيلٌ) ﴿٦٦  هل ظن يعقوب أن الموثق الذي طلبه منهم كان سيمنع من وقوع أمر الله؟ حاشاه. وهذا الأمر نفاه ربه عز وجل عنه في الآية الآتية، لماذا؟ لأنه تعالى أعلم بما بينه وبين عبده ونبيه يعقوب، أما بخصوص هذه الآية تحديداً؛ فإن يعقوب طلب الموثق من أبنائه، ليطمئن إلى صدقهم مع الله ومعه، لا إلى حفظهم لحياة أخيهم وإرجاعه سالماً، فهذا أمر الله.  

(وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدخُلوا مِن بابٍ واحِدٍ وَادخُلوا مِن أَبوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغني عَنكُم مِنَ اللَّـهِ مِن شَيءٍ إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّـهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلونَ ﴿٦٧ وَلَمّا دَخَلوا مِن حَيثُ أَمَرَهُم أَبوهُم ما كانَ يُغني عَنهُم مِنَ اللَّـهِ مِن شَيءٍ إِلّا حاجَةً في نَفسِ يَعقوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذو عِلمٍ لِما عَلَّمناهُ وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ) ﴿٦٨ لقد عرض النص القرآني  في الآية 67 لموقفٍ طلب فيه يعقوب من أبنائه الاحتياط والأخذ بأسباب الأمن على النفس، بالدخول من أبواب متفرقة، واستدرك يعقوب استدراك توضيح لا استدراك تراجع، فتذكر، من ثم ذكر،َ حكمَ الله الحاسم لكل مسار، وجدد إعلان توكله عليه، وكأنه يعلّم أبناءه أن الأخذ بالأسباب لا يعني نسيان الحقيقة الأقوى: ما يريده الله سيتم، وأن هذه الحقيقة لا تفل توظيف العقل في الاختيار، وهو الدور المنوط بالإنسان. وحملت الآية اللاحقة تأكيداً ربانياً على نية يعقوب، واحتواءً لها: إنها حاجة إنسانية قد يكون لها ارتباط بعاطفة الأبوة تجاه الأبناء، هي ما دفعت يعقوب إلى توصية أبنائه بالدخول متفرقين خوفاً عليهم. لكن الله تعالى العليم، أحاط علمُه بما في نفس عبده التقي يعقوب، لا سيما بفضل علاقتهما الخاصة والقريبة. ويعود الحق سبحانه ليؤكد على فكرة إيثار العلم الرباني بقلة من الناس.

(ما كانَ لِيَأخُذَ أَخاهُ في دينِ المَلِكِ إِلّا أَن يَشاءَ اللَّـهُ) ﴿76﴾ يوسف الذي حصل له التمكين الدنيوي الثاني بامتلاك السلطة والجاه، دبر واستعمل عقله ليأخذ أخاه في كنفه، لكن مشيئة الله كانت راعيةً لهذا التدبير

(إِنّا نَراكَ مِنَ المُحسِنينَ)﴿٧٨ للمرة الثالثة يرد ذكر الإحسان، إذ يصف الأخوة أخاهم يوسف بانه محسن، حسن الخلق، نبيل التعامل. لقد كان يوسف رجلاً محبوباً ممدوح السيرة، وهي سمات نشرت رسالته النبوية؛ فتحولت مصر إلى التوحيد، كما تذكر مصادر دينية وتاريخية عديدة. لقد صدقت جملة “الدين المعاملة” على قصة يوسف.

(حَتّى يَأذَنَ لي أَبي أَو يَحكُمَ اللَّـهُ لي وَهُوَ خَيرُ الحاكِمين) ﴿٨٠ كلما تأتي لتفكر في بعدٍ دنيوي لأية حادثة أو حدث في السورة، تعاجلك عبارة قرانية تحمل الإرادة الربانية.  فالابن يقيد عودته إلى فلسطين مغادراً مصر، بأحد خيارين: إذن أبيه، أو حكم الله. فكأنه يقول: أنتظر إذن أبي، فإن لم يحصل، يسري علي حكم الله. وهذا تجريد لعلاقة الأسباب بأمر الله في المنظور الإسلامي؛ تؤدي ما عليك من اختيار عقلك آخذاً بالأسباب، والبقية فعل ربك. يعظم الابن من شأن حكم الله، إن كان الرضوخ النهائي له؛ فهو تعالى خير الحاكمين. وهذا تعبير عن مبلغ الرضا بالقضاء الرباني، والتسليم له، وهي صورة أخرى من صور الإيمان العميق، القائم على معايشة خاصة للعلاقة مع الإله.   

(وَما شَهِدنا إِلّا بِما عَلِمنا وَما كُنّا لِلغَيبِ حافِظينَ) ﴿٨١العلم في مقابل الغيب. العلم قاصر يشبه غرفةً مصمتة، أما الغيب فعصي على إدراك الحافظة العقلية.

(عَسَى اللَّـهُ أَن يَأتِيَني بِهِم جَميعًا إِنَّهُ هُوَ العَليمُ الحَكيمُ) ﴿٨٣ السياق الموضوعي للآية هو تلقي يعقوب لخبر فقدان ابنه الثاني. وإذ تفتق الحزن من قلبه فور إدراكه للحقيقة، سرعان ما عاد يعقوب لوعيه الإيماني بالإله، فعبر عن أملٍ رحب عز نظيره؛ أملٍ بدور رب العزة، وأملٍ ليس بعودة الابن الثاني المفقود للتو وموضع الحديث فحسب، بل وبعودة يوسف الذي يُعلَم من أمره أنه ميت. ومن سعة الأمل المستند إلى قوة الإيمان بالله وكرمه ورحمته، أنه يمتد لدى يعقوب إلى توقع عودتهما إليه معاً، في موقف فرحة، أكبر من ظن الإنسان. إن “من لا يعرف الله يجهله”، قياساً على المثل الشعبي الذي نقوله، ولله المثل الأعلى. فمن لم يذق من معاني أسماء الله وصفاته: كرمه ورحمته ولطفه وحلمه وعظمته وقدرته وجبره ورأفته وعطائه وحكمته وعلمه، يسجن في نطاق المعطيات المادية والعقلانية، ومن ثم تضيق عليه الدنيا بأسبابها. فيُسكَن بالهم. لذا تقارب تجارب العرفان لدى الصالحين والمكرمين، تجارب الأنبياء؛ والمشترك: التكرس لله.

(قالَ إِنَّما أَشكو بَثّي وَحُزني إِلَى اللَّـهِ وَأَعلَمُ مِنَ اللَّـهِ ما لا تَعلَمونَ) ﴿٨٦ توجه يعقوب بشكواه إلى الله، وهذا موطن صدق. انظر إلى توظيف النص القرآني ل”إنما”؛ وجمهور العلماء والنُّحاة على أنها تُفيد الحصر، وتفيد عند الآمدي تأكيد الإثبات. ولو أمعنا النظر لوجدناها في الآية، تحمل المعنيين. إذ من المنطقي أن لا تشتكي لغير من لا يملك مساعدتك، وهذا من إيمان يعقوب بانحصار القدرة بالله، ومصدر هذا الإيمان: ما خبره من ربه، مما لم يخبره الناس.

(وَلا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ)﴿٨٧ ما زال يعقوب قادراً على مخاطبة أبنائه بحنان ونصح الأب، رغم ذنبهم، والمسوغ: إيمانه بإرادة الله. إذ ما كان منهم، ليس بمكرهم؛ بقدر ما كان بإرادة الله. فضلاً عن رسالة الآية؛ التي تشدد على ربط الأمل بروح الله، بالإيمان، من خلال توظيف الحصر.

(إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّـهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ) ﴿٩٠ التقوى طاعة تختبر الصبر، والصبر ثقة تختبر الإيمان بوجود الله.  وهذان تشكلان من تشكلات الإحسان، يستجلب بهما الأجر الرباني في الدنيا والآخرة: التقوى والصبر. فبناء علاقة مع الله، تستكنه وجوده، وتسيّر الحياة وما بعدها، يتطلب أولاً: الحرص على التزام أوامره واجتناب نواهيه بالتقوى، وثانياً: الصبر على ابتلاءاته، إيماناً بحكمته، وعلمه، وعظمته، وملكه.

(قالَ أَلَم أَقُل لَكُم إِنّي أَعلَمُ مِنَ اللَّـهِ ما لا تَعلَمونَ) ﴿٩٦﴾. إذ تجلت عاقبة القصة، وأتم الله أمره، ومضت كلمته؛ يبدو الأب المؤمن وكأنه يشدد على أن الدرس الإيماني المستفاد من القصة، أجلّ وأعظم من عودة يوسف، إذ يذكر أبناءه بما يراه الأكثر أهميةً: العلاقة الفردية الخاصة مع الله، تجعلك ترى ما لا يراه الناس من حولك، فيكون لكلٍ كوةُ الأمل خاصته.

إِنَّ رَبّي لَطيفٌ لِما يَشاءُ. إِنَّهُ هُوَ العَليمُ الحَكيمُ )﴿١٠٠ لماذا حصر لطفه تعالى، بمشيئته؟ لاختصاص علمه، ولحكمته.  فهو سبحانه وتعالى يعلم من سريرة البشر وعلانيتهم، ما يجعل من توزيعه للطف عليهم، قدراً حكيماً، لا تدركه أفهام الناس. ولا يكفي لاستيعابه ما يظهر من علاقة الإنسان بالله تعالى، في العلن. فعلمه تعالى، متصل بفردية وخصوصية علاقة العبد بربه.

(أَنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ) ﴿101﴾هذه الجملة تكثف إدراك يوسف بوجود الله تعالى في حياته. مثل خاتمة ملخصة. وتركيب الخطاب من يوسف لربه “أنت وليي” يعكس علاقة قرب بينهما، لا تتحقق إلا بمعايشة ومكابدة فردية.

(لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ. ما كانَ حَديثًا يُفتَرى، وَلـكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ) ﴿١١١ عبرة القصة يفيد منها أولوا العقول والقلوب، دون حصرهم بالمؤمنين.  إذ معنى الإيمان في بطن وظاهر قصة يوسف . وللقصة غاية ومغزى: تصديق الرسالة الإلهية، لا سيما التي جاء بها محمد، وتفصيلٌ متعمقٌ في مفردة الإيمان. تعضد إيمان المؤمنين، وتنير سبلهم في تيه الضيق الدنيوي. وتمثل نموذجاً من نماذج الرحمة الإلهية بالمؤمن.

إن نقاش الفردية في التعامل مع الدين -الذي يرتبط بالخصوصية والباطنية-من الأهمية، لأنه يلقي الضوء على ظروف تخلق كثير من التأويلات الدينية التي تسوغ محاكمة البشر للبشر وفق معتقدهم، وتروج لفكر يحتكر الحقيقة، ولا يملك وعياً بحق وجود الآخر المغاير. مما شكل بيئةً لولادة العنف، والكراهية، والطائفية، بمبرر الدين. ومن ثَم يسر للسياسة استغلال الدين.

 

مراجع:

  1. القرآن الكريم. سورة يوسف.
  2. القرطبي، أبو عبد الله محمد الأنصاري (671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: احمد البردوني، وإبراهيم اطفيش، ط2، 1964، دار الكتب المصرية، القاهرة
  3. الطبري، محد بن جرير (310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق، أحمد شاكر، 2000، مؤسسة الرسالة، بيروت.

 

 

[1]   فداء العايدي. طالبة دكتوراه الأدب العربي في الجامعة الهاشمية- الأردن.

[2]  انظر: القرطبي، أبو عبد الله محمد الأنصاري (671ه)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: احمد البردوني، وإبراهيم اطفيش، ط2، 1964، دار الكتب المصرية، القاهرة، 9/ 160.

[3]  انظر: الطبري، محد بن جرير (310ه)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق، أحمد شاكر، 2000، مؤسسة الرسالة، بيروت، 98/ 16

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!