الرومي والقرآن بين الحب والوحي

الرومي والقرآن بين الحب والوحي

الرومي والقرآن بين الحب والوحي

جوزيف لومبارد[1]

ترجمة: علي السعيدي

 

        منذ الوقت الذي عاش فيه جلال الدين الرومي وحتى يومنا هذا، علَّق الكثيرون على الدرجة التي يتشابك فيها ديوانه المثنوي ويتمازج مع القرآن، من خلال دمج آيات قرآنية سواء باللغة العربية الأم أو عبر الترجمة الفارسية، القائمة على رمزية القرآن، كل ذلك يؤدي مهمة التفسير الشامل للقرآن. ويرتبط المثنوي بشكل بالغ التعقيد بالقرآن الى الحد الذي قال عنه جامي[2] أنَّه” القرآن بالفارسية” وعن الرومي ” رغم أنَّه ليس نبياً لكنْ لديه كتاب(مقدس)”.

     رغم وجود ما لايقل عن 528 آية من القرآن مما يستشهد به الرومي بشكلٍ صريح في المثنوي، فقد أجرى هادي الحائري دراسة أثبت فيها أنَّه ليس أقل من 6000 آية، أيُّ ما يقارب 25% من المثنوي تتضمن إعادة صياغة لتعابير وترجمات مباشرة أو نصوص صريحة باللغة العربية من القرآن.  وعليه، فمنذ ظهور القرآن حتى الوقت الحالي، يرى الكثيرون مركزية القرآن في كتبات الرومي، خصوصاً أعماله ومصنفاته العظيمة. لقد كان الرومي الى حد كبير مستغرقاً في القرآن الى الحد الذي كانت كلماته مفعمة بحضوره.

وبمعرفة الحدِّ الذي ينفخ القرآن الحياة في المثنوي، من المثير للدهشة العثور على بعض الأبيات التي يتحدث فيها الرومي بأسلوبٍ يتناول فيه طريقة القرآن وكأنَّه كتاب يتعارض مع الشعر والغناء. وكما يكتب في ديوان شمس تبريز، حيث يقول:

” لقد اعتادت يدي أنْ تمسك بالقرآن، لكنَّها الآن تمسك إبريق الحبِّ.

وكان فمي يزخرُ بالتسبيح، لكنَّه الآن يرتِّلُ الشعر والغناء فحسب”[3].

وفي مقطعٍ آخر، يقارن بين سجادة الصلاة والقرآن وبين سبيل الحبِّ، فيكتبُ قائلا:

 ” لقد أخذني الشوق للمحبوب بعيداً عن معرفة القرآن وترتيله حتى

أصبحتُ مشوش العقل مهووساً كما أنا الآن.  

 

            لقد لازمتُ سجادة الصلاة والمسجد بمنتهى الإخلاص والإجتهاد. وسلكت مسالك الزهد كي أضاعف أعمالي الصالحة.

            جاء الحبُّ إلى المسجد وقال: “أيُّها المعلم العظيم! حطِّم قيود الوجود! لماذا أنتَ مشدودٌ لسَجَّاد الصلاة؟”[4].

       ويرى البعض أنَّ مثل هذه الأبيات تعني أنَّ الرومي يدعو القاريء أنْ يُهمل الشكل الخارجي للدين لحساب سَبيلِ الحبِّ، لكن حين يُفهم القرآن على أنَّه نسيج المثنوي ولحمته، فستتضح عندها صورة مختلفة بشكل كبير. ويدرك الرومي في حقيقة الأمر حتى اللحظة التي باغته فيها الحبُّ، أنَّه كان يعرف ظاهر الدين فقط، وعليه كان يعرف المعنى الظاهري للقرآن فحسب. وعند قراءة المزيد من المثنوي سيتضحُ أنَّ الرومي لايسعى لتفسير المعاني الباطنية للقرآن فقط، بل هو يسعى كذلك لتعليم المرء كيف يجد تلك المعاني الباطنة في نفسه هو.

وفي الأبيات الشهيرة التالية من المثنوي، يوضح الرومي العلاقة بين ظاهر القرآن وباطنه:

” إعلم أنَّ حروف القرآن والفاظه ظاهرة، وتحتَ كلَّ ظاهرٍ باطنٌ شديد القهر.[5]

“وتحت هذا الباطنِ باطنٌ ثالثٌ، تتوه فيه العقول بأجمعها.

والباطن الرابع من القرآن لم يدركه شخصٌ قط، ولايعمله إلاَّ الله الذي لانظير له ولاند”.[6]

وحين النظر للأمر من هذا المنطلق، يواجه الكثيرون مشكلة أنَّهم ينظرون لظاهر الوحي فقط، إتجاهٌ يشَّبِّهه الرومي بخطيئة إبليس الذي لم يكن يرى من أدم سوى الطين، ولم يرَ الروح التي نفخها الله فيه. وكما يقول الرومي في الأبيات التالية:

” فلا تنظر يا بني من القرآن الى ظاهره، فإنَّ الشيطان لايرى من أدم إلاَّ أنَّه طين.

والقرآن مثل شخص الإنسان، صورته ظاهرة لكن روحه شديدة الخفاء.

ويكون المرء للمرء عماً وخالاً لمائة سنة، لكنه لايرى من أحواله مثقال ذرة.”[7]

ومن هذا المنطلق، سيكون تصدي المرء للقرآن مجدياً فقط حين يعرف المرء الفرق بين المبنى والمعنى. وكما يكتب الرومي قائلا:

” ولقد رأيتَ صورته وأنت غافلٌ عن المعنى، فأختر الدرَّ من الصدَف، إنْ كنتَ عاقلاً.”[8]

وبمعرفة هذا التمييز، يجب على المرء حسب كلمات الرومي أنْ:” يتجاوز الصورة ويُخلِ عنه الإسماء! وينتقل من اللقب والإسم الى المعنى”.[9]

والنتيجة أنَّ الرومي يقدِّم النصح للآخرين بشأن أسلوبهم في التعامل مع القرآن، حيث يقول: “فإذا كانت أُذنك الحسِّية قمينة بهذه الألفاظ، فإعلم إذنْ أنَّ أُذن الغيب لديك صمَّاء”.[10] لأنَّ الأذن الحسِّية ستتعاطى مع الشكل فقط، ولاجدوى منها دون وجود الأذن التي تتلقى المعنى الغيبي الباطني.

أولئك الذين يبحثون عن المعرفة من خلال الظاهر فقط هم الذين يطلبون المعرفة من العلوم القائمة على البحث والإستقصاء والتلَّقي، أكثر مما يطلبونه عبر مسلك الحقيقة. هذا الأمر بالنسبة للرومي هو الرتبة التي ينخرط ضمنها معظم مفسري القرآن. وفي هذا السياق، يدين الرومي زملائه المسلمين على سعيهم لعرض كلام الله على أنفسِهم بدلاً من أنْ يعرضوا أنفسَهم عليه، ويحاول اللعب بمعنى كلمة “تأويل” حيث يقول:

“وما دام الهوى متجدداً، ولايتجدد الإيمان، فهذا الهوى ليس إلا قفلاً على البوابة.

ولقد قمت بتأويل الكلام البكر، فأوِّل نفسك، لاتقم بتأويل الذكر.

إنَّك تؤول القرآن على هواك، فصار المعنى السنيُّ منك دنياً معوَّجاً”[11]

أمَّا أولئك الذين يواصلون هذا السبيل من النظر للباطن عبر بوابة الظاهر، ليس لدى الرومي لهم سوى الإزدراء:

” وصاحبُ التأويل الباطل كالذبابة، وهمه بول الحمار، وتصوره القذى والغثاء.

ولو تَركت الذبابة تأويلها برأيها، لحولها الإقبال إلى طائرالعنقاء!”[12]

ومن هذا المنظور، تم إنزال الوحي للسمو بإنسانيتنا ومساعدتنا في الإنسجام مع طبيعتنا الحقيقية، فطرتنا السليمة، لكننا بقينا نتحداها ولانمتثل لها، إبتغاء التفكير في مكونات السراج بدلاً من الإستضائة بالنور الذي فيه. أمَّا أولئك الذين يحاولون الحصول على معرفة القرآن عبر ظاهره فهم كالسحرة الذين حاولوا سرقة عصا موسى.  ويكتب الرومي بهذا الخصوص أنَّ الله قال للنبي (عليه الصلاة السلام) ” يارسولنا لست ساحراً، أنت صادقٌ ورفيق لموسى في الخرقة. والقرآن بالنسبة لك كالعصا بالنسبة له، يبتلع الكفر وكأنه أفعى”.[13] ويكتب الرومي أنَّه حين حاول السحرة سرقة عصا موسى، تحوَّلت الى أفعى وعندها أدركوا أنَّ موسى نبيٌ صادقٌ وطلبوا منه أنْ يصفح عن خطاياهم.  وكي نبَّسِط تشبيه الرومي للقرآن بعصا موسى، يمكننا القول أنَّ أولئك الذين يظنون أنَّ بإمكانهم إكتساب شيءٍ من القرآن، دون إدراك حقيقته، سيتغلب معناه عليهم، مالم يسعون لخدمته بدلاً من أنْ يبتغون منه أنْ يخدمهم، تماماً كما تغلبت عصا موسى على السحرة.

ويوجد السبيل، لتجاوز هذه العقية والإستفادة من القرآن، في الفقرة الشهيرة من ديوان ” فيه مافيه” للرومي الذي يقارن فيه بين القرآن والعروس المقَّنعه، حيث يقول:

” أنَّ القرآن كالعروس لن تريك وجهها، رغم أنَّك تزيل عنها حجابها. إنَّك تبحث عنه ولن تستمتع برؤياه لأنَّه يرفض محاولتك أنَّ تفكَّ طلاسمه. إنَّه يخدعك ويريك نفسه قبيحاً وكأنَّه يقول : “أنا لستُ ذلك الجمال”، وبمقدوره أنْ يظهر لك أيَّ وجه تريد. فإنْ أنتَ لم تنزع الحجاب واستأنست بمرآه وسقيتَ بالماء حقله المزروع وخدمته عن بُعْدٍ، وحاولت القيام بكل مايسره، دون نزع الحجاب، فسوف يكشف لك عن وجهه”[14].

      وتُعدُّ خدمة القرآن بهذه الطريقة وتطبيق رسالته بدلاً من تحليله هي الوسيلة الوحيدة لبلوغ معناه الحقيقي.  ومن خلال هذا السبيل، يمكن للمرء أنْ يفهم القرآن، حيث أنَّ معناه يشبه الى حد كبير جوهر روح الإنسان. وعليه، يكتب الرومي قائلاً:

” فأسأل عن معنى القرآن من القرآن فحسب، ومن ذلك الذي أضرم النار في هوسه ونزوته.

وصار للقرآن فداءً وأمامه ذليلاً، حتى صارتْ عين روحه قرآناً.”[15]

“أطلب أصحاب ” فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي”[16] ( الفجر:29 -30).

فالله لايكلم كلَّ أحد، تماماً كما أنَّ الملك في هذه الدنيا لايكلم كلَّ نسَّاج، إنَّ الملوك ينصِّبون وزيراً وممثلاً ليمهد الأمور للملك. كذلك الله المتعال يصطفي عبداً من عباده ، وكلُّ من يريد الله يجده في داخله. جميع الأنبياء يبعثون لهذا السبب ذلك أنَّهم وحدهم السبيل الى الله.”[17]

” إعلم أنَّ حروف القرآن والفاظه ظاهرة، وتحتَ كلَّ ظاهرٍ باطنٌ شديد القهر”.[18]

“وتحت هذا الباطنِ باطنٌ ثالثٌ، تتوه فيه العقول بأجمعها.

والباطن الرابع من القرآن لم يدركه شخصٌ قط، ولايعمله إلاَّ الله الذي لانظير له ولاند”.

” فلا تنظر يا بني من القرآن الى ظاهره، فإنَّ الشيطان لايرى من أدم إلاَّ أنَّه طين.

والقرآن مثل شخص الإنسان، صورته ظاهرة لكن روحه شديدة الخفاء.

ويكون المرءُ للمرءِ عماً وخالاً لمائة سنة، لكنه لايرى من أحواله مثقال ذرة.” [19]

الهوامش 

 

[1] . Joseph Lumbard باحثٌ أمريكي الجنسية يعمل حاليا أستاذٌاً مساعداً مختصاً بالدراسات القرآنية في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة.[المترجم].

[2]. نور الدين عبد الرحمن الجامي (817-898هـ / 1414-1492م)  من مشاهير شعراء فارس وكتابهم في القرن التاسع الهجري

[المترجم].

[3] .  ديوان شمس ، 24875 .لم يشر المؤلف لجزء الديوان المذكور ولا لتاريخ النشر [المترجم].

[4] . ديوان شمس، 26404 – 06.

[5] . الرومي، المثنوي، 3: 4247، ترجمه وشرحه وقدم له إبراهيم الدسوقي شتا، الطبعة الخامسة، 2017 : القاهرة: المركز القومي للترجمة.

أعدتُ الإعتماد على ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا حين يتعلق الأمر بالإقتباسات من المثنوي كون الترجمة المذكورة قائمة على الأصل الفارسي تحريا للدقة كوني أترجم عن الإنكليزية لاعن الافارسية [المترجم].

[6] . المصدر نفسه، 3 :4248 -49.

[7] . المصدر نفسه، 3: 4250 – 52.

[8] . المصدر نفسه، 2: 1025.

[9] . المصدر نفسه، 4 : 1285.

[10] . المصدر نفسه، 1 : 3409.

[11]. المصدر نفسه، 1: 1087- 1089 .

[12] . المصدر نفسه، 1: 1096 -97.

[13] . المصدر نفسه، 3 ، 1209 – 1210. تم إيراد البيت 1209 من المثنوي لأتمام الفائدة وتوضيح السياق حيث لم يذكره الباحث في النص الأصلي [المترجم].

[14] . Rūmī. Fīhi mā Fīhī, p.229.

[15] .Rumi, mathnawi, 5: 3129-30.

[16] . إشارة لقوله تعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ.ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ( الفجر:27– 30) [المترجم].

[17] . Rūmī. Fīhi mā Fīhī, p.229.

[18] . الرومي، المثنوي، 3: 4247.

[19] . المصدر نفسه، 3: 4250 – 52.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!