جديد

فصول في التصوف

فصول في التصوف
Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

 

الشّافعيُّ وفصولٌ في التصوف

بقلم: خالد محمد عبده 

فصولٌ في التّصوف لسماحة العلاّمة الشيخ حسن الشافعي، رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجامعة الإسلامية بباكستان، يُعرف الشيخ الشافعي في الوسط الثقافي اليوم بهاتين الصفتين، وعلى الرغم من ظهوره في المشهد السياسي منذ لحظة بدء الفعل الثوري في مصر واضطلاعه بدور كبير في الأزهر، سجل جزءًا منه فيما بعد في مذكراته المنشورة بعنوان (شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر) ونشر في دار الغرب الإسلامي، ولعله –أمدّ الله في عمره- سيسجل الكثير من التفاصيل في سيرته الذاتية (حياتي في حكاياتي) التي ينتظرها طلاّبه والمهتمين بدور عالم جليل مثله أدى دوره في خدمة العلم والإسلام شرقًا وغربًا، ولا يزال. إلا أنه غير معروف عند كثيرين من متابعي الدرس الصوفي اليوم. إذ لا يظهر الشيخ في الإعلام المرئي كثيرًا ولا يكتب في الصحف ولا تعقد معه الحوارات طالما أنه اكتفى بتدريس الطلاّب في الأزهر فلم يعد هناك من حاجة من الاهتمام بأخباره إلا فيما ندر.

اهتم الجمهور الذي يقدّر المواقف السياسية بالشيخ الشافعي نظرًا لمؤازرته للتيار الإسلامي، وبدأت المقالات في السنوات الأربع الأخيرة تُكتب عنه وعن جهوده وعن مواقفه ولم يقارب أحد ممن كتب شيئًا من إنتاجه الفكري، فأهل السياسة لا يلتفتون للأوراق بقدر اهتماماهم بمن تصبّ جهوده في المجتمع في صالحهم، كُتبت المقالات عن مواقف الشيخ من الثورة في يناير ومن رابعة وما تلاها من أحداث، وبطبيعة الحال حينما جلس الشيخ في الجامع الأزهر يستكمل دروسه التي بدأها قبل سنوات مع مشروع إحياء دروس الأزهر[1] لم تتحدث المقالات عن كتاب يشرحه أو علم ينشره!

لكن كثيرين ممن تتلمذوا على الشيخ في السلوك قبل العلم كتبوا عنه قبل سنوات، وهم على اختلاف مشاربهم مجمعون على أنه من أنبل من عرفوا خلقًا ومن أدق من عرفوا في أمور البحث والكتابة، ومن يختلف مع الشيخ في النهج أيضًا يشهد له بتمكّنه في المعرفة، ومن ذلك ما قاله الأستاذ عبد المجيد الشرفي في كتابه (الإسلام بين الرسالة والتاريخ) عن المؤلفات الكلامية في العصر الحديث، وأن كتابًا من أفضل الكتب المرجعية لا يقارن بغيره من الكتب هو كتاب المدخل إلى علم الكلام للشيخ الشافعي.

وفيما يلي نذكر تعريفًا بمؤلفات الشيخ بشكل موجز[2]:

للدكتور‌ حسن‌ الشافعي ستة تآلیف هي: كـتب‌ المـدخل‌ إلی‌ دراسة علم الكلام‌، مقدمة‌ فـي الفلسفة العامة، فصول‌ فـي التـصوف، في فكرنا الحدیث والمعاصر، لمـحات من الفكر الكلامی، شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر – عدا تآلیف بالاشتراك‌ في المنطق ومناهج البحث، إلی جانب تحقیقه‌ ودراسـته‌ لكـتابي:غایة‌ المرام‌ فی‌ علم الكـلام والمـبین فـي معاني ألفاظ الحـكماء والمـتكلمین لسیف الدین الآمدی، الذی زوّده بـمقدمة ضـافیة عن المصطلح العلمي والكلامي بصفة‌ خاصة في التراث الإسلامي، فصّل فیها‌ القول‌ عن‌ المـؤلفات‌ العـامة‌ في المصطلحات المستخدمة‌ في كافة العـلوم الإسـلامیة وعلوم اللغـة العربية.

وعدا ما للدكتور الشافعي من ترجمتین عن الإنجلیزیة لكتابّي «تاریخ التشریع الإسلامی» لكولین، و«تطور الفكر الفلسفی فی إیـران» لمحمد إقبال (بـالاشتراك مع الدكتورین محمد السـعید جـمال الدین  ومحمد سراج علی الترتیب) فإن‌ له‌ عشرة أبحاث‌- ثلاثة منها بالإنجلیزیة، ألقی اثنان منها فی أكادیمیة الشریعة وندوة الاقتصادیین المسلمین بإسلام أباد عن: مبادئ علم‌ أصول الفقه وكیف یـفید الاقـتصادیون المسلمون منه»،وعن«القاضي في ظل‌ّ الدولة‌ الإسلامیة‌ (1988)- والأول منشور بمجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامی بجدة (1984).

أما ‌‌ثمانیة‌ البحوث بالعربیة فهي منشورة بحولیات دار العلوم عن (مـشكلات تـحقیق النصوص العـربیة)، ومجلة‌ الدراسات‌ العربیة‌ والإسلامیة عن:(إعداد الداعیة المفتی)، وضمن منشورات كلیة الآداب والعلوم الإنسانیة بالرباط 1988عن‌: (الغـزالی-المنهج وبعض التطبیقات)،وضمن أعمال ندوة تربیة الشباب المسلم ودور الجامعات‌ فـیها، إسـلام أبـاد،1988‌ عن‌: (مشكلة المغالاة فی الولاء للقادة وقضیة جماعة المسلمین)-إلی جانب البحث المنشور مبكرا عام 1980 بمجلة البنوك الإسلامیة والاقـتصاد ‌ ‌الإسـلامي بالقاهرة بعنوان:نحو تقسیم للعلوم الشرعیة الإسلامیة،وبحث ألقي بمؤتمر الحضارة الأنـدلسیة المـنعقد بـكلیة آداب القاهرة 1991 عن ابن رشد الفقیه وكتابه:بدایة المجتهد ونهایة المقتصد.

ولا یتوقف العطاء الثرّ المتواصل للدكتورحسن الشافعی- فمن أبحاثه وترجماته‌ وتحقیقاته‌ كتاب«الآمدي وآراؤه الكلامیة ودوره فی تطویر علم الكلام» ،وتحقیقه لكتاب«عطف الألف المألوف عـلی اللام المعطوف»لأبي الحسن الدیلمي، ثم ترجمة هذا الكتاب إلی الإنجلیزیة (بالاشتراك‌ مع‌ أستاذ اللغة العربیة بجامعة برجن بالنرویج جوزیف بل)، ودراسته بالإنجلیزیة لعلم الكلام الاثنی عشري وتطوره حتی القرن السابع الهجری (تـجرید الاعـتقاد)، وتحقیقه كتاب«أساس الاقتباس» في المنطق-بجزأیه.

فصولٌ في التّصوف

كثرت الكتابة الصوفية في مصر في العصر الحديث، وكتب أساتذة كُثر عن التصّوف، منهم من اكتفى بنشر بعض مباحث متعلقة بالتصوف في المجلات كالرسالة والمقتطف والمجلة وغيرها، ومنهم من طوّر بحوثه ونقّحها وجمعها في كتاب، أيّد الفكر الصوفي كثير من الكتّاب، وعارض بعضهم هذا الفكر لأثره على المجتمع والعلوم الفلسفية، وشهدت المجلات المصرية معارك فكرية تمخّضت عنها كتابات ساهمت في إثراء التصوف والتعريف به وبقضاياه واستمر هذا الاهتمام ولا يزال.

ألّف قبل الشيخ الشافعي أساتذة في الجامعة المصرية في التصوف كمحمد مصطفى حلمي، وأبي العلا عفيفي، وأبي الوفا التفتازاني، وأبي ريّان، والنشّار، وعبد الرحمن بدوي، وتوفيق عيّاد، وإبراهيم بسيوني، ومحمد كمال جعفر، وغيرهم، فما الحاجة إلى مثل هذا المدخل مرة أخرى؟ يجيب الشيخ أن ثمة (دوافع قوية متجددة ومتنوعة تدعونا إلى أن نعيد النّظر، ونقلّب الرأي ونتابع البحث في قضايا التّصوف، بعضها يرجع إلى طبيعة الموضوع، وبعضها يرجع إلى طبيعة نفوسنا ذاتها، وبعضها يرجع إلى ظروف العصر من حولنا، والبعض الآخر يرجع إلى اعتبارات دينية وثقافية وتاريخية تعني المثقّف المسلم بوجه خاص، ولكنها جميعًا تمثّل حاجة فكرية ومعنوية وروحية لا يسعنا إهمالها بحال)[3].

يستهل الشيخ الشافعي كتابه بأنشودة النّاي لمولانا جلال الدين الرومي: استمع للناي كيف يقصُّ حكايته، فهو يشكو آلام الفراق (قائلاً) :إنني منذ قُطعت من منبت الغاب، و الناس جميعًا يبكون لبكائي! إنني أنشد صدرًا مزّقه الفراق، حتى أشرح له ألمَ الإشتياق. فكلّ إنسان أقام بعيدًا عن أصله، يظلّ يبحث عن زمان وصله. لقد أصبحتُ أنوح فى كل مجتمع و ناد، وصرت قريناً للبائسين والسعداء. وقد ظنّ كلّ إنسان أنه قد أصبح لي رفيقاً، ولكنّ أحدًا لم ينقّب عما كمن فى باطني من الأسرار! و ليس سرّي ببعيد عن نواحي، و لكن أنّى لعين ذلك النور، أو لأذن ذلك السمع الذي به تُدرك الأسرار[4] .

في مقدّمة الكتاب يظهر حضور الرّومي بشكل كبير، فحنين النفس الإنسانية إلى معدنها الأول يتجسّد في الصورة التعبيرية التي صاغها الرومي في أنشودته، لكن الشيخ لا يستشهد بالرومي مفضّلا مدرسته على غيره من الصوفية، بل يجمع في تناغم بينه وبينه غيره من الصوفية، بل ومن خصوم الصوفية أيضًا!

فيسبق ابن تيمية ابن عطاء الله السكندري، ويجاور ابن القيّم الرّومي، ويجتمع الغزالي بمارتن لينجز، ويتأخر ظهور الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر الذي أحيا تراث الصوفية الأوائل عبر تآليفه، وأحيا نموذج الصوفي القديم بتجسيده بسلوكه وأعماله، فالتصوف: (ليس عملاً علميًا، ولا بحثًا نظريًّا، إنه لا يُتعلّم بواسطة الكتب على الطريقة المدرسية، بل إن ما كتبه كبار مشايخ الصوفية أنفسهم لا يُستخدم إلاّ كحافزٍ مقوٍّ للتأمّل، والإنسان لا يصير بمجرد قراءته متصوّفًا) يؤكد الشيخ الشافعي -عبر هذا الاقتباس وآخر يسبقه عن الإمام الغزّالي في كتابه (المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال)- على أن التصوف الذي هو موضوع كتابه لا يغني في معرفته –معرفة حقيقية كاملة-مجرد القراءة عنه، أو الدراسة النظرية له… لكننا على أية حال لا نطلب من وراء هذه الفصول إلاّ المعاونة على حسن الفهم والإدراك للظاهرة الصّوفية، كما بدت في محيطنا الثقافي(ص16-18) .

 (فصولٌ في التصوف) عبارة عن أربعة أبواب، الباب الأول: في معنى التصوف (ما التصوف؟)، والثاني: نظرة عامة إلى تاريخ التصوف، والثالث: من تجليات الأدب الصوفي، والرابع: في نقد التصوف.

يقسّم الشيخ الباب الأول (ما التصوف؟ 21-116) إلى أربعة فصول، الفصل الأول: اسم التصوف، ظهوره، ومعناه اللغوي، ويؤكد مع الدكتور محمد كمال جعفر على أن البحث عن الأصل الذي جاءت منه كلمة التصوف هو مجرد إشباع للفضول، فضلاً عن كونه قليل المحصول. لكنه عملاً بسنة القدماء وحرصًا منه على تعريف القارئ بمقدمة هذا العلم يتحدث عن ظهور التصوف وبدايات إطلاق المصطلح في التاريخ الإسلامي، ويخلص في نهاية الأمر إلى أن الكلمة ظهرت ثم شاعت ثم غلبت على غيرها من ألقاب هذه الفئة من المسلمين (الصوفية) التي تميّزت بمذاق روحي في فهم الدّين، ومسلك عملي خاص في تطبيقه(ص26).

وينتقل الشيخ للحديث عن المعنى اللغوي، ويلخّص الاتجاهات المختلفة في بيان أصل الكلمة لغويًا (التصوف-الصوفي) في ثلاثة: 1-إنه ليس لها أصل عربي اشتقت منه، بل وضعت هكذا وضعًا جديدًا لتمييز هذه الفئة من النّاس. 2-إنها قد استعيرت من لغة أخرى هي الإغريقية ولا أصل لها في العربية. 3- اتجاه يحاول تحديد الأصل اللغوي للكلمة في ضوء اعتبارات دلالية في الغالب، دون اهتمام بالجانب اللفظي وتوافقه مع قواعد الاشتقاق والنسب اللغوية. ويعرض الشيخ لهذه الاتجاهات ويناقشها معتمدًا ما يقوله التراثيون والمحدثون في شأن الكلمة.

وفي الفصل الثاني من هذا الباب يتحدث عن خصائص التصوف مستندًا إلى ما تقوله الباحثة الغربية إيفلين أندرهل، التي ذكرت خصائص أربع للتصوف الإسلامي، ويشفع ذلك بما يقوله أبو الوفا الغنيمي التفتازاني (أستاذ الفلسفة والسالك الصوفي وشيخ مشايخ الصوفية في وقته) عن خصائص التصوف بمعناه الإنساني العام. وللشيخ الشافعي رؤية خاصة به إذ يحدد خصائص التصوف الإسلامي في صفات ثلاث: 1-الارتباط بعقيدة التوحيد مبدأ ونهاية. 2-التعلّق بالذّات المحمدية والمحبة الغامرة لشخص مُحمّد صلى الله عليه وسلم كنبيٍّ يحمل رسالة إلى الخلق وكولي عارف بالحق وبوصفه الإنسان الكامل. 3-التصوّف ظاهرة سُنّية ظهر في الأوساط السنية، ولم يُعرف عن الشيعة اشتغالهم بالتصوف إلا مؤخرًا!

وفي ختام هذا الفصل يعرض الشيخ لعلاقة التصوف بالعلوم الشرعية من حيث المنهج والموضوع، ويبين لنا أن مهمة التصوف ليست الرواية وتحقيق مصادر الحكم الشرعي كما هو الشأن عند المشتغلين بعلوم القرآن وعلوم الحديث، ولكنه يتلقّى نتائج هذين العلمين عن رجالهما المتخصصين، ولا ينسى الشيخ أن يشير إلى أن أكثر طرق الرواية في العصر الحديث ترجع إلى شيوخ الصوفية. كما يشير العلاقة بين علم الكلام والتصوف من خلال اهتمام كلاهما بالمسائل الإلهية وإن اختلفت الوظيفة.

وفي الفصل الثالث يتحدث الشيخ عن أصل التصوف ومصدره، معتمدًا ما يقوله المتصوفة الأوائل، من أن التصوف منذ البداية ولد في حِجر الإسلام ونما في أحضانه، مشيرًا إلى ما انتهى إليه ماسنيون في درسه للتصوف ومصطلحاته، ومؤكدًا بها على هذا الرأي. ثم يناقش ما يراه العلماء والباحثين القائلين بأن التصوف نشأ وتطوّر بالمؤثرات الأجنبية، فيناقش من قال بالتأثير الهندي معتمدًا مقالة البيروني، ومن قال بالتأثير الفارسي، ومن قال بالتأثير اليوناني، ومن قال بالتأثير النصراني.

ويخصص الفصل الرابع للحديث عن حقيقة التصوف والتعريفات الواردة في كتب القوم والدارسين، ويرى الشيخ أنه يمكن أن نقسّم التعريفات إلى نوعين كبيرين، يتضمن كلّ منهما فروعًا جزئية، النوع الأول: يركّز على الناحية العملية، والثاني: يتوجّه بصفة خاصة إلى الناحية الرّوحية (ص92). ويعرض لنماذج تمثّل هذين النوعين من كتابات الجنيد وابن تيمية والهجويري وفريد الدّين العطّار وأبو الحسين النوري.

وفي الباب الثاني من هذا الكتاب (نظرة عامة إلى تاريخ التصوف) يتتبع التصوف في التاريخ الإسلامي من خلال نظرة عامة على معالمه الرئيسية وتطوراته الكبرى مميزًا مراحل خمسًا، هي: 1-مرحلة الزهد والنشأة. 2-مرحلة النّضج والتّربية. 3-مرحلة الازدهار الفكري والعملي. 4-مرحلة الفتور والتّقليد. 5-مرحلة النّهضة الحديثة.

وفي مرحلة النشأة لا ينسى التنبيه على مدرسة الزهد والتصوف في مصر التي يغفل الباحثون ذكرها وهم يتحدثون عن زهد في مكّة والمدينة وخراسان والبصرة، ويؤكد على شهرة مدرسة مصر بأمثال الليث بن سعد الفقيه الزاهد، وذي النون المصري العارف، وحيوة بن شريح التجيبي، والحسن بن خليل، وغيرهم. ويحيلنا الشيخ في هذا الصدد على مرويات ابن الجوزي في صفة الصفوة، وكامل الشيبي في دراسته الهامة الصلة بين التصوف والتشيع[5]. ويختم الحديث عن هذه المرحلة بأستاذ السائرين الحارث المحاسبي (ت243ﻫ) ولا ينسى في الختام ذكر رابعة العدوية (ت185 ﻫ) آكد قديسة في تاريخ أهل التصوف-كما يصفها ماسنيون.

وفي مرحلة النضج والتربية يتحدث عن الجُنيد، والغزّالي، وسهل التُستَري، والحكيم الترمذي، وابن خفيف الشيرازي. ويعتبر الشيخ أن من آثار هذه المرحلة تلك الأعمال العظيمة التي حاول أصحابها أن يدونوا فيها تاريخ التصوف، رجاله ومدارسه وأفكاره، ولا تزال هذه الأعمال مراجع أساسية في علم التصوف، ككتاب اللمع للسراج الطوسي (طاووس الفقراء)، والرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتابات أبي سعيد الخرّاز ومنها كتابه عن الصدق، وكتابات السُّلمي في التصوف، والديلمي علي بن محمد عن الحب الإلهي. فإذا وصفت هذه المرحلة إذن بأنها مرحلة نضج فذلك ما تدعمه شواهد عدّة.

وفي مرحلة الازدهار الفكري والعملي يتحدث الشيخ عن الطرق الصوفية الكثيرة، ويركز على مكانة مصر التي أعطتها التطورات التاريخية ومقوماتها الذاتية مركزًا خاصًا بين بلاد العالم الإسلامي، ولعل من أسباب هذه المكانة –كما يقول الشيخ- ما تحقق من تزاوج بين التصوف والتقاليد الأزهرية بين علماء القاهرة (ص187).

وفي مرحلة الفتور والتقليد يتحدث الشيخ عن أحمد السرهندي الهندي وآثار دعوته، ويذكّرنا بجهود حيدر بن علي الآملي أبرز أهل العرفان الشيعي (ت794 ﻫ) في توحيد التصوف والتشيع في كتابه جامع الأسرار، كما يشير إلى صوفية آخرين من الشيعة كبهاء الدين العاملي ووالده زين الدين.

وفي المرحلة الأخيرة يتحدث عن صوفية في مصر، كالشيخ الدردير العالم الأزهري الصوفي، والشيخ حسن العطّار شيخ رفاعة الطهطاوي ذي المشرب الروحي والفكر المستنير، الذي أيّد المفاهيم الصوفية، وأسهم في نشرها في مطالع القرن التاسع عشر. ويذكّرنا بصوفية الإمام محمد عبده التي منحته الاعتدال والتوازن، ويختم الشيخ بجهود العرب في درس التصوف في العصر الحديث.

وفي الباب الثالث (من تجليات التصوف- الأدب الصّوفيّ) يعتبر الشيخُ الأدبَ الصوفيَّ أجمل زهرات الحركة الصوفية، والتحفة النبيلة التي قدّمتها هذه الحركة للحضارة الإسلامية والتراث الإنسانى.وقد بدت بوادرها، وأينعت بواكيرها، وسمعت ألحانها ومزاميرها منذ الصدر الأول، ولكنها بلغت أوجها وشارفت كمالها فى القرن السابع وما بعده. ويعرض الشيخ للعوامل التي أدت إلى نشوء هذا الأدب وازدهاره والخصائص التي تفرّد بها، ومنها: طبيعة التجربة الصوفية نفسها، فالصوفي في سفره الروحي يتجاوز هذا العالم المادي إلى الملأ الأعلى ليحصل على ميلاد جديد، وهنا تنضج تجربته الروحية وتبلغ غاياتها المنشودة، ولا يسعه بعد ذلك أن يتوقف عن الحركة أو يخلد إلى الهدوء، أو يقنع بالصمت والسّكون فيبوح وينفّس عن ذاته، ويبشّر بما نله من نعمة الشهود.

عامل آخر: هو الحبُّ الذي يتغلغل في كافة مراحل التجربة الصوفية، فالحب منبع كل شعر عظيم في تاريخ الإنسانية. إن الذي يتكلم عن الله –كما يقول روجيه جارودي- لا يملك إلاّ أن يكون شاعرًا، لأن ما يعجز الوصف عنه لا يمكن التعبير عنه بمفاهيم لغوية، ولا بالأسباب والمسببات ولا بالحقائق المرتّبة(ص223-224).

ثم يتحدث الشيخ عن خصائص الأدب الصوفي، كـ(صدق التجربة وعمق المعاناة وقوة العاطفة والشعور)، والرمزية في التعبير، ويعرض لأجناس هذا اللون، ويخص الوصايا ببحث يختم به هذا الباب.

ويأتي (نقد التصوف) كخاتمة لأبواب الكتاب، يعرض الشيخ فيه ألوانًا من النقد الموجّه إلى التّصوف من الصوفية أنفسهم، باعتباره صورة من النقد الذاتي الداخلي له قيمته ومغزاه، ويعتمد فيه على ما كتبه الطوسي في اللمع بشكل أساسي، وأحيانا يستند إلى كلام للغزالي في المنقذ والقشيري في الرسالة. ثم يعرض لنماذج من النقد الخارجي، أي نقد خصوم التصوف ومعارضيه لقضايا التصوف ومسالك الصوفية، مع محاولة لإبداء وجهة نظر محايدة لما يبديه كل من الصوفية وخصومهم.

 

 

[1] : تشوّه مشروع الأزهر المفتوح فيما بعد على أيدي بعض الشباب الأزهري الجديد الذي منذ أن بدأ المشروع انتفخ الشباب وأصبحوا من العلماء فجأة وامتلكوا اليقين واكتفوا، وسيصعد بعض هؤلاء الشباب متابعين فضيلة الشيخ علي جمعة في جميع آرائه السياسية وموقفه من (الثورة، والشباب، والإخوان، والسلفيين) وينتشر خطابهم ويعوّل عليه، وتُكتب عنه دراسات في اللغتين العربية والإنجليزية، فيما يرى واحد من الأساتذة الذين استمعوا إلى هؤلاء الشباب أن جميعهم تزَبَّبَ قبل أَن يتحصْرمَ. ويمكن أن يتسثني من هؤلاء من كان صادقًا في تواضعه وطلبه للعلم قبل طلبه للحق وصار معروفًا بالشيخ الأزهري الشهيد (عماد عفّت) وبعض من اكتفى بالانعزال عن المشهد بعدما تعلّم قدرًا من العلم في هذه الدروس ونأى بنفسه عن لعبة السياسة وعبادة الظهور.

[2] : راجع: كمال محمد دسوقی، كلمة المجمع في استقبال الشيخ الشافعي، مجلة مجمع اللغة العربیة (مصر)- جمادی الآخرة 1417- الجزء 79 (ص 229- 234).

[3] : حسن الشّافعي، فصول في التصوف، نشرة دار البصائر، القاهرة 2008،ص8.

[4] : قارن ديباجة المثنوي في ترجمة محمد عبد السلام كفافي لمثنوي جلال الدّين الرّومي شاعر الصّوفية الأكبر، نشرة المكتبة العصرية، بيروت 1966، ص36، 73-83.

[5] : قليلة هي البحوث العربية عن مدرسة الزهد والتصوف في مصر بوجه عام، وإن كانت هناك بحوث أنجزت عن شخصيات صوفية مصرية، أو الأشعار الصوفية في مصر، أو ركّز أحد الباحثين على درس التصوف في مصر في حقبة زمنية بعينها، ويمكن للتعرف على هذه المساحة الثرية بشكل موجز الرجوع إلى كتاب محمد عبد المنعم خفاجي: التراث الروحي للتصوف الإسلامي في مصر، نشرة دار العهد الجديد، القاهرة.

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!