بين التنزيل والتأويل:منهج الحارث المحاسبيّ في العقل وفهم القرآن

بين التنزيل والتأويل:منهج الحارث المحاسبيّ في العقل وفهم القرآن

بين التنزيل والتأويل

منهج الحارث المحاسبي (243ﻫ/857م) في رسالتيه:

العقل، وفهم القرآن

د. رضوان السيد

عرفتُ الحارثَ بنَ أسد المحاسبي (243ﻫ/857م) عام 1970. كنت قد تخرجْتُ حديثاً في الأزهر، وعدتُ للعمل بدار الفتوى بلبنان، إعداداً لإكمال دراساتي العليا بألمانيا. وقتَها كان البروفسور جوزف فان أس -الذي تولّى الإشرافَ فيما بعد على أُطروحتي للدكتوراه- قد نصح المرحوم الأستاذ حسين القوتلي، مدير دار الإفتاء بلبنان، والمدرّس بالجامعة اللبنانية؛ وبتوسُّط من الراحل الأب الدكتور فريد جبر، أن يُحضّر أُطروحةً للدكتوراه عن المخطوطات الباقية للمحاسبي. والمخطوطات المُحاسبية كان قد درسها كُلٌّ من الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود الذي حضّر أُطروحةً للدكتوراه عنه بالسوربون بإشراف لوي ماسينيون عام 1946، والأستاذ فان أس الذي حضّر أُطروحةً للدكتوراه الأولى عن المحاسبي أيضاً عام 1961. وكلا الرجلين ركّز على كتاب المحاسبي: “الرعاية لحقوق الله”، والمواريث التي تركها للصوفية من بعد من خلال هذا الكتاب. وأحسَّ فان أس أكثر من الأستاذ عبد الحليم محمود، أنّ المحاسبيَّ هو أكثرُ من متصوف وإن يكن رائداً في هذا المجال أيضاً. وقد بدا ذلك في عمل فان أس، الذي ترجم في أُطروحته فقراتٍ كثيرةً من رسائل المحاسبي غير المطبوعة؛ إذ حتى الستينات من القرن الماضي، ما كان معروفاً من كتب المحاسبي ورسائله غير: الرعاية لحقوق الله (وقد نشرت مراراً من بينها نشرة قدم لها الشيخ عبد الحليم محمود)، والتوهُّم (وهي رسالةٌ صغيرةٌ نشرها آرثر أربري). والمُهمُّ أنني ساعدْتُ الأستاذ القوتلي في قراءة مخطوطتي المحاسبي: “مائية العقل وحقيقة معناه واختلاف الناس فيه”، والمخطوطة الأُخرى الأكبر حجماً: “فهم القرآن1“، وقد أضاف الأستاذ القوتلي إلى عملَي عبد الحليم محمود وجوزف فان أس، في فهم المحاسبي، الاهتمامَ ببعدين آخرين من أبعاد التجربة الفكرية لذلك الزاهد المتميّز وهما: خلافُهُ مع الإمام أحمد بن حنبل (241ﻫ/855م) وأسبابُهُ، وكونه الطليعة لما صار يُعرف من بعد بالسنّية الاشعرية. وعندما عدتُ من ألمانيا عام 1977، عدتُ لأسبابٍ مختلفةٍ للاهتمام بالمحاسبي، فانجلى الأمر عندي عن بُعدٍ رابعٍ لتفكير المحاسبي؛ الأول التصوف، والثاني، الاختلاف مع المحدِّثين، والثالث، ريادتُهُ الكلامية في مواجهة المعتزلة. والبُعْدُ الرابعُ هو خلافُهُ مع مُعاصره الفيلسوف الكندي (252ﻫ/866م) في مفهوم العقل2. فالكندي يعتبرُهُ مبدأً أول بالقوة، وجوهراً بسيطاً مدركاً للأشياء بحقائقها، والمحاسبي يعتبرُهُ غريزةً أو نوراً للغريزة يقوى ويزيدُ بالتجارب والعلم والحِلم3. وما تنبَّهتُ وقتَها؛ أي بين العامين 1978 و1985 للبُعد الخامس أو الأساس المنهجي الجديد للمحاسبي بين التنزيل والتأويل. وقد تبيَّنَ لي في تسعينات القرن الماضي أنّ المحاسبيَّ إنما رسم منهجاً في رسالته “مائية العقل”، ما لبث أن طبَّقَه في “فهم القرآن” الذي تتراوحُ موضوعاتُهُ بين أربعة علوم: أصول الدين، والتفسير، وأُصول الفقه، والفروع الفقهية.

ما هي الأجواءُ الفكرية التي عاصرها المحاسبي بين العام 200ﻫ، وحتى وفاته عام 243ﻫ؟ يتبينُ من مؤلَّفات المحاسبي المختلفة، وبخاصةٍ كتبه في “المكاسب4” ومائية العقل، وفهم القرآن، أنَّ الموادّ التي يستخدمُها سواءٌ في الرواية أو الدراية أو علم الكلام أو الفقه أو التفسير تنتمي إلى أربع بيئات: بيئة أهل الحديث، وبيئات المتكلمين، وبيئة اللُّغويين، الذين مارسوا التفسير القرآني، وبيئة الفقهاء. وتتخلَّلُ ذلك كُلَّه نزعةٌ زُهديةٌ غلاّبة وغير عرفانية. لكنّ منظومتَه الفكرية لا تنتمي بالكامل إلى أيٍّ من هذه البيئات؛ بل إنّ الأمر يقتصرُ على استعارة موادّ البناء دون الهندسة والتشكيل. والعبارةُ المفتاحيةُ التي تتكررُ في كلّ كتبه: “العقل عن الله”. واستناداً إلى هذه العبارة أعدْتُ النظر في منظومة المحاسبي الفكرية. ولنستعرضْ بشيئٍ من التقصّي ماذا أقصدُهُ بالمنظومة الجديدة التي توصَّل الرجلُ إليها، وما حظيت بإعجاب الكثير من مُعاصريه، وإن يكن الإعجابُ بشخصه ومسلكه، ظلَّ كبيراً وجليلاً.

أولا

يقول المحاسبي: “إنّ العقل غريزةٌ وضعها الله سبحانه في أكثر خَلْقه لم يطّلع عليها العبادُ بعضهم من بعض، ولا اطّلعوا عليها من أنفسهم برؤيةٍ ولا بحسٍ ولا ذوقٍ ولا طَعْم.. فهو لا يُعْرَفُ إلاّ بفعالِهِ في القلب والجوارح..5“. والطريف أنّ أحمد بن حنبل مُعاصر المُحاسبي وخصمه يصلُ للتعريف نفسِه؛ إذ ينقل عنه أصوليو الحنابلة قوله: إنّ العقل غريزةٌ، والحكمة فطنة، والعلم سماع6. ويضيفُ الفرّاء:” إنّ معنى قوله غريزة أنه خَلْقٌ لله ابتداءً، وليس باكتسابٍ للعبد، خلافاً لما حُكي عن بعض الفلاسفة أنه اكتسابٌ..”. وهذا غير صحيحٍ طبعاً، فالفلاسفةُ جميعاً يقولون إنّ العقل جوهرُ بسيطٌ مُدْركٌ للأشياء بحقائقها. ويوضّح الفارابي أنّ فِعْلَ العقل: “العناية بالحيوان الناطق والتماسُ تبليغه أقصى مراتب الكمال”. ثم يُضيفُ أيضاً: “إنّ منزلة العقل من الإنسان منزلة الشمس من البصر، فكما أنّ الشمس تُعطي البصر الضوءَ فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصراً بالفعل بعد أن كان مُبصراً بالقوة… كذلك العقلُ يفيد الإنسان شيئاً يرسمُهُ في قوته الناطقة منزلةُ ذلك الشيء من النفس الناطقة منزلةُ الضوء من البصر..7“.

فلا شكَّ أنّ المحاسبيَّ يقصدُ هنا بغَرَزية العقل أنه جزءٌ من الدوافع الإنسانية، وظيفتُهُ التعقُّلُ والإدراكُ، والتمييزُ بين الأمور في الجانب النظري، وبين الخير والشرّ تفصيلاً في الجانب العملي. فالمُرادُ هنا ومن هذا الجانب إيضاحُ أمرين: وحدة الإنسان بسائر قُواه وأنها جميعاً من خَلْق الله، وأنّ السلطتين التدبُّرية والتدبيرية واللتين يتولاّهما العقلُ الغَرَزي هما سلطتان تخضعان للشروط الإنسانية – وليست السلطة الإدراكية والتدبيرية للعقل مطلقةً مثلما يرى الفلاسفةُ الذين استرشدوا في هذا الأمر بالترجمات عن اليونانية؛ باعتبار العقل في أصله آتياً من خارج الإنسان، وبالتالي فإنها سلطةٌ خارجيةٌ ذاتُ قدرةٍ مطلقةٍ على التوجيه، مثلما هي السلطة الإلهيةُ لدى متكلمي المسلمين وفقهائهم8. وقد صَحَّح ابن تيمية ما ذهب إليه زملاؤه في السابق عندما قال: “وسببُ غلط الفلاسفة أنّ لفظ العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلاً.. ويُرادُ بالعقل الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقلُ بها. وأمّا أولئك فالعقلُ عندهم جوهرٌ قائمٌ بنفسه كالعاقل؛ وليس هذا مُطابقاً للغة الرسل والقرآن…9“.

ولدى المحاسبي لا تترتّبُ على هذه المقدّمة في تعريف العقل الاختلافاتُ مع الفلاسفة المُعاصرين له وحسْب؛ بل تترتّبُ عليها نظريةٌ في المعرفة، وعلى النظرية في المعرفة، تترتب رؤيتُهُ لعلائق العقل بالنصّ من جهةٍ، والعقيدة والتشريع من جهةٍ أُخرى. ففي فصلٍ عنوانُهُ: “مسألة في العقل” من رسالة “مائية العقل” يقول المحاسبي10: “الحُجّةُ حُجّتان، عيانٌ ظاهرٌ، أو خبرٌ قاهر. والعقل مضمَّنٌ بالدليل، والدليلُ مضمَّنٌ بالعقل. والعقلُ هو المستدلُّ، والعيانُ والخبرُ هما علّةُ الاستدلال وأصلُهُ. ومُحالٌ كونُ الفرع مع عدم الأصل، وكونُ الاستدلال مع عدم الدليل. فالعيان شاهدٌ يدلُّ على غيب، والخبرُ يدلُّ على صدق. فمن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سَفِهَ أو سُفِّه..”.

هناك، إذن، مصدران للمعرفة عند المحاسبي: العيانُ المُدْرَكُ بالحواسّ، والخبرَ المُنزلَ من الله. والعقلُ هوالذي يُوازنُ ويُقايسُ ويتوصَّلُ من طريق “التفكر والاعتبار11” كما يقول المحاسبي، إلى الحُكْم الصحيح الناجم عن هذا الاعتبار. وهذه العمليةُ هي التي يُسمّيها المُحاسبيُّ: “العقل عن الله”. فالمُشاهدات والمدركات كونٌ منظورٌ، والقرآنُ كونٌ مسطورٌ، والعقلُ من طريق التدبُّر والتفكُّر والاعتبار هو الذي يضمُّ الكونين في سياقٍ واحدٍ يتناول الناحيتين: ناحية التصرفات الدنيوية، وناحية التشريعات الإلهية.

ثانيا

ماذا يعني ذلك في مجال التأصيل والتشريع أو مجال المنهج في فهم النصّ؟ هذا ما حاول المحاسبي إيضاحَهُ في كتابه: “فهم القرآن”. ومع أنّ الكتاب يتضمن بحوثاً كلاميةً تتصلُ بالذات والصفات، وبخَلْق القرآن، وبالقضاء والقدَر، وبالوعد والوعيد؛ فإنّ أكثر فصُوله تدور حول الناسخ والمنسوخ. ومادةُ الكتاب مأخوذةٌ في الأكثر من كتاب “الناسخ والمنسوخ” لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم (224ﻫ) شيخ المحاسبي12. لكنْ في حين يقصدُ أبو عُبيد إلى القول إنّ المشكلة في الاستنباط التشريعي هي مشكلةُ تنزيل الأحكام أو النصوص -التي تتضمّنُ أحكاماً- على الوقائع؛ فإنّ المحاسبي يرى أنّ المشكلة هي مشكلةُ “تأويل”. والمعروف أنّ الشافعيةَ يعتبرون أبا عُبيد والمحاسبي من بين تلامذة الشافعي(204ﻫ)13. وقد يكونُ ذلك صحيحاً. إنما القضيةُ التي رآها الشافعيُّ في “الرسالة” باعتبارها مشكلةً بيانيةً، أو تنزيلية تعتمدُ الاتّباع (وكذلك أبوعُبيد وأحمد بن حنبل مع تشبُّثٍ أكبر بظاهر النصّ)؛ فإنّ المحاسبيَّ بخلاف شيخيه يرى أنّ المشكلة تأويلية. يعتبر المحاسبيُّ أنّ المعتزلة عندما قالوا بخلْق القرآن؛ فإنما أتاهُمْ هذا الوهْمُ من أنّ القول بقدَم الكلام بعني أنّ الله، عَزَّ وجلَّ، ينسخُ كلامَهُ بكلامه. والحقُّ أنه إنما “ينسخُ مأموراً به بمأمورٍ به. فأَبدل أحدَهما مكانَ الآخر، وكلاهُما كلامُه..14“. ثم انطلق يُعدِّدُ الأحكام التي تغيرت أو نُسخت مع تأكيد الله، عزَّ وجلّ، أنه: ﴿لا مُبَدِّلَ لكلماتِه﴾ (الانعام: 116، الكهف: 27)؛ فعاد للاستنتاج الأول الذي هو تغيير حُكْمٍ بحكْمٍ ومأمورٍ بمأمور، وكُلُّ ذلك كلامُهُ. ثم ينطِقُ بالكلمة الفصل: “لقد جهلوا التأويل، إنما قولُهُ عز وجلَّ: ﴿ناتِ بخيرٍ منها﴾ (البقرة: 105) بخيرٍ مأمورٍ به، وهوأَوسَعُ لكم، وأَخَفُّ عليكم أو مثلُهُ في الخِفّة والسَعَة..15.”

والمعروفُ أنّ المتكلمين، ومنهم المعتزلة، هم مثل الشافعي وأبي عُبيد، في الاهتمام بالتقليل من الآيات المنسوخة، من طريق اللجوء إلى الخصوص والعموم والمجمل والمفصَّل؛ أي أنهم اعتمدوا، كما قالوا، على اللغة، وأساليب العرب في الكلام. ويوافقهم المحاسبي في ذلك، فيرى أنّ هذه المسألة بالذات مسألةٌ فرعيةٌ يمكنُ حلُّها بالفعل من طريق البيان وأساليب العرب في الكلام. فللتأويل جانبٌ منها، لكنّ الجانب الأكبر بيانيٌّ وأُسلوبيٌّ وسياقي، ولا ينقُضُ المنهج الذي اتّخذه لنفسِه، وأعطاه اسم “العقل عن الله”. وهو يمثّلُ لذلك هذه المرة بمسألةٍ عَقَدية هي مسألةُ الوعد والوعيد التي هي أحد أصول المعتزلة الخمسة. فالله سبحانه توعَّد بالنار آكِلَ مال اليتيم والزاني والسارق وشارب الخمر والقاتل. وهو يعني بذلك أنهم مستحقُّون لذلك العذاب على ما ارتكبوا من كبائر. بيد أنه قال: ﴿اِن الله لا يغفر أن يُشرَكَ به، ويغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: 47). فأَوجب العقوبةَ للمشركين والكفّار، وترك لمرتكبي الكبائر فُرصة التوبة: “فإنْ أراد أن يُعذِّبَ بعضَ مَن استوجب فيُعذّبه بعدله. ويعفو عن بعض مَنْ وجب عليه (العذاب لزَلاّته) بفضل رحمته..16“. ثم يُلزمُ مُخالفيه من المعتزلة أنه برأيهم في الوعد والوعيد إنما يمنعون الخوفَ والرجاءَ، والعفوَ، وامتناع شفاعة النبي…الخ. وهكذا تبقى المسألةُ تأويلية، وليست تنزيليةً بالمعنيين. ليست تنزيليةً؛ بمعنى أنّ في النصّ تناقُضاً أو مشكلةً لا تُحَلُّ، كما أنها ليست تنزيليةً بمعنى أنها تكمُنُ في تنزيل النصوص على الوقائع. فإذا قيل إنها تنزيليةٌ بالمعنى الأول؛ فإنّ ذلك يترتّبُ عليه المستحيل هو الخُلْف في قوله، عزّ وجلَّ، وفعله، كما يترتب عليه الخروجُ من الإسلام. وإن قيل إنها تنزيليةٌ بالمعنى الثاني؛ فإنه تترتب عليها افتراقاتٌ وخلافاتٌ في العقائد. أمّا في التشريع واستنباط الأحكام فإنّ الحركة تصبحُ شديدة التقييد لخروج العقل منها، والمُراوحة بين نصوص القرآن ونصوص السنة17.

ثالثا

لكنْ ما معنى “التأويل” لدى المحاسبي إذن ما دام يختلف مع الفقهاء والمتكلمين؟ استخدم المحاسبيُّ في عملياته التأويلية الموادّ التي جمعها أبوعُبيد في “الناسخ والمنسوخ”. واستخدم على قِلّةٍ المادّة التي عرضها أبو عُبيدة(209ﻫ) في كتابه: “المجاز في القرآن”. وأبو عُبيد -كما سبق القول- يتبع أُسلوب الشافعي البياني في تمييز النصوص، وربْطها بمصادر التشريع. وهكذا فإنّ الشافعيَّ وأبا عُبيد، ورغم اعتمادهما على البيان وأسالييه؛ إنما كانا تنزيليَّين؛ أي أنهما مهتمان بالدرجة الأُولى بتنزيل النصوص على الوقائع أو تزمينها. وهنا -ورغم الموادّ المُستعارة من أبي عُبيد وكثافتها- فإنّ المحاسبيَّ يذهبُ بالتأمُّل الأول للنصّ باتِّجاه مجاز أبي عُبيدة، وباتّجاه المفسِّرين الأوائل وليس المتكلمين أو الفقهاء. وهكذا فهو لا يختلفُ عنهما في اعتبار البيان؛ بل في منهج تحصيل الحكم. ومنهجُ تحصيل الحكم في العقيدة والفقه عنده يقومُ على تأويل النصّ في ضوء تجربة الجماعة المتلقية، وفي ضوء العقل الذي يزيدُهُ العلمُ، وتزيدُهُ التجاربُ -كما يقول- فطنةً وحكمةً في العملية التي يسمّيها: العقل عن الله؛ إنما بعد تلقّي الجماعة له وعيشها فيه، وعيشه فيها. والتجارب ذاتها التي يتحدث عنها المحاسبي إنما هي تجارب مع الجماعة المتلقّية للنصّ. فالشافعيُّ وأبو عُبيد تنظيريان؛ أي أنهما يرميان للتقعيد باعتبارهما من المتلقّين المباشِرين للنصّ؛ لأنّ العلماءُ ورثة الأنبياء. أمّا المحاسبيُّ فهو تجريبيٌّ اجتهاديٌّ في التعامُل مع النصّ العقدي والفروعي أو الفقهي. وهو يريد فهم النصّ لكنْ في ضوء الإجماع، وتجربة الجماعة. فلنتأمَّل الأمثلة التي يذكُرُها لمعنى”العقل عن الله”، عسى أن يُفيدنا ذلك في التعرُّف على ماذا يريدُهُ من وراء “التأويل” أو “العقل عن الله” من طريق التأويل. ففي قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافِتْ بها..﴾ (الاِسراء: 109)، اختلف العلماء: “والأمة مجمعةٌ -كما يقول المحاسبي- أنّ للمصلي أن يرفع صوته وأن يُخافِتَه”. وفي قوله تعالى: ﴿وءاتيتُم إحداهنّ قِنْطاراً فلا تاخذوا منه شيئاً﴾ (النساء: 20)، اختلف العلماء أيضاً، وقال بعضُهم بالنَسْخ. والمحاسبي يرى الإحكامَ، واتّباعَ المصلحة في الحالة المعينة…18. وهكذا يمضي معدِّداً عشرات الحالات التي اختلف فيها الصحابة والتابعون، ثم أجمعت الأمةُ على شيئٍ مخلتفٍ أو ذهب هو إلى ما يُخالف الأقوالَ السابقة.

ولذا فالذي يمكن قوله إنّ للتأويل عنده ثلاثة أُسُس: المستوى اللغوي الظاهر فالمجازي. ومستوى إجماع الأمة أو جمهور الفقهاء. ومستوى التعقُّل الفردي للمصالح. أمّا المستوى الأول فالمحاسبيُّ يبدأُ بالنص في تعقُّل لُغَويٍ بحتٍ باعتباره خاماً أو طازجاً ما صرَّح عن مكنوناته بعد. وهو يتوسع في المستويين الآخرين؛ مع اعتبار المستوى الثالث عملية تفكرٍ ومُوازنةٍ وتعقُّل للنص وتجربة الجماعة معه، معاً. وبذلك يبقى تجريبياً بالفعل، قبل ظهور التدقيقات القياسية في تحقيق المناط وتنقيحه؛ ذلك أنه يعتبر النصَّ الإلهيَّ القرآنيَّ والنبويَّ واحداً. ويمضي منه مباشرةً إلى الجماعة التي تتلقّى النصَّ. ثم يؤول الأمر بالفقيه إلى تأمُّل النصّ وعمله في الجماعة فيما يسمّيه عملية العقل عن الله.

لماذا ذهب المحاسبي إلى هذا المعنى للتأويل؟ المؤكَّد أنه عرف أعمالَ أبي عُبيد، وربما عرف رسالةَ الشافعي. لكن يبدو أنه ما اقتنع بها أو أنّ أُطروحةَ الشافعيّ ما كانت قد سطعت تأثيراتُها. وعلى كل حال، فإنّ الخلافَ لا يتناولُ العلاقةَ بين التأويل والتنزيل بالمعنيين وحسب؛ بل يتناول أيضاً مفهوم التأويل، وهو عند الفقهاء عمليةٌ لغويةٌ وأُسلوبيةٌ بحتة، ولدى المتكلِّمين صرف النصّ عن ظاهره بما  يتفقُ وتنزيهَ الله وحكمتَه.

أين يقعُ عملُ المحاسبي المنهجي هذا من أعمال الأُصوليين والفقهاء فيما بعد في شتّى المذاهب؟ ظلَّ الأصوليون يكررون في كتبهم رأْيَ المحاسبي في مفهوم العقل أو تعريفه19. بيد أنّ أحداً منهم ما تابعهُ في رأيه أو منهجه الشامل باعتباره أنّ “العقلَ عن الله” إنما يعني اعتماد التأويل في شتّى العلوم الإسلامية، للخروج من التأصيل، ومن المنهج الاتّباعي البحث بتنزيل النصوص على الوقائع أو تزمينها بهذه الطريقة. وبذلك فهم يُعيدونَ النصَّ إلى أصله المُوحى، دونما اعتبارٍ للمتلقّين. وكذلك يفعلُ المتكلِّمون، وإن اختلفوا عنهم في نقطتين: أنهم يتجاهلون الظاهر اللغوي لصالح ما يعتبرونه الأَولى في الفهم، وأنهم يحيلون على الأصل الإلهي؛ إنما بحسب ما يعتبرونه مُتوافقاً مع التنزيه والحكمة. أمّا المحاسبي فالعقل عن الله عنده يتضمن كما سبق القول ثلاثة خطوات: التعقُّل اللغوي والبياني للنصّ وعمل النصّ في تجربة الجماعة، وصيرورة النصّ وانبثاقاته نتيجةً للبيان ولفعله في الجماعة.

الهوامش

  1. قام الأستاذ القوتلي بنشرهما بعنوان: العقل وفهم القرآن، تقديم وتحقيق حسين القوتلي، بيروت: دار الفكر 1971.
  2. ظهر ذلك في كتابي: الأمة والجماعة والسلطة. بيروت: دار اقرأ، 1985، ص177-200.
  3. الكندي، رسالة في حدود الأشياء ورسومها؛ ضمن: رسائل الكندي الفلسفية، نشر محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة: دار الفكر العربي 1950، 1/165، 166، 312، 358. والمحاسبي: العقل وفهم القرآن، م، س، ص201-202.
  4. بين يديَّ نشرة لكتاب “المكاسب” ضمن مجلَّد صدر عام 1969، وهو يتضمن رسائل المحاسبي التالية: المسائل في الزهد، والمكاسب، والمسائل في أعمال القلوب والجوارح، ومسألة في العقل (والأخيرة قسم من رسالة مائية العقل، التي نشرها المرحوم القوتلي). أما المرحوم الشيخ عبد الفتاح أبو غُدّة، فنشر للمحاسبي: رسالة المسترشدين، 1964.
  5. المحاسبي: العقل وفهم القرآن، ص 201-202.
  6. الفراء: العدة في أصول الفقه 1/98-90، وشرح الكوكب المنير 1/84.
  7. الفارابي، السياسة المدنية، تحقيق فوزي نجار، ص32.
  8. رضوان السيد: الأمة والجماعة والسلطة، م، س، ص181-200.
  9. ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، الرياض 1956، ص46-47.
  10. العقل وفهم القرآن، م، س، ص 232.
  11. المرجع نفسه، ص235.
  12. ما كان كتاب أبي عُبيد في الناسخ والمنسوخ معروفاً عندما عمل الأستاذ حسين القوتلي على “العقل وفهم القرآن”؛ ولذلك قارن الرسالة بمجاز القرآن لأبي عُبيدة (نشرة فؤاد سزكين). ثم طُبع كتاب أبي عُبيد مراراً منذ الثمانينات.
  13. قارن بدراسة القوتلي في مطلع رسالتي العقل وفهم القرآن، ص85-92.
  14. العقل وفهم القرآن، م، س، ص363-364.
  15. المرجع نفسه، ص368. وفي ص364: وقد جهلوا المعنى.
  16. المرجع نفسه، ص372-373.
  17. المرجع نفسه، ص422-423.
  18. يقول المحاسبي في: المسائل في أعمال القلوب والجوارح (نشرة عطا، ص116): “أمّا ظاهر الآية فتلاوتها، وأمّا باطنها فتأويلها، وأمّا حدُّها فمنتهى فهمها… لأنّ أقلّ الصدق من المريد المؤمن بعد الإيمان بالآية أن يفهمها عن ربِّه”.
  19. الجويني: البرهان في أصول الفقه 1/112-113، والماوردي: أدب الدنيا والدين، ص4-5، وأبو يعلى: المعتمد في أصول الدين، ص101-102، والمُغني للقاضي عبد الجبار 11/375، وإحياء علوم الدين للغزالي 1/118.

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!