امرأة على رأس طريقة صوفية

امرأة على رأس طريقة صوفية

امرأة على رأس طريقة صوفية

بقلم: د. سعاد الحكيم 

نزلتُ في أرض الجزائر في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبداية العشرين، إذ وصلني خبر امرأة صوفية قارئة عالمة ترأست جماعة طريقتها الصوفية الواسعة الانتشار وتولّت مشيخة الزاوية التي أنشأها والدها.. والمرأة هي السيدة زينب القاسمية أو كما هي معروفة: لالا زينب (1850م – 1904م). والوالد هو الشيخ محمد بن أبي القاسم (ت1897م) مؤسس “الطريقة الرحمانية” ومنشىء زاوية “الهامل” ببوسعادة – الجزائر.

كانت لالا زينب ابنة وحيدة لوالدها شيخ الطريقة الرحمانية. ويبدو أنه توسّم فيها أهلية روحية وإنسانية، فاعتنى بتنشئتها على ما يليق بأبناء مشايخ الطرق. اهتم بحفظها للقرآن الكريم فعيّن لها معلّماً خاصّاً. وعندما أظهرت همّة عالية ومثابرة صبورة فتح لها المجال لتعلّم العلوم الإسلامية، ومنحها مفاتيح مكتبته التي تضم أكثر من أربعة آلاف كتاب فكانت تقيم فيها الساعات الطوال؛ قارئة متفكّرة، منقلبة إلى أبيها مستفهمة عن كل فكرة أو عبارة مستغلَقة.

وبعد أن حفظت القرآن وقرأت التّفاسير وتفقّهت في أمور الدّين وحفظت الأحاديث الشريفة سمعت من والدها شروح الصحيحين، وكتاب الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض وغيره من كتب التوحيد والحديث والفقه والتصوف.

لقد كان بين الأب والإبنة جلسة مسائية غير مقطوعة، يجلس فيها الأب إلى ابنته يحاورها ويناقشها في العلم، أو يطلعها على أعماله وما يجري خارج الزاوية من أحداث وعلاقات.. وعندما ظهر له سداد رأيها وصفاء نفسها، حرص على إعلامها بكل العمليات المالية، ثم كلّفها بحفظ سجلات أملاك الزاوية، فكانت تعرف أسرارها وخفاياها، مُلْكاً مُلْكاً.. وكانت أملاك الزاوية وَقْفية تسير وفق نمط مركزي.

ولم يترك الوالد التكليف شفهياً وعملياً بل كتب عام1877م وصية موثّقة تضع كلّ أملاكه تحت تصرفها على شكل حَبْس عائلي. ومما جاء في الوصية: «وأنت يا ابنتي السيدة زينب فكوني بنية طيبة من أمور الدار والعيال، لأنّي جاعلك بدلاً من نفسي» .

وعندما توفي الوالد شيخ الطريقة الرحمانية ورأس زاوية الهامل عام 1897، تولّت لالا زينب مباشرة قيادة الزاوية عملاً بوصيته.. ويذكر البعض أنّ ابن عمها وهو تلميذ لوالدها، وقع في ظنّه أنّه سيتولّى المشيخة بعد عمّه، فنصّب نفسه خلفاً، ولكنّها لم تعترف به وناهضته ورفعت القضية إلى محاكم الجزائر للنّظر فيها، فجاء الحكم لصالحها – بناء على الوصية الموثّقة. كما راسلت في قضيتها المفتين والأئمة المشهود لهم بالعلم والخير والصلاح، فوقف الجميع في صفّها وأيّدوها في بقائها على رأس الزاوية وفي موقع الشيخة للطريقة.

استمرت لالا زينب في قيادة جمعها الصوفي (علمياً وروحياً)، وفي الاشراف على الزاوية، وعلى مجالس العلم وكانت حريصة على أن تظل الزاوية مؤدية  لكافة الأدوار التي كانت تقوم بها في أيام والدها الراحل..

كانت لالا زينب على وعي بأنّ والدها وضع الحجر الأساس في البناء وأنّ الشخص الذي سوف يتولّى القيادة بعده يتعيّن عليه أن يكون عارفاً بمشروعه (الصوفي والحضاري) حتى يتمكن من تحقيقه بتكملة الخطى. ولذا تصدّت لهذه المهمّة بإصرار وعزيمة وذكاء ومعرفة ومحبة ورحمة.. فازدادت الطريقة انتشاراً في زمانها، وكان يؤمّها المريدون من كلّ حَدْب وصوب، واقتدرت على التحكّم في مداخيل الزاوية وعلى حسن توظيفها، كما أنّها أكملت من مالها الخاص – وبسخاء – بناء “المسجد القاسمي” الذي كان قد بدأ العمل به والدها..

تركتُ هذه المحطة السادسة، مُتَّجِهةً نحو القرن الواحد والعشرين، وصورة لالا زينب الموضوعة على الشبكة العنكبوتية تتراءى أمام بصري، بحدّة نظرتها وقوّة حضورها ومكنتها في الأرض.. امرأة ظهرت للناس مدة سبع سنوات في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين (من سنة وفاة والدها عام 1897 إلى سنة وفاتها عام 1904)، وغابت في طيّات النسيان قرابة قرنٍ من الزمان، ثم عادت اليوم إلى الحضور مع تدفق المعلومات لتصبح نجمة وأنموذجاً وموضوعاً يُطرح في المؤتمرات الأكاديمية وفي المجامع الثقافية.

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!