جديد

خالد بن سنان العبسي، نبيٌّ ضيّعه قومه

خالد بن سنان العبسي، نبيٌّ ضيّعه قومه
 
خالد بن سنان العبسي ” نبي ضيعه قومه”
 
محمد سعيد 
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة.
ملخص البحث
شأنه شأن الكثير من شخصيات التاريخ العربي القديم، يمثل خالد بن سنان العبسي شخصية مبهمة وغير واضحة المعالم. أسباب هذا الغموض متنوعة، منها أن حياته انقضت قبل الإسلام ولم تشمله أنوار الآدب التاريخي الإسلامي إلا بشكل جانبي، ومنها أنه لا ينتمي لدائرة الإبداع الأدبي من شعر ونثر حتى يكون موضوعا لمصنفات الأدب القديم، ومنها كذلك أنه لم يكن – في ما نعلم – موضوعا لدراسة ضامنة لشروط المنهج التاريخي. غاية هذا المقال إلقاء ما أمكن من أضواء على خالد بن سنان، ومن ثمة إعادة بناء سيرته، ووضعها في سياقها التاريخي. نقسم محطات الفحص والتفكير إلى خمس: 1-المصادر: طبوغرافية أولية، 2 – مسألة المنهج، 3-الوسط العائلي، 4-الوسط العشائري والقبلي، 5-التراث “الفكري” والأتباع.
 
 
1-المصادر: طبوغرافية أولية:
أول ما يلاحظ أن المصادر تتفاوت فيما تسنده من أهمية لأخبار خالد بن سنان. تغيب أخباره من أبرز الموسوعات الأدبية الحوليات التاريخية مثل كتاب الأغاني وتاريخ الطبري وأنساب البلاذري وتاريخ اليعقوبي وغيرها ([1]).
 
في هذا الأمر ما يثير بعض الانتباه والتساؤل لأن صورة الرجل بقيت حية في مصادر أخرى كثيرة كما سنري، وأخباره تتقاطع، إلى حد ما، مع مادة السيرة المحمدية. يضاف إلى هذا أنه ينتمي لقبيلة عبس، قبيلة عربية صميمة واقعة في محور الحراك التاريخي في المرحلة القب إسلامية. لا نلحظ بعض “الاهتمام” بأخباره إلا في الحوليات المتأخرة، ورغم أن ما يرد فيها يشهد على بقائه في دائرة الأدب التاريخي المتأخر، فإنه لا يتعدى بعض الأخبار المتباعدة وصلتنا في شكل صورة متكلسة. هذا هو الحال على سبيل المثال في الكامل في التاريخ ([2])، حيث فقرة من بعض أسطر عنوانها: “ذكر خالد بن سنان العبسي”، أو في “البداية والنهاية” لابن كثير ([3]) الذي يجمع البعض من أخبار خالد في فصل عنوانه: “ذكر جماعة مشهورين في الجاهلية”. تبدو لنا الصورة متكلسة لأن أخبار خالد بن سنان ترد خارج سياق الأحداث التاريخية، ويمثل هذا عامل ضعف كبير فيها. هل من الضروري الإشارة إلى أن الدراسة التاريخية تسير في اتجاه عكسي، اتجاه إعادة الشخصية إلى سياقها التاريخي؟
 
يشهد الإخبار عن خالد بن سنان شيئاً من الحيوية، على الأقل من الناحية الكمية، في صنف آخر من المصادر القديمة، تلك الممثلة لأقدم ما وصلنا من أشكال المعرفة التاريخية. من هذه المصادر جمهرة النسب لابن الكلبي ([4]). يضع ابن الكلبي خالد بن سنان موضعه من نسب بن عبس ويشير لبعض من صحبه في حادثة إطفاء نار الحدثان. من هذه المصادر تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة ([5]). وهو مصدر قريب من دائرة السيرة. منها كذلك تلك المصادر التي يغذي أصحابها حس موسوعي استطرافي. فإلي جانب مروج الذهب للمسعودي ([6]) هناك كتاب الحيوان للجاحظ ([7]) والمعارف لابن قتيبة ([8]) وكتاب الاشتقاق لابن دريد ([9]) وثمار القلوب للثعالبي ([10]) ونشوة الطرب لابن سعيد الأندلسي ([11]) ترد في كل هذه المصادر، ولو في شكل مضمون رتيب ومتكرر، مواد متعلقة بخالد بن سنان.
 
نلحظ إمكانية أخرى للاستخبار، ولو كانت في منتهي الضعف والهزال، في كتب التراجم، لاسيما المتأخرة منها. ما من شك في أن اهتمام هذا الصنف من المؤلفين جاء نتيجة لتلك الصدفة الحسنة المتمثلة في رواج الحديث النبوي المتعلق بخالد (نبي ضيعه قومه). من هذه المصنفات بغية الطلب لابن العديم ([12]) والمنتظم لابن الجوزي ([13]) والإصابة لابن حجر ([14]). ترد في هذه المصادر دلائل كثيرة، على اهتمام به قديم عند أهل الحديث. فكتاب التراجم المتأخرين ضمنوا مصنفاتهم أخبا كانت متداولة عند أقدم الرواة، ومن الطريف أنهم بقوا يعبرون عن “حرجهم” من الترجمة لشخصية جاهلية، من غير الصحابة. يأخذ هذا الحرج، عند ابن الأثير ([15]) شكل “الاحتجاج” على رواته حين يكتب في شأن خالد بن سنان: “لا كلام في أن ليست له صحبة، لا أدري لأي معني أخرجه (المقصود أبو موسي أحد مصادرة)، فإن كان ذكره لأنه نقل عنه إخبار بالنبي، فقد أخبر به المسيح عليه السلام وغيره من الأنبياء، فهلاً ذكرهم في الصحابة؟”. نفس الرأي هذا يعبر عنه انب حجر ([16])، يقول في سياق ترجمة خالد بن سنان: “لو كان كل من يذكره النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم يكون صحابياً لاستدركنا عليه خلقا كثيرا”، ويدعم رأيه برأي ابن الأثير.
 
قد لا يبدو غريباً بشكل عام أن تتفاوت المصادر فيما توليه من أهمية لشخصية من شخصيات التاريخ، لكن في الموضوع العربي الإسلامي يصبح لهذا التفاوت مغزى كبير، لأنه يرسم لنا الخطوط الأول التي تصرفت بمقتضاها العلوم الإسلامية في هذه الشخصية. فإذا كانت كتب الموسوعيين، كالمسعودي، مثلاً، أولت أهمية لهذه الشخصية فنرجع أن ذلك يعكس شكلا من المرونة الفكرية في تناول موضوع النبوات القديمة، بعيدا عن دائرة المفسرين والمحدثين. يمكن أن تكون هذه الأبعاد موضوعا لبحث مستقل، ويمكن أن تفتح الباب على تاريخ للأدب التاريخ العربي ليس في الشكل المدرسي المعهد وإنما يتجاوز ذلك ليتناول بنيته الداخلية.
 
ضماناً مناً لوضوح العرض، يمكن أن يكون أنجع سبيل، ونحن بعد في مستوي التقديم، هو الانطلاق من أبرز ملامح صورته في المصادر، وبشكل مواز لهذا، إثارة ما تطرحه هذه الصورة من مسائل. مع هذا، وحتى نقرب القارئ أكثر من مضامين المصادر، نضع في ملحق هذا المقال، المواد الواصلة في المصادر المختلفة مرتبة حسب أقدميتها الزمنية ([17]). من البديهي أننا سنتناول كل هذه المادة بالدراسة ونحاول الكشف عن حدود الحقيقة التاريخية فيها كما عن وجوه أهميتها في تطوير فهمنا لتاريخ المجتمعات العربية قبل الإسلام.
 
يتمحور الإخبار عن خالد بن سنان العبسي على معطي مركزي يتمثل في أنه من أنبياء “أهل الفترة”. “الفترة” كما ذكرنا آنفا مفهوم إسلامي، يعني الفترة الزمنية الفاصلة بين رسالة الرسول محمد وبين نبوة عيسى. أهل الفترة يقول المسعودي ([18]): “جماعة من أهل التوحيد وممن يقر بالبعث، وقد اختلف الناس فيهم: فمن الناس من رأي أنهم من الأنبياء، ومنهم من رأي غير ذلك” تختلف الروايات كثيراً في شأن عددهم وأزمنتهم وأسمائهم. خالد بن سنان – في منظور الكثير من الرواة هو آخرهم، وينجر عن ذلك أنه أقربهم إلى زمن الإسلام، إذ انقضت حياته – مثلما سيتبين ذلك – القرن السادس.
 
من الطبيعي والحال هذه أن يطغي على أخبار خالد بن سنان ما ينسب له من معجزات وخوارق. من أشهر هذه الخوارق أنه قدر على إطفاء نار الحدثان (ويرد أحيانا الحرتان)، نار بركانية على أطراف الحجاز، وسوف تكون هذه “الحداثة” وكل ما يحيط بها موضوعا لفقرة قادمة. مما ينسب له كذلك أنه، حين أطفأ هذه النار، احترق بسبب أن أتباعه لم ينفذوا وصيته لهم، قبل دخولها، بألا ينادوه باسمه. لكن أحدهم ناداه باسمه، وكان ذلك سبب احتراقه. لكن، قبل وفاته، أوصي أتباعه بأن يدفنوه في مكان أرشدهم له، وأن ينتظروا ظهور علامة، تتمثل هذه العلامة في مجيء حمار أبتر أشهب يدور على قبره، وأوصاهم، إذا رأوا هذه العلامة، أن ينبشوا قبره، ويخرجوه. حينها وحينها فقط يمكنه أن يعلمهم بما هو كائن بعد الموت. لكن، حين وفاته، ورغم ظهور العلامة الموعودة، عارض ابنه نبش قبره، واستجاب القوم لإرادته.
 
من مكونات صورته أيضاً أنه أعلم أتباعه من العبسيين بوجود لوح محفوظ عند زوجته، فيه من الحكمة ما يمكنهم من حل ما أشكل عليهم، ويقال أحياناً أنه أعطي لبني عبس حجرا مباركا ينصرهم على أعدائهم حين حمله معهم في الحرب، ويساعدهم على الاستسقاء إذا ما ضنت عليهم السماء بمائها. ينسب له كذلك أنه قتل العنقاء، طائر متوحش كان يغير على أهل الحجاز ويتلف الزرع والضرع.
 
انطلاقا من هذا المضمون يتبادر لذهن القارئ أن الشخصية خرافية وأنه من العسير أن تكون موضوعا لسيرة تاريخية بالمعني الملموس، لكن ما يرد في المصادر لا يقتصر على الصورة الخرافية إذ هناك من الروايات ما يثبت أحيانا أن للرجل وجودا تاريخيا لاشك فيه، وأن حياته قابلة للدراسة وللمراقبة التاريخية. ترتسم بعض الملامح من حياته الاجتماعية، من خلال ما يرد من أن ابنه له، اسمها المحياة، التقت الرسول محمد وتحدثت إليه. ورن اختلف الرواة في مناسبة لقياها الرسول محمد، فإنهم يجمعون على أنه أكرمها وقال لها: “مرحبا ببنت أخي، أبوك نبي ضيعه قومه”. يرد كذلك أنها سمعت الرسول محمد يقرأ: “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)” (سورة الإخلاص) وقال له: “كان أبي يتلو هذا”، ويرد في بعض الروايات أنها قالت: “كان أبي يقرأ هذا” ([19]). من الطبيعي أن تكون هذه الحادثة كذلك موضوع اهتمام منا في فقرة لاحقة.
 
لكن، هل تحتفظ المصادر دائماً بهذا الوضوح الإخباري؟ بحكم دخول المسألة دائرة المعتقد – ومثلما يتوقع كل دارس لتاريخ الإسلام وللسيرة – يتلاشى الوضوح بسرعة، وتدخل الأخبار جاذبية علوم الحديث وتتحول صحة هذا الحديث النبوي من عدمه إلى موضوع جدل بين المحدثين، ويتوسع الجدل بشكل إجباري ليشمل مسألة نبوة خالد بن سنان، ويتمدد في شكل جدل لاهوتي من الصعب استثماره كمادة تاريخية. يعترف اتجاه واسع في الرواية بنبوته ويدمجه في سياق الرؤية القرآنية للنبوات السابقة للإسلام ويقول أنه النبي الوحيد من بني إسماعيل بين محمد وعيسي. لكن أين ومتى؟ لا ترشدنا المصادر إلى أكثر من انتمائه لقبيلة عبس. يقال أحيانا أنه نبي أهل الرس([20]) والرس لغة هي البئر([21]) لكن أين تقع هذه البئر؟ ليس من اليسير أن نعلم ذلك بيقين لأن المصادر تعطي سيلاً من الإجابات التي تتحول بدورها إلى مشكلة ([22]).
 
لكن، في الرواية اتجاه آخر ينفي عنه النبوة، بحجة أنه من أهل الوبر وأن الله لا يختار رسله إلا من بين أهل النخيل([23]) ونفهم من ذلك أن الكلام عنه دخل في جاذبية مسألة أخرى، مسألة التعارض والتباري التقليدي في تاريخ الإسلام بين المستقرين والرحل، وما أفرزته من عناصر تبريرية للصدارة السياسية والاجتماعية. يبرز بين الاتجاهين السابقين، اتجاه ثالث، فيه ما يشبه التوفيق، يجعل من خالد بن سنان مجرد مبشر رسالة الرسول محمد. لكن يتداخل دوره مع دور نبي آخر، مبهم السيرة هو حنظلة بن صفوان([24]) وتغرق صورته من جديد في غموض كبير.
 
تتعقد الصورة من جديد وبشكل أكبر حين يدخل خالد بن سنان، وبشكل صريح، دائرة الأسطورة: نقرأ في بغية الطلب([25]) أن ضريحه في قرية منبج([26]) قريبا من مدينة حلب، في حين تقول رواية، واردة في الإصابة([27]) بإسناد لعلماء قيروانيين، أن جسده يري في مغارة تقع في قمة جل غير بعيد عن القيروان، وهو ما لا يتوافق مع ما تتداوله الثقافة الشعبية الجزائرية المعاصرة من أن ضريح خالد بن سنان يوجد في الجنوب الجزائري، وأن قرية “سيدي خالد” منسوبة إليه.
 
 
2-بأي منهج؟
يطرح تناول هذه المواد التاريخية صعوبات كبيرة. فمن ناحية، نحن أمام مواد قديمة من التراث التوحيدي الشرقي القديم، العالق في ذاكرة لرواة، ومن ناحية ثانية تأتينا هذه المواد في شكل أخبار “مستعملة” في اتجاه بياني معين، بمعني مطوعة أو مروضة لسياق وعي جديد، هو الوعي الإسلامي للتاريخ. ما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه المواد تشابكت واختلطت مع وقائع تاريخية قد تكون حادثة ومع عناصر خرافية متداولة التصقت بالعناصر التاريخية الأصلية وجعلتها نسيجها الخلفي واستمدت منها صدقيتها.
 
لا يتوفر في الدراسات الحديثة ما يمثل مدخلاً للمسألة إذ حين يدخل هذا الصنف من المواضيع دائرة الاهتمام، غالبا ما يكتفي الدارس برتق الروايات لبعضها البعض، ولو دون قناعة أكيدة بحقيقتها، وبناء سيرة تعيد إنتاج مضامين المصادر لا غير. في دائرة معارف الإسلام، مقال مقتضب عن خالد بن سنان، كتبه شارل بلا ([28])، لكن من اليسير أن نلاحظ أن مضمونه لا يكاد يختلف إلا قليلا عن فلسفة كتاب التراجم القدامى حين يستجمعون ما تيسر من مآثر الشخصية المقصودة وآراء القدامى فيها ويضيفون لها بعض النبذ المتعلقة بالدائرة القبلية والعائلية ويشكلون من الكل ترجمة. في هذه الحال، ألا يكون الكاتب في حال من بسط بساطا لتخرج عليه الشخصية المدروسة في شكلها الذي أراده لها الأدب التاريخي القديم؟. يضيق المجال على تناول الأسباب التي حالت دون نماء المقاربة التاريخية في حقل التراجم العربية القديمة. لكن، تأتي على رأس الأسباب دون شك، طبيعة المادة التاريخية والتي فيها، كما رأينا، ما يجعلها مسائل مليئة بالمزالق والصعوبات.
 
ترتسم في المستوي النظري إمكانيتان لدراسة سيرة خالد بن سنان، يستحسن، ضمانا للوضوح، التمييز بينهما من البداية. تتمثل الأولي في دراسته كشخصية أسطورية أو “مؤسطرة”، وهو منحي يقتضي استعمال أدوات التحليل الأنتروبولوجي وتوسيع دائرة الفضول في اتجاهين: اتجاه “الثقافة الأسطورية والخرافية الشرقية القديمة، واتجاه المجتمعات التي تداولت هذه الأساطير، في أزمنة لاحقة. معلوم أن أشكال الأسطورة تخترق الأزمنة المختلفة وتتفاعل بشكل دائم مع مستجدات الثقافة والتاريخ. لا يمكن فهم تحول خالد بن سنان إلى أسطورة تغذي الخيال (الشيعي) في بلاد المغرب فقط من خلال المادة الأسطورة وإعادتها إلى جذورها الأصلية بل يصبح من الضروري معرفة ودراسة تراث هذه المجتمعات ذاتها، حتى تمكن الإحاطة بالتفاعل بين روافد متعددة غذت الخيال في العصر الوسيط.
 
تتمثل الإمكانية الثانية في دراسته من زاوية تاريخية بالمعني المحدود للكلمة، بمعني محاولة إعادة هذه الشخصية إلى سياقها والكشف عن حقيقتها في زمان ومكان معينين والوصول إلى نواة من التاريخ الحادث. لا تهمل الدراسة التاريخية مستوي الثقافة لكن، خلافا للمنحى الأنتروبولوجي، تسعي لتزمينها أي تحويل الشخصية موضوع الدرس إلى فرصة للكشف عن الثقافة المتداولة في زمن معين، ووضعها في سياقها التاريخي ورصد ما فيها من جديد بالنسبة لما سبقها، تلك المضامين التي تنبؤنا عن التحولات التاريخية الجارية.
 
تأخذ هذه الدراسة الاتجاه الثاني، اتجاه الدراسة التاريخية، ومن هذا المنظور تتولد الأسئلة المستبطنة في هذا البحث: من هو خالد بن سنان؟ هل كان عمله يترجم إرادة فردية تعكس إحساس وجوديا أم أن فيه ما يدل عن تفاعل مع “وضع اجتماعي وتاريخي معين؟ إذا كان نبيا نفهم من ذلك شخصية اجتماعية قائدة، ويحق التساؤل عن القيم التي كان يروج لها وينادي بها. ومن هم معارضوه ومن هم أتباعه؟ هل حكمته وعمله ما يعطي إطلالة على الثقافة السائدة في زمانه؟ من الطبيعي أن تبقي هذه الدراسة، بما أنها دراسة تاريخية، مفتوحة على كل الاحتمالات: قد يتعلق الأمر بشخصية تاريخية عظيمة ومؤثرة كما قد يتعلق بشخصية تنامي حضورها في المصادر وأبدتها صدف الثقافة، دون أن يكون لها في الأصل وزن كبير.
 
للإجابة على هذه الأسئلة يملي المنهج التاريخي شرطين أساسيين: يتمثل الأول في توسع دائرة السبر في اتجاه المجتمع المحيط بخالد بن سنان ليشمل تلك الدوائر المحيطة به مثل وسطه العائلي والعشائري والقبلي، محاولين رصد ما يمكن أن يكون اخترق هذه الأوساط من تجارب تاريخية. فـ “أبطال” العصر الجاهلي، شأنهم في ذلك شأن كل أبطال الأزمنة القديمة، كانوا يحيون داخل دوائر متعددة، وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أن فاعلية هذه الدوائر تختلف باختلاف المكان والزمان وليس من اليسير على الدارس أن يقرر من البداية أي مستويات القرابة يمثل مرجعية للفرد وبالتالي وحدة انتسابية لما يقع من وقائع ([29]). ما من شك في أن التفاعلات تزداد تعقيدا في حال الدعاة والأنبياء الذين، باعتبارهم قادة، كان في ميولهم وطموحاتهم ومشاريعهم ما يعكس تجاوزا لمصريهم كأفراد وما يدفع للانتباه أيضا إلى المحيط التاريخي العام.
 
أما الشرط الثاني، فيتمثل في اعتماد النقد والقياس التاريخي. رأينا أن قسما واسعا من الروايات المتعلقة بخالد ذات بنية خرافية، لكن سوف يتبين، بواسطة النقد والتقييم التاريخيين، أن الأدب التاريخي، رغم وظائفه الأصلية المشار إلى بعضها آنفا، ودون قصد من رواته وكتابه، احتفظ ببعض الأخبار التي تحيل على حوادث أصلية. لذلك، سوف نسعى لتمييز النواة التاريخية رغم وصولها مغرقة في تاريخ خرافي أو مختلطة وموظفة في إطار جدل علمي متأخر عن زمن الوقائع الأصلية.؟
 
لذلك نزيح من دائرة اهتمامنا الروايات ذات الطبيعة الخرافية الكاملة علقت بخالد بن سنان، في أزمنة متأخرة دون شك، معجزات وخوارق تعد لأقدم طبقات الثقافة الشرقية وربما الإنسانية، وقد يجرنا تناول هذه الثقافة بعيدا عن الغاية المرسومة لهذه الدراسة. يرد أن من معجزاته أنه دعا الله بإفناء العنقاء، طائر متوحش يغير على بلاد الحجاز ويختطف الصبية والماشية، فاستجاب الله لدعائه ([30]). ترد في المسعودي وكذلك في أدبيات العجائب أوصاف دقيقة ومتناقضة لهذا الطائر الأسطوري ([31]) ومن المثير للإعجاب أن يكون الجاحظ ([32]) قد شكك في هذه المعتقدات ووضعها على سجل العادات والمعتقدات.
 
يرد كذلك أن خالد حين وفاته قال لأتباعه – كما ذكرنا آنفا – أن حمارا أشهب أبتر سيدور على قبره بعد دفنه، وحينها يمكنهم أن ينبشوا قبره بعد الموت ليكشف لهم سر ما هو كائن بعد الموت ([33]). الحمار رمز متداول في التراث الشرقي القديم لزهاد الصحراء ونساكها ([34]). لا شك أن الصورة جزء من ثقافة شعبية قديمة سابقة لزمن خالد بن سنان.
 
3-الوسط العائلي:
لا يطرح انتماؤه القبلي والعشائري أي مشكلة: اسمه خالد بن سنان بن غيث وينتمي بالنسب لعشيرة بني مخزوم من قبلية عبس. ترد نسبته هذه في شكل واضح، وتردد، بنفس الشكل، في مصادر مختلفة. لا نسجل إلا فرقا طفيفا حين يرد عيث (بالعين) عوضا عن غيث في بعض المصادر([35]) وهو خطأ في النقل ليس له أثر كبير. لذلك، لن تعترضنا تلك الصعوبات التي تعترض الدارس، حين تكون الشخصية غارقة في مرحلة بعيدة من تاريخ ما قبل الإسلام وترتبك رواية النسبة، ويصبح من الضروري إعادة بناء الاسم والنسبة بنا صحيحا حتى تمكن معرفة الارتباطات العائلية والعشائرية ([36]).
 
ترد في ترجمته في الإصابة([37]) وفي أسد الغابة ([38])- مثلما سبق أن أشرنا – إشارات لعناصر تنحدر منه، من ذلك ذكر لابن له اسمه عبد الله، وبنت له اسمها “المحياة” ويتردد أن ابنته هذه (وتقول بعض الروايات ابنه) أتت الرسول محمدا وتحدثت إليه، ووجدت لديه استقبالا حسنا، إذ طرح لها رداءه وقال لها: “مرحبا ببنت أخي، كان أبوك نبيا ضيعه قومه”.
 
لكن، لا يرد أكثر من الإشارة لهذا اللقاء. يأمل الدارس في العثور على شيء ما عن المحياة في كتب التراجم لأن بعضها يخصص لها ترجمة مثل الإصابة([39]) أو في أسد الغابة ([40])، لكن يخيب الأمل بسرعة لأن مضمون هاتين الترجمتين لا يتعدى حدود بعض المعطيات “التقنية” الضرورية لعلم الحديث، ولا تنجرف معها أي معطيات تاريخية أخرى من شأنها أن تنير سيرتها. على سبيل المثال، لا يبدي المترجمون اكتراثا كبيرا بالمكان الذي جرت فيه حياتها أو المكان الذي منه جاءت للرسول، أو بما كان وضعها قبل الإسلام وما صار عليه بعده. لئن أبدي كتاب التراجم بعض الاكتراث بعنصر الزمن فإنهم سرعان ما يتناقضون: يرد في المنتظم([41]) أنها جاءته بعدما هاجر إلى يثرب، في حين يرد في أسد الغابة ([42]): “فلما بعث الله محمداً أتته المحياة بنت خالد فانتسبت له”، مما يعني أنها جاءته إلى مكة. أما في تاريخ المدينة([43]) فتقول الرواية أنها أتته في بيعة النساء، مما يعني أنها جاءته إلى يثرب. هناك معلومة واحدة كثيرة الانبثاث في هذه المصادر تقول أنها حين جاءته كانت امرأة عجوزا في سن متقدمة، معلومة تبدو لنا غريبة، فها ما يدفنا للريبة في أن تكون وضعت، من الأصل، لملء هذا الفراغ الذي نحن نشعر به، أو شاعت كتعويض لمادة كانت متداولة في شأنها (؟).
 
نتيجة لضعف الإخبار، لا يبقي من حل سوي اعتماد النظر التاريخي، ورسم بعض التساؤلات: في أي سياق يمكن وضع هذا اللقاء بالرسول محمد؟ من الصعب تصور امرأة انطلقت من مواطن عبس بفردها لملاقاة الرسول محمد، سواد كان ذلك لملاقاته في مكة أو في يثرب. هل كانت المحياة مستقرة (أو متزوجة) في دائرة مكة أو يثرب؟ إذا صح هذا، ألا يمكن أن يعني أن عائلة خالد بن سنان اقتربت من محيط الحجار، في زمن ما لا يمكن تحديده، وأصبح لها علاقات اجتماعية في هذا المحيط؟. يدعم هذا الاحتمال معلومة طائشة، ترد في المنتظم([44]) معلومة تقول أن خالدا نبي مات بين مكة والمدينة، ويدعمه أيضاً ولو بشكل ضعيف – ما سنلحظه، في فقرة قادمة من غياب أي عنصر ينتمي للدائرة الدمية القريبة من خالد بن سنان، من وفد عبس للرسول سنة الوفود، ذلك الوفد الذي كان ممثلاً، إلى حد ما، لنخبة القبيلة. لكن، لو كانت عائلة خالد بن سنان، سواء في حدودها الضيقة أو الموسعة، اقتربت فعلا من محيط الحجاز (بعد وفاته أو أثناءها) يصبح من المنتظر العثور على تقاطعات أخرى مع نسب بعض العناصر الحجازية، وهو ما لا تسعفنا الرواية به بأي شكل من الأشكال. لا ذكر لوالده سنان بن غيث، كما لا ذكر لجده غيث بن مريطة، سوي وجودهم في شجرة نسب بني عبس ([45]). لا شيء كذلك عن زوجاته أو زوجات أبنائه ولا خبر عن ذريتهم سواد قبل الإسلام أم بعده، ولا حتى إن كانت له أعقاب أم لا.
 
الحصيلة أن هذه الفراغات الكثيرة تمنعنا من الوصول إلى أي مرتكز صلب، ويبدو من العسير فهم أسبابها. لا يمكن فهمها فقط من زاوية بعدها الزمني، لأن المرحلة الزمنية التي عاش فيها خالد بن سنان لم تكن بعيدة عن مرحلة الإسلام، ومن عادات الرواة أن يحتفظوا بالكثير من تاريخ العناصر البشرية التي عاشت قريبا من المرحلة الإسلامية. يضاف إلى هذا أن شخصية خالد بن سنان لها من ناحية تماس مع الإسلام كما رأينا، ولم تكن صورة سلبية حتى يكون اتجاه الرواية “غبن” أخباره، مثلما تفعل ذلك لبعض وجوه المرحلة القبإسلامية ([46]).
 
يتبادر إلى الذهن احتمال أن يكون الفراغ، فراغا متأصلاً في منطق الرواية. يمكننا أن نتصور، ولو بشكل افتراضي، أن الرواية الإسلامية، وإن كان اتجاهها العام – كما ذكرنا في الفقرة السابقة – هو المحافظة على تاريخ العناصر البشرية المندرجة في الإسلام، قد تلقت في موضوع خالد بن سنان بالذات، ضغط الحديث القائل إنه نبي ضيعه قومه”. بمعني، أن الإخبار انحسر بشكل تدريجي كي يتوفر ما يشبه السند التاريخي لهذا الحديث، ولم يعد من “المطلوب”، في سياق “تاريخ” تطور في حيز علم الحديث، إثارة الكثير من الأخبار الدالة على عكس ذلك. يبقي هذا مجرد تخمين، من الصعب إثباته.
 
 
4-الوسط العشائري والقبلي، أي”مجتمع”؟
لم تتح الرواية الاقتراب كثيرا من الدائرة العائلية لخالد بن سنان، لذلك ننكفئ لحدود قراءة للوسط القبلي الذي ينتمي إليه. لا نبتعد إلا ظاهريا عن الشخصية موضوع الدرس لأننا نحتفظ بنفس الأمل في الكشف عن روابط خالد بن سنان بمجتمعه، ووضع “نبوته” في علاقتها مع دائرة بشرية أشمل، دائرة القبلية.
 
يتمحور الإخبار المتعلق بـ “قبيلة” عبس، كما هو منتظر في شأن قبيلة “جاهلية”، على معطيين أساسيين متداخلين: الأول، الوارد في شكله الرومانسي المعروف، يمثله الإخبار عن حروبها ودور رجالها في الصراعات القبلية أو ما بقي في حيز كتب الأدب خاصة من أشعار لشعراء عبسيين وبعض الملامح من حياتهم، أبرزهم دون شك البطل الملحمي عنترة بن شداد ([47]). المعطي الثاني هو ما يتعلق بأواصر القرابة والنسب، تلك التي تمثلها أدبيات الأنساب، ومن أبرزها أدبيات ابن الكلبي بشكل خاص، ومن أخذ عنه. لا ينحصر الإخبار عن أواصر القرابة في واقع الأمر على مؤلفي النسب بل يمثل نسيجا للرواية، منتشرا في مصادر كثيرة.
 
دائرة التاريخ بالوقائع:
معلوم أن عبسا من القبائل القيسية، وبالتحديد من مجموعة غطفان، تجتمع في غطفان مع أشجع، وذبيان، (ومن ذبيان فزاره، مرة وثعلبة). رغم هذا الانتماء لدائرة أوسع ممثلة في غطفان، كانت عبس من “جمرات العرب” كما تقول المصادر، بمعني قبيلة تصبر على قتال من قاتلها ([48]). رغم الهجرات المتتالية لعبس بفعل الانتجاع ووقائع الحرب كانت مركز منازلها يقع بين الحجاز ونجد. مع أواسط القرن السادس الميلادي اكتسبت عبس مكانة رفيعة بين قبائل غطفان، كان من نتائجها أن أصبح زهير بن جذيمة، حوالي سنة 550م، رئيسا لقبائل غطفان وشملت سلطته دائرة بشرية أوسع يجمعها أدب الأنساب في هوازن، ولم تنته هذه الهيمنة إلا بحرب داحس والغبراء، تلك الحرب الشهيرة في التراث العربي بين عبس وفزارة. كانت عبس ممثلة في زعيمها زهير بن جذيمة وفزارة ممثلة في قائدها حذيفة بن بدر الفزاري، تحالفه قبائل أخرى من غطفان منها ذبيان. كانت نتيجة هذه الحرب هزيمة العبسيين وتفرقهم وطلب الحلف من بني عامر بن صعصعة.
 
عرفت عبس أياما أخرى من العنفوان حين حاربت يوم شعب جبلة سنة 580م، إلى جانب عامر بن صعصعة وانتصرت على تميم ومن معها من قبائل ذبيان وأسد. لكن تقلبات الحياة القبلية وهشاشتها جعلتها تعقد صلحا وحلفا مع ذبيان مضادا لبني عامر بن صعصعة. في نفس المرحلة عقد حلف بين غطفان وقبائل تميم وأسد أصبحت بمقتضاه عبس خارج دائرة غطفان.
 
النتيجة التي يمكن أن تثير الانتباه أن عبس، طوال القرن السادس، كانت في أتون الحروب القبلية. كانت في بدايته ممثلة أفضل تمثيل للقبلية العربية في شكلها التقليدي لكن انتهت بها أحداث القرن السادس إلى وضع هامشي، وأصبحت الصعوبات تعترض أفرادها أينما حلوا.
 
رغم الوفرة النسبية للمادة التاريخية المتصلة بقبيلة عبس وبعشيرة مخزوم، ما يلاحظ، ومن جديد، هو غياب أخبار خالد بن سنان في سياق تاريخ بني عبس إذ تخلو المصادر المختلفة من أي إشارة ولو بواسطة الصدفة، في سياق أحداث عسكرية أو سياسية جارية وسط عبس. هناك فقط مسألة إطفاء “نار الحدثان”، التي سنتناولها في فقرة قادمة، والتي تبدو في شكل حادثة محدودة وخارجة عن سياق الأحداث السياسية أو العسكرية الكبرى. هل أن غياب أخباره ناتج عن طبيعة أدب الأيام ووظائفه الثقافية الأصلية المتمثلة في حفظ وترويج للقيم القبلية التقليدية، وإهمال رواته ومروجيه لأخبار الحراك الديني والمعتقدي؟ هل يعني ذلك دليلا على هامشية الرجل وهامشية دعوته في سياق تاريخ عبس؟
 
التاريخ بالنسب:
معلوم أن هذا الأدب يمثل فرصة ثمينة لدراسة النسيج الاجتماعي في مستواه الجزئي الدقيق ودراسة التوازنات بين العشائر، وفهم خصوصياتها. لكن، وإن يضيق المجال على استعراض كل المسائل التي يطرحها هذا الأدب على وعي الدارس، ولا مناص من الإشارة ولو بشكل سريع عاجل لبعضها: رغم أصالته وأقدميته مقارنة بالأدب التاريخ العام فإن علم النسب ليس أكثر من بلورة أدبية متأخرة عن زمن الجاهلية، يغيب منه التزمين الدقيق لروابط القرابة المعروضة علينا، ويصعب بواسطته تحديد الوزن الاجتماعي والبشري والسياسي للمجموعات المميزة في شكل فروع أو عائلات ([49]). يضاف إلى كل هذا، أن هذا الأدب، رغم ما توحي به جداول ابن الكلبي من شمولية، لا يغطي المجتمع المعني، ولا يمكن أن نقف بسهولة على أسباب بعض الفراغات فيه.
 
من شبه المنتظر أن يكون جمهرة النسب لابن الكلبي ([50])، مصدرنا الأساس، باحثين عما ينير لنا موضوع خالد بن سنان.
 
بنية نسب عبس:
يرد في الجمهرة أن عبسا تتشكل من فرعين كبيرين هما ورقة وقطيعة. لكن لا يرد في الجمهرة أي تفريع لورقة ويغيب تماما من دائرة علم ابن الكلبي، في حين تتجزأ قطيعة إلى ثلاثة فروع هي: الحارث/ غالب/ المعتم. لكن لا يرد أي تفريع للفرع الأخير، المعتم. يذكر ابن الكلبي للحارث ستة أبناء، لكن، مرة أخرى، لا يفرع إلا في شأن اثنين منهما، جروة (وهو اليمان)، ومازن (مع تفريع مختصر من زبينة).
تجدر الإشارة، بشكل سريع، إلى أن جروة (أو اليمان)، فرع مهاجر ومستقر في يثرب، محالف لبني عبد الأشهل، منه ينحدر الصحابي الشهير حذيفة بن اليمان ([51]). سبب هذه الهجرة، يقول ابن الكلبي، أن جروة، أصاب دما وهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان. رغم أن هذه المعلومة تقربنا من دائرة يثرب لا يورد ابن الكلبي أكثر من تسلسل بالأفراد (أي فردا فردا) يصل بين جروة وبين الصحابي حذيفة بن اليمان، دون أي تفريع جانبي.
أما في شأن مازن، الفرع الثاني المنحدر بدوره من الحارث، فيبدو أن لابن الكلبي معرفة واسعة به. يذكر ابن الكلبي زهير بن جذيمة، زعيم غطفان المشار له سالفا، وأبناؤه الذين كانت لهم أدوار كبيرة في حروب عبس مثل قيس بن زهير وإخوته الحارث وورقاء وشأس ومالك وعوف وخداش وحصين وعامر. يحرص ابن الكلبي على صحة روايته إلى حد أنه يقول “نسي هشام واحدا”، ويواصل ذكر أبرز أعلامهم.
 
يذكر لـ غالب ثلاثة فروع هي مالك وقيس وعوذ وتبدو معارف ابن الكلبي كبيرة بهذه الفروع. من مالك ينحدر مخزوم، وإلى مخزوم ينتمي خالد بن سنان العبسي، ويبدو أن هذا الفرع الذي ينتمي له خالد بن سنان واقع في محور دراية ابن الكلبي.
 
فراغات كثيرة تحول دون الاطمئنان لبنية قبيلة عبس كما ترد عند ابن الكلبي، لكن، في موضوع الحال، قد لا تمثل هذه الفراغات عائقا كبيرا لأن المجموعات التي يتناولها ابن الكلبي بالتفصيل هي المجموعات التي مثلت مركز الثقل العسكري والديمغرافي والثقافي في بني عبس في القرن السادس، وهو الزمن الذي يعنينا قبل غيره. يفصل ابن الكلبي في شأن بني جذيمة، ومنهم بنو زهير بني جذيمة، وقد كانوا في قلب المعترك في حرب داحس والغبراء. يفصل كذلك في شأن بني مخزوم بن مالك، ومنهم خالد بن سنان وعنترة العبسي، وفي شأن بني عبد بن مالك، وبني عوذ بن غالب، ومنهم بنو زياد، وكانوا من أبرز وجوه عبس. تجدر الإشارة إلى أن المصادر المتأخرة حين تنقل معطيات ابن الكلبي ستعتبر هذه المجموعات النشطة في تاريخ القرن السادس، مكونة لمجمل قبيلة عبس في الجاهلية. ذلك هو الحال عند ابن حزم([52]) أو ابن دريد([53]) والقلقشندي ([54]).
 
الأخبار في سياق النسب:
معلوم أن ابن الكلبي لا يقتصر على المعلومات المتعلقة بالقرابة، ويورد في سياق نسب الفروع التي يفصل نسبها، كما من المعلومات التاريخية المختلفة المتعلقة بسير الأفراد. لهذه المعلومات أهمية قد تفوق أهمية تفاصيل القرابة لأنها تتيح إطلالة على الدينامكية الجارية في مختلف العشائر ([55]).
أي إنارة لحياة خالد بن سنان؟
 
1-لا يتوفر ما يدل على وضع اجتماعي أو تاريخي يختص به بنو مخزوم. تبدو هذه العشيرة، شأنها شأن بقية عشائر عبس، “غارقة” في تاريخ قبلي، بتعبيريه الرئيسيين: الحرب والشعر. إلى بني مخزوم تنتمي عناصر مثل عنترة بن شداد العبسي والحطيئة الشاعر. لذلك، من الصعب أن يكون في نبوة خالد بن سنان ما يعبر عن منحي خصوصي نشأ في بني مخزوم أو اعتبارها تعبيرا عن توترات داخلية بين عشائر عبس.
 
ذكر ابن الكلبي اسم عنصر كان في محيط خالد بن سنان في حادثة إطفاء نار الحدثان، وربما كان من أتباعه وهو أبو حليل، (أبو أبو خليل) سليط بن مالك بن زهير. لا ينتمي هذا الرجل إلى بني مخزوم (ينتمي إلى بني مالك بن زهير)، مما يعني أن “أتباع” خالد ( أو مصدقيه)، كانوا يتوزعون على مختلف عشائر عبس ومما يعني في النهاية أن دعوته لا يمكن قراءتها في سياق تاريخ داخلي لعشيرة بني مخزوم، وهو استنتاج كنا وصلنا إليه من باب آخر.
 
الإسلام: فرصة للتوثيق عن”الجاهلية”:
وردت بواسطة ابن الكلبي أسماء بعض العناصر الذين ضمن التسعة الذين وفدوا على الرسول محمد وهم أبو الحصين بن لقمان، سباع بن قيس، هدم بن مسعود، بشر بن الحارث، قنان بن دارم. قد يكون من المفيد تقصي ماضي هذه العناصر العبسية التي اندرجت بشكل مبكر في الأمة. نأمل أن تصلنا، ولو بشكل عرضي ولا إرادي، بعض الإيحاءات المساعدة على فهم المناخ الفكري أو العقائدي الذي أحاط بدعوة خالد بن سنان أو نتج عنها. يساعد على هذا التقصي ما يشهده التوثيق من كثافة. فابن الكلبي ليس المصدر الأمثل أو الأكمل إذ وصلتنا أسماء العناصر العبسية التسعة بواسطة ابن سعد ([56])، في نص قدوم وفد بني عبس سنة الوفود، كما وصلتنا في كتب التراجم بحكم قرب البعض منهم من دائرة الحديث ([57]).
 
يقول ابن سعد: “قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: حدثني أبو الشغب عكرشة بن أريد العبسي وعدة من بني عبس، قالوا: وفد على رسول الله صلي الله عليه وسلم، تسعة رهط من بني عبس، فكانوا من المهاجرين الأولين، منهم: ميسرة بن مسروق، والحارث بن الربيع وهو الكامل، وقنان بن دارم، وبشر بن الحارث بن عبادة، وهدم بن مسعدة، وسباع بن زيد، وأبو الحصن بن لقمان، وعبد الله بن مالك، وفروة بن الحصين ابن فضالة، فأسلموا…
 
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني على بن مسلم الليثي عن المقبري، عن أبي هريرة قال: “… وسألهم الرسول عن خالد بن سنان، فقالوا: لا عقب له، فقال: نبي ضيعه قومه، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد بن سنان.”
 
مسيرة بن مسروق: أخباره في كتب الطبقات قليلة، وحين وجودها تتعلق بالمرحلة الإسلامية، وهي قليلة الفائدة في سياقنا الحالي. ترد إشارة في طبقات ابن سعد ([58])تقول أنه كان يحمل راية على بن أبي طالب في المسير، ويرد في أسد الغابة ([59])وفي الاستيعاب ([60])وفي الإصابة([61]) أنه شهد حجة الوداع، وأن الرسول عقد له لواء عبس، وأنه كان على صدقات قومه زمن أبي بكر وشهد اليمامة وفتح الشام، ويرد، بإسناد للواقدي، أنه “أول من أطلع درب الروم من المسلمين”. أما عن ماضيه القبإسالمي فيغيب اليقين حتى في مسألة انتمائه العشائري إذ يرد اسمه بشكل مختصر في التراجم. فقط ابن حجر يقول أنه ينتمي لبني الهدم بن عوذ دون أن يورد تسلسلا واضحا، ولا يرد له ذكر في نسب عبس عند ابن الكلبي. لا تسعفنا موسوعات الأدب والأخبار بأي إنارة ولو عرضية ([62]). كل ما يمكن الاحتفاظ به في النهاية هو صورة شخصية “غارقة؛ في القبلية التقليدية، مع صدارة في الأدوار العسكرية، وبعض الدراية بمسالك أطراف بلاد الشام.
الحارث بن الربيع وهو الكامل: ترد له ترجمة في الإصابة([63]) وفي أسد الغابة([64]) فيها أنه ينحدر من بني زياد، من بني الهدم بن عوذ، كبار أشراف عبس في الجاهلية، وهو ما يتوافق مع ابن الكلبي. تتكاثر النبذ والإشارات، سواء في كتب التراجم أو في كتب الأدب والأخبار، لوالده الربيع بن زياد، ولشرفه في الجاهلية ولبعض أخباره في بلاط النعمان بن المنذر (القصة مع لبيد بن ربيعة عند النعمان بن المنذر). يرد كذلك ذكر لأعمامه: الربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وقيس الحفظ بنو زياد. تتواتر أخبارهم كثيرا، في النقائض والأغاني إذ كانوا في محور وقائع داحس والغبراء ([65]). لكن، ما يثير الانتباه أن لا شيء عن الحارث بن الربيع، سواء في كتب التراجم أو في كتب الأدب والأخبار ([66]). لا يبقي من احتمال إلا أن يكون الحارث ينتمي لجيل ما بعد داحس والغبراء، بمعني أن حياته جرت بعد مقتل عمار والربيع في أتون الصراع مع ذبيان، وأن انضمامه للإسلام فيه ما يشبه البحث عن أفق جديد.
قنان بن دارم: ترد له ترجمة في الإصابة([67]) وأسد الغابة ([68]). ينتمي قنان لبني عوذ بن غالب وترد إشارات لدوره في فتوح الشام، لكن تغيب الأضواء عن حياته قبل ذلك، سواد في كتب التراجم أو في كتب الأخبار والأدب ([69]).
بشر بن الحارث بن عبادة: يغيب اسمه من أسد الغابة ومن الاستيعاب، ولا ترد له سوي ترجمة مقتضبة في الإصابة ([70])، لا يرد فيها ما ينير سيرته قبل الإسلام، سوي انتماؤه لبني بجاد بن غالب، وهم فرع يجتمع مع مخزوم في مستوي مالك. لا يرد له ذكر في كتاب الأخبار والأدب ([71]).
هدم بن مسعدة ([72]): تغيب ترجمته من الإصابة لكن ترد له ترجمة مقتضبة في أسد الغابة لابن الأثير([73]) يقتصر مضمونها على أنه أحد التسعة وأنه ينتمي لبني بجاد.
سباع بن زيد ([74]): ترد له ترجمة في الإصابة([75]) وأخرى في أسد الغابة([76]) فيهما أنه ينتمي لبني مخزوم، لكن تغيب كل معلومة عن ماضيه الجاهلي كما يغيب ذكره من كتب الأخبار والتواريخ ([77]).
أبو الحصن بن لقمان: ترد له ترجمة في أسد الغابة([78]) وأخرى في الإصابة([79]) ويحيل ابن حجر من ترجمة أبو حصين العبسي([80]) إلى ترجمة لقمان بن شبة بن معيط، وهو أبو الحصين العبسي. لا يرد في هاتين الترجمتين، ولا في كتب الأخبار والأدب، ما يتيح إطلالة على حياته في المرحلة الجاهلية. الثابت هو فقط انتماؤه لبني مخزوم.
عبد الله بن مالك ترد له ترجمة في الإصابة([81]) وأخرى في أسد الغابة ([82])، ويبدو فيهما بعض التردد في نسبته. الأرجح أنه ينحدر من بني المعتم، فرع مستقل، ينحدر مباشرة من قطيعة بن عبس، ولا يفصل نسبه ابن الكلبي. ما يرد من معلومات لا يتعدى إشارة لدوره في القادسية ولا يرد سواء في كتب التراجم أو الأخبار والأدب شيء عن ماضيه في الجاهلية ([83]).
فروة بن الحصين بن فضالة: يرد في الإصابة ([84])، مع اختلاف طفيف في الاسم إذ يقول قرة عوضا عن فروة. ترد له ترجمة في أسد الغابة ([85]) وترد نسبته لبني جذيمة لكن لا شيء عن ماضيه الجاهلي.
الحصيلة:
يغيب ما هو خصوصي.
 
في مستوي القبلية، لا نسجل في لحظة الاندماج في الإسلام، حضورا لعشائر من عبس دون أخري. ينتمي عناصر الوفد ويتوزعون، بشكل طبيعي، على مختلف العشائر: ثلاثة عناصر من عوذ بن قطيعة، عنصران من بجاد، عنصران من مخزوم، عنصر من بني المعتم (فرع قديم)، عنصر من جذيمة. تلتقي هذه الملاحظة، المتمثلة في غياب كل خصوصية قد تميز الفروع عن بعضها، مع استنتاج سابق أوصلنا إليه النظر فيما وصلنا من أخبار عبس في الجاهلية بواسطة مصادر النسب، إذ تبين أن كل الفروع كانت “غارقة” في قبلية تقليدية.
في مستوي ثقافة القبلية، وفي هذه اللحظة التاريخية الهامة المتمثلة في الاندماج في مشروع الإسلام والفتح، ما نلحظه هو غياب كل “مؤشر يدل على وجود ثقافة روحية أو سياسية خصوصية، بمعني لا يتوفر أي دليل على أثر فكري أو سياسي خلفته حركة خالد بن سنان. كانت رغبة هذه العناصر تتجه لشكل واحد من الاندماج: الخروج للغزو ([86]).
 
5-العمل والتراث الفكري.
مشكلة المكان:
 
عوامل كثيرة لا تساعد على معرفة الجغرافيا التي جرت فيها حياة خالد بن سنان. أولها متأت من طبيعة الأدب التاريخي العربي المتعلق بالجاهلية. بقدر ما يبدو هذا الأدب ثريا بتسميات العناصر البشرية من أفراد وجماعات يبدو قليل الاكتراث بالجغرافيا، وحين ترد بعض الإشارات فهي عابرة وغير دقيقة، ولا تعطينا أي ضمان لأن تكون حياة خالد جرت في ذلك المكان. يرد بواسطة الجاحظ أن خالدا من أهل شرج وناضرة، ويقول ياقوت أنهما ماءان لعبس، لكن لا يعطي تحديدا جغرافيا دقيقا للمكان سوي القول في شأن ناظرة، بإسناد لابن دريد، أنه جبل من أعلى الشقيق ([87]). لا يرد شيء عن هذين المكانين في عدد كبير من المصادر الجغرافية ([88]). فقط في الأغاني يرد خبر عن أوس بن حجر جرت وقائعه بين شرج ونضرة، لكن في هذا النص أنهما من أرض بني أسد ([89]).
 
العامل الثاني، الغير مساعد على معرفة المكان، ينبع أيضاً من طبيعة التنظيم البشري والسياسي. فقبيلة عبس، إضافة إلى أنها قبيلة متحركة، كانت – كما تبين في فقرة سابقة – قبيلة مندرجة، طوال القرن السادس، في صراعات عنيفة زادت في حراكها الجغرافي، ومعلوم من واقع القبائل أن عند النصر تتمدد القبيلة على مواطن المهزومين، وعند الهزيمة تنكفئ في مواطنها الأصلية.
 
نار الحدثان، أين؟
 
يتوفر عنصر يتمثل في نار الحدثان (أو الحرتان)، ورغم أن هذا الحدثان هي مكان بين أمكنة كثيرة جرت فيها حياته، فإنه يمثل نقطة إرشاد ثمينة، وقد يمثل محور الجغرافيا التي جرت فيها حياته. لكن يطرح التحديد الجغرافي لهذا المكان صعوبات إضافية. تختلف المصادر في تسمية المكان وحين تتفق على التسمية تختلف في شأن المكان المقصود بها.
 
“نار الحدثان” أم “نار الحرتان”؟
 
يرد في قسم من المصادر: “الحرتان”، أي مثني حرة، يقول الثعالبي ([90]): “نار الحرتين ببلاد عبس …”، ويذكر بيتا لأحد الشعراء ترد فيه التسمية بهذا الشكل([91]) ويعطينا هذا البيت ما يشبه الحجة على وثوقه مما يروي. ترد نفس التسمية كذلك بواسطة الجاحظ([92]) يقول،: “نار الحرتين” ببلاد بني عبس”.
 
يختلف الأمر في قسم آخر من المصادر إذ ترد صيغة “نار الحدثان”، ومنها مصادر لها درجة عالية من الوثوق، مثل ابن الكلبي. ترد هذه التسمية عنده في مناسبتين، مناسبة أولي وهو يتحدث عن خالد بن سنان، ومناسبة ثانية وهو يتحدث عن رجل قام معه في حادثة إطفاء النار([93]) يرد: “نار الحدثان” كذلك في إحدى الروايات الواردة في تاريخ المدينة لابن شبه([94]) ويقول: “تخرج من حرة أشجع”.
 
لا ترد للمكان تسمية معينة فيما ينقل المسعودي، ويكاد يعفينا من البحث عن موقع محدد حين يقول “نار تنتقل” ([95]). ترد في تاريخ المدينة لابن شبة أيضا رواية تسوق الواقعة وتقول: “سالت عليهم نار من حرة النار في ناحية خيبر” ([96])، وفي رواية أخرى: “كانت نار تستوقد في أرض قريب من أرض بني عبس” ([97])، لكن، يرد في المنتظم ([98]) ما يخالف كل ما سبق، يقول: “نار بالبادية بين مكة والمدينة.”.
 
ما هي الصيغة الصحيحة؟
 
بما أن الأمر يتعلق بإطفاء نار بركانية، يتبادر إلى الذهن أن تكون الصيغة الصحيحة هي “الحرتان”، مفردها حرة، والحرة لغة هي الأرض المرتفعة التي تنتشر فيها الأحجار النخرة في محيط البراكين الخامدة. يتبادر إلى الذهن كذلك أن صيغة حدثان نتجت عن مجرد خطأ في النقل (تصحيف)، سببه التقارب في شكل كتابة الكلمتين حرتان/ حدثان، ومحدودية معرفة الناقلين المتأخرين بموضع لم تكسبه صدف التاريخ أي شكل من أشكال الأهمية بعد الإسلام.
 
لكن، بشيء من التأمل، تقفز إلى الذهن صعوبة منطقية تحول دون القبول بصيغة الحرتان، (مثني حرة). فحادثة إطفاء نار الحرتين (ولا يهم كثيرا في سياقنا الحالي إن كانت واقعة أو متخيلة)، لا يمكن أن تحدث إلا في حرة واحدة، ولا يمكن أن يكون خالد أطفأ حرتين في نفس الوقت. بهذا يصبح الشرط المنطقي لصحة صيغة “الحرتان” هو أن يكون هذا الاسم يعني مكانا واحدا (كأن نقول القصران أو الجسران ويكون المقصود مكان واحد) وأن تحفظ لنا المصادر، الجغرافية منها بشكل خاص، مكانا بهذا الاسم. لكن، رغم أن ياقوت([99]) يذكر الكثير من حرار الجزيرة، ترد في معجمه متتالية في فقرة عنوانها: ذكر حرار الجزيرة، لا يرد في معجمه مكان يحمل اسم الحرتان، مما يعمق الشكوك في أن تكون الصيغة خاطئة.
 
لنعد الآن للصيغة الثانية الحدثان، رغم ما يبدو فيها ظاهريا من غرابة.
 
خلافا لما سبق في شأن صيغة الحرتان، ترد “الحدثان” عند ياقوت كاسم لمكان([100]) يخصص له مدخلا مستقلاً يقول فيه: “وقد ذكرنا في “أجأ” أن الحدثان أحد إخوة سلمي لحق بموضع الحرة فأقام به فسمي الموضع باسمه”، ويورد بيتا من الشعر يرد فيه الحدثان كاسم مكان. لا يعطي في هذا المدخل تحديدا جغرافيا دقيقا، لكن يرد التحديد في مادة “أجأ؛ يكتب ياقوت ([101]): “قال الزمخشري: أجأ وسلمي جبلان عن يسارسميراء، وقد رأيتهما، شاهقان …”، وقال أبو عبيد السكوني: أجأ أحد جبلي طيء وهو غربي فيد، وبينهما مسيرة ليلتين وفيه قري كثيرة؛ قال: ومنازل طيء في الجبلين عشر ليال من دون فيد إلى أقصى أجأ، إلى القريات من ناحية الشام، وبين المدينة والجبلين، على غير الجادة، ثلاث مراحل، وبين الجبلين وتيماء جبال ذكرت في مواضعها من هذا الكتاب، منها دير وغريان وغسل. وبين كل جبلين يوم. وبين الجبلين وفدك ليلة. وبينهما وبين خيبر خمس ليال”.
 
على ضوء هذا، تصبح صيغة الحدثان هي الصيغة الأصح، والمقصود بها هضبة من الهضاب، قريبة من حرة سلمي، وتحيل الجغرافيا على مكان يقع على الحدود بين نجد والحجاز. لذلك، يبدو لنا من قبيل الخطأ ما ذهب إليه الكثيرون من محققي النصوص، ومنهم عبد السلام هارون محقق كتاب الحيوان للجاحظ([102]) حين كتب هامشا يشرح فيه كلمة الحرتان يقول فيه: “الحرتان هما حرة ليلي، لبني مرة، وحرة النار لغطفان … أما حرة ليلي فهي من وراء وادي القرى من جهة المدينة، وحرة النار قريبة من حرة ليلي قرب المدينة. رغم صحة هذه المعلومات التي أخذها من ياقوت، فهي تتعلق بأمكنة أخرى مختلفة عن المكان الذي جرت فيه واقعة نار الحدثان. لا شك أن أصل الخطأ هو الانطلاق من تسمية الحرتان.
 
ما معني الحدثان؟
 
ليس من النادر أن يمثل البحث الفيلولوجي فرصة لتعميق معني الشواهد التاريخية، لاسيما أن المصادر اللغوية، ثرية بالمادة المساعدة على تعميق هذا البحث. يورد ياقوت، مسندا كلامه لعلماء بالأخبار، ما يشبه التأويل لأصول التسمية يقول فيه ([103]): وذكر العلماء بأخبار العرب أن أجأ سمي باسم رجل وسمي سلمي باسم امرأة. وكان من خبرهما أن رجلا من العماليق يقال له أجأ بن عبد الحي، عشق امرأة يقال لها سلمي. وكانت لها حاضنة يقال لها العوجاء. وكانا يجتمعان في منزلها حتى نذر بها إخوة سلمي وهم العميم والمضل وفدك وفائد والحدثان وزوجها … (فقتلوا أجأ وسلمي وسمي كل مكان بمن قتل فيه) وأنفوا أن يرجعوا إلى قومهم، فسار كل واحد إلى مكان فأقام به فسمي، ذلك المكان باسمه”. نحن دون شك أمام تأويل خرافي، كثير الانتشار في الأدب الجغرافي العربي القديم. لذلك، لا تبدو قيمة كبيرة لما يورده ياقوت، ويكفي التدليل على ذلك بغياب هذا الاسم، كاسم علم، من التداول في أدب الأنساب العربية على الإطلاق.
 
تتوفر إنارة هامة في كتب اللغة، وجه الأهمية فيها أنها تقودنا إلى فهم أبعاد أخرى لما يسند لخالد بن سنان. الحدثان (هكذا في المفرد) تعني لغة الدهر ([104]). بشكل معقول، يتبادر إلى الذهن أن يكون أصل هذه التسمية عند العرب القدامى، وفي أزمنة من العسير ضبطها، هو اعتبار أن تلك النار هي “نار الدهر”. من القابل للتصور – لاسيما إذا نحن أعدنا المسألة إلى حدود الوعي الإنساني في العصر القديم – أن وقع ما يشبه الربط بين نار مشتعلة على فوهة هضبة من هضاب الصحراء وبين مفهوم الدهر. يمكن كذلك أن تكون ساعدت على الانبهار بهذه النار بعض خصوصياتها المادية، ومنها اشتعالها بشكل دائم، أو انتقالها من فوهة إلى أخرى، مثلما توحي بذلك الرواية الواصلة بواسطة المسعودي حين يقول: “نار تنتقل”. يصبح من الوارد كذلك أن تكون هذه النار قد اكتسبت هالة من القداسة وتكامل الإعجاب بها مع تلك الديانة العربية القديمة القائلة بالدهر (الدهريون). هل قاوم خال بن سنان انتشار هذا المعتقد القديم؟ ذلك ما سنقف عليه بعد فحصنا للطقوس التي كان خالد يقوم بها في محيط النار.
 
من هذا المنطلق يمكننا أن نقارب الأسباب الأصلية لغموض هذه التسمية في المصادر. يمكننا أن نتصور أن التسمية الأقدم للمكان كانت حرة نار الحدثان، بمعني حرة نار الدهر المشتعلة، وأن المعني الأصلي هو “الأرض التي تنتشر عليها حجارة سوداء وتوجد في وسطها نار تشتعل”. في مرحلة ثانية، ونتيجة لطول التسمية وقع اختصارها أحيانا على “نار الحدثان” وأحيانا أخرى على حرة النار. لكن مع الزمن صارت تسمية الحدثان بعيدة عن التداول، وشاع مصطلح الحرتان أو الحرة كتعويض لها ([105]). تبقي المسألة مفتوحة على مزيد من التقصي الجغرافي.
 
واقعة إطفاء نار “الحدثان:
 
ليس من الصعب، بالمنطق العام، أن ننفي على حادثة إطفاء نار الحدثان وما يسند لخالد فيها، كل أساس تاريخي إذ يتبادر إلى الذهن أن تكون مجرد خرافة تبلورت في سياق “أسطرة” دور خالد بن سنان في أزمنة متأخرة عن الزمن الذي تحيل له القصة. يتبادر إلى الذهن كذلك احتمال أن تكون القصة شاعت بـ “مباركة” من أهل الحديث لتوفير أسباب، تشبه أسباب النزول عند المفسرين، لتوفير مادة تاريخية مسايرة ومكملة للحديث المتعلق بخالد بن سنان، ويمكن الاستدلال على هذا الأمر بالمكانة الواسعة التي يوليها المحدثون وكتاب التراجم لهذه الرواية. يتبادر إلى الذهن كذلك احتمال آخر، لا يتناقض بالضرورة مع الاحتمال السابق، كأن تكون العناصر العبسية، بعد اندراجها في الأمة وانتقالها إلى الأمصار وارتباط مصيرها بالإسلام، قد روجت للقصة في إطار ترويجها لتراثها القبلي الخصوصي، بغاية البحث لها عن مكان في فضاء ذهني هيمنت عليه، منذ دولة الإسلام، معتقدات المستقرين من أهل الحجاز. لا غرابة في الأمر، فقد شهد المجتمع الإسلامي تبار حثيث بين ثقافات الجماعات البشرية المختلفة، ورغم أن الإسلام كان في جوهره تجاوزا لها، بقيت هذه الثقافات تعبر عن ذاتها ولو بشكل دفاعي.
 
لكن، رغم كل ما سبق، نستبعد أن تكون القصة ذات طبيعة خرافية صرفة وذلك بسبب ما قادنا إليه النظر في أخبار ما قبل الإسلام وفي حالات كثيرة، من قناعة بأن الكثير مما يأخذ في المصادر شكل الخرافة، ليس في واقع الأمر خرافة بل هو انعكاس في إطار خرافي لحوادث أصلية، تأخذ شكل الخرافة لأن الذاكرة التاريخية متأخرة زمنيا ومستجيبة لوظيفة جديد للإخبار. لن يتسع المجال لتناول أشكال التداخل بين الخرافة والخبر.
 
في حال الروايات المتعلقة بحادثة نار الحدثان، يثير انتباهنا ما يرد في نسيج الرواية من إحالة على جغرافيا معينة كما رأينا، وما يرد من أسماء أشخاص حضروا واقعة نار الحدثان، ومن الصعب أن نري في هذه العناصر مجرد إفرازات للخيال. لا تقتصر الأسماء الواردة على أسماء أشراف معروفين حتى نتوقع أن تكون أسماؤهم قد أدمجت إدماجا، لإطفاء المصداقية على الرواية مثلما هو الحال في الكثير من الأخبار. تذكر الروايات المختلفة أناسا من “بسطاء القوم” فيما يبدو، منهم مثلا نيار بن ربيعة، وعروة بن سنان بن غيث وهو – كما تدل على ذلك نسبته – عم لخالد بن سنان([106]) ومنهم أبو حليل، (أو أبو خليل) بن شداد بن مالك بن زهير ([107]). دليلنا على تواضع مرتبتهم الاجتماعية هو غيابهما من دائرة الرواية في كل مناسبة أخرى، سواء في أدب الأيام أو في أدب النسب. نتيجة لذلك، يصبح في وجودهم ما قد يدلل على أن للواقعة أساسا من التاريخ الواقع.
 
يثير الانتباه كذلك أمر ثان، يتمثل في أن وصف الواقعة. أخذ في المستوي الجزئي، أشكالا مختلفة، من الصعب أن تكون هذه الأشكال بنا خرافيا صرفا ومن الأيسر النظر إليها على أنها تحيل على تاريخ حادث. لنرصد في مرحلة أولي هذه الأشكال ولنحاول، في مرحلة ثانية، النظر في مضمونها بشكل دقيق.
 
يرد في تاريخ المدينة([108]) أن إطفاء نار الحدثان كانت عملا إراديا من خالد بن سنان، ليعبر لقومه عن إعجازه ويدفعهم للإيمان بنبوته. يقول بإسناد للشعبي: “.. خالد بن سنان دعا قومه إلى الإسلام، وأن يقروا له بالنبوة فأبوا، وكانت نار تستوقد في أرض قريب من أرض عبس. فقال لهم: إن أطفأت لكم هذه النار أتشهدون أنني نبي؟ فقالوا: نعم”.
يرد في ابن شبة([109]) أن أحد زعماء عبس طلب من خالد بن سنان أن يطفئ نار الحدثان إن كان حقاً نبيا. يقول، بإسناد لراو من عبس: “بعث الله خالد بن سنان نبيا إلى بني عبس، فدعاهم فكذبوه، فقال له قيس بن زهير: إن دعوت فأسلت هذه الحرة علينا نارا – فإنك إنما تخوفنا بالنار – اتبعناك”.
يرد في ابن حجر([110]) بإسناد لأبي عبيدة، أن خالدا أطفأ نار الحدثان، دفعا للضرر عن قومه، بني عبس. يقولك “لم يكن في بني إسماعيل نبي غيره، وهو الذي أطفأ نار الحرة، وكانت حرة ببلاد بني عبس يستضاء بنارها من مسيرة ثلاثة أيام، وربما سطعت منها عنق فاشتعلت في البلاد، فلا تمر على شيء إلا أهلكته”.
يرد في تاريخ المدينة ([111])، بإسناد لأبي بن عمارة العبسي، أن خالدا أرسله الله لإطفاء نار الحدثان. يقول: “كانت بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحرتان تغشي الإبل بضوئها من مسيرة ثمانية ليال، وربما خرج منها العنق فذهب في الأرض فلا يبقي شيئا إلا أكله … وأن الله أرسل إليها خالد بن سنان، فقال لقومه يا قوم إن الله أمرني أن أطفئ هذه النار التي قد أضرت بكم، فليقم معي من كل بطن رجل، فكان ابن عمارة قام معه من جذيمة … فخرج بنا …”.
يرد في تاريخ المدينة ([112])، بإسناد للحكم بن موسي، عن ابن أبي الرجال، عن عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن أبيه، أن نار الحرة سالت، وهددتهم في حياتهم وأرزاقهم فتطوع خالد لإطفائها. يقول: “… سالت عليهم نار من حرة النار في ناحية خيبر والناس في وسطها … فقال لهم العبسي: ابعثوا معي إنسان حتى أطفئها من أصلها …”. يرد نفس هذا المضمون، في الإصابة ابن حجر ([113]) بإسناد لعكرمة عن ابن عباس.
يرد في مروج الذهب ([114])، دون إسناد: “… وذلك أن نارا ظهرت في العرب فافتتنوا بها، وكانت تنتقل، فكادت العرب أن تتمجس وتغلب عليها المجوسية، فأخذ خالد بهراوة ودخلها وهو يقول …”.
يرد في المنتظم ([115])، بإسناد لابن عباس: “ظهرت نار بالبادية بين مكة والمدينة، وكانت طوائف من العرب يعبدونها، فقام رجل من عبس يقال له خالد بن سنان العبسي، فأطفأها”.
 
على الرغم من إجماع كل الروافد على أن واقعة نار الحدثان هي معجزة أو خارقة خالد بن سنان (وهي وظيفة الرواية المركزية)، فإن هذه الروايات تتوزع بعد ذلك على مضمونين مختلفين:
 
يرد مضمون أول في الروايات أ – ب – ت، يذكر الحادثة، دون تعليل، فقط للتدليل على إعجاز خالد بن سنان وعلى نبوته، بمعني لا تثير فائدة ملموسة من إطفاء نار الحدثان. لن نتوقف كثيرا عند هذا الشكل الأول لأنه لا يتجاوز ولا يترجم سوي الوظيفة الطبيعية للرواية في حيز العلم الإسلامي.
 
يرد مضمون ثاني، يضيف للبلاغ السابق المتمثل في التدليل على نبوة خالد، تعليلا مادياً “معقلنا” للواقعة، بمعني يحيل على واقع مادي ملموس، يقربنا من الظروف التاريخية الدقيقة للواقعة. يمكننا حتى التمييز بين تعليلين مختلفين.
 
يرد تعليل أول في الرواية ث – ج، ملخصه أن خالد بن سنان أطفأ نار الحدثان بسبب ما ألحقته من أضرار بالعبسيين.
يرد تعليل ثان في الرواية ح – د، ملخصه أن خالدا أطفأ النار لأن الناس افتتنت بها وكادت تغلبها المجوسية.
يبدو التعليل الأول متعارضا مع مضمون المصادر إذا تشهد المصادر بأن الناس المنبعثة كانت مفيدة للنشاط الرعوي كما للسقر والنجعة. يرد في الثعالبي ([116]) بشأن هذه النار: “كانت ببلاد عبس إذا كان الليل فهي نار تسطع في السماء وكانت طئ تنفش بها إبلهم من مسيرة ثلاثة ليال”. نفشت الإبل يعني “تفرقت فرعت ليلا من غير علم راعيها” ([117]). يرد كذلك، ولو بشكل عرضي، في إحدى الروايات التي يسوقها ابن حجر ([118])، بإسناد لأبي عبيدة، أن: “حرة عبس كان يستضاء بنارها من مسيرة ثلاثة أيام”.
 
تتجلي أيضا ً هشاشة هذا التعليل بالضرر من وجهة نظر منطقية عامة أيضا: لا يمكن تصور حدوث هذا الضرر إلا ضمن جملة من الشروط الجغرافية والبشرية، منها وجود استقرار بشري دائم في محيط هذه الحرة، في شكل قري ومزارع، ووجود جغرافيا ضيفة، كجغرافيا اليونان القديم على سبيل المثال. شروط غائبة من الجغرافيا الطبيعية لشمال الجزيرة العربية كما من واقع العبسيين في القرن السادس، حيث كانوا – كما رأينا – متحركين في مجال جغرافي واسع.
 
الخلاصة أن الربط بين واقعة إطفاء نار الحدثان وبين ضرر ألحقته النار بالعبسيين، يبدو في شكل عنصر مدمج في الرواية، قد تكون ساعدت على انتشاره فكرة “النبي الصالح لقومه”، الرافع للضرر عنهم، وهي فكرة شائعة في التراث الشرقي القديم.
 
أما التعليل الثاني، خلافا للأول، فيبدو متناغما مع مضامين الكثير من المصادر وقد يمثل منطلقا جديا لفهم للمغزى التاريخي لمسألة إطفاء نار الحدثان، وفي النهاية “لنبوة” خالد بن سنان. كانت عابدة النار، أو الأدق تعظيمها، وكذلك عبادة الجبال شائعتين في القبائل العربية في الجاهلية القريبة، لاسيما في شمال الجزيرة ووسطها، ولم تكونا تقتصران فقط على الدائرة الإيرانية المجوسية. تشير مصادر كثيرة، وفي الفترة القريبة من الإسلام، إلى نار المجوس([119]) وإلي تفشي عبادتها في بعض القبائل العربية. يقول الجاحظ([120]) في فصل يعنونه “عبادة النار وتعظيمها”: “ما زال الناس كافة والأمم قاطبة – حتى جاء الله بالحق – مولعين بتعظيم النار، حتى ضل كثير من الناس لإفراطهم فيها أنهم يعبدونها”، ويرد بواسطة الجاحظ([121]) نفسه ما يدل على اجتهاد المسلمين في مقاومة نار المجوس. يذكر ابن قتيبة ([122]) أن زرارة بن عدس التميمي، وابنه حاجب بن زرارة كانا مجوسيين (حاجب بن زرارة كان تزوج ابنته). يرد كذلك أن الأقرع بن حابس، وهو من المؤلفة قلوبهم، كان مجوسيا، وأن أبا سود، جد وكيع بن حسان، كان مجوسيا أيضاً. أما عن عبادة الجبال فيرد في الأغاني([123]) أن طيئا كانت تعبد جبلا أسود، نهاهم الرسول عن عبادته، وليس من العسير العثور على شواهد أخرى في المصادر. لذلك، يصبح بعيدا كثيرا عن التصور أن يكون هذا التعليل قد تم افتعاله في أزمنة متأخرة على زمن الوقائع.
 
إلى كل هذه يمكن إضافة بعض الإيحاءات الخفيفة الآتية، بشكل لا إرادي، من داخل الروايات المتعلقة بمسألة إطفاء نار الحدثان، والدالة على أن للأمر علاقة بمقاومة انتشار عبادة النار: تمثلت كرامة خالد (أو أعجازه) في إطفائها، (وليس في إشعالها)؛ مات لأن أتباعه لم يطبقوا وصيته لهم بعدم دعوته باسمه، مما يعني بشكل ما أن نبوته فيها مقاومة للنار وأن ما له من كرامة كان كافيا للتفوق على لهيبها.
 
على ضوء ما سبق، نحتفظ بأن العقيدة التي كان يروج لها خالد بن سنان تمثلت في مقاومة انتشار المجوسية وتعظيم النار. مع هذا، لسنا مجبرين على الاعتقاد في انتشار واسع لهذه العقيدة، بل الأقرب أن كل انتشارها محدودا في بعض الأوساط القبلية وربما حديث عهد. توفر الرواية بعض الإيحاءات بأن عبادة النار والجبال، لم تنتقل إلى الجزيرة في شكلها الأصلي، بل تفاعلت مع الواقع المعاشي لقبائل شمال الجزيرة. أقرب إلى التصور أن الحرات تحولت لأداة لرسم المجالات الرعوية، أو تملك الفضاء الرعوي، وتفاعلت الفكرة مع صراع قديم بين الرعاة، رعاة الخرفان والشاة من طرف ورعاة الإبل من طرف آخر. نستشف أيضاً هذا المعني الأخير من بعض الكلمات المبهمة التي تنسب لخالد بن سنان وهو يخرج من النار سالما، مكذبا لمزاعم ابن راعية المعزي، الذي ظنه احترق ([124]). لا غرابة في أن يخترق الواقع ألمعاشي مستوي المعتقدات أو أن تلعب المعتقدات دور الحاوية للصراعات (أو في حالات أخرى للتوازنات) التي تولدها الحياة المادية. يبقي هذا في مستوي التخمين لكنه تخمين لا يتناقض مع واقع عبس في القرن السادس وما تخلله من صراع من أجل الحياة مع قبائل ذبيان وفزارة كما مع أسد وتميم.
 
أي شكل تاريخي للوقعة؟
 
ما من شك في أن الواقعة، بالشكل الذي تصفه بها الرواية لم تحدث ولم يدخل خالد النار. نميل إلى الاعتقاد – ولو بشكل افتراضي – أن بعد انتشار تعظيم النار في الوسط العبسي انتشرت ممارسة جملة من الطقوس وأصبحت تمارس في محيط نار الحدثان. قد يكون في دعوة خالد بن سنان مقاومة لهذه الطقوس بطقوس أخرى مضادة، تنزع القداسة على النار، ومن هذه الطقوس ما بقي في نسيج الرواية: كان خالد يحمل عصا، يختط بها حوطة في الأرض لأصحابه، ويقرأ بعض الأدعية ليغنيهم عن بركة النار، ويدعهم ألا يمسهم سوء ما داموا وسط الحوطة المباركة، ثم يقترب من النار، آخذا بعصاه، مرددا قوله وحكمته ([125]).
 
قد يبدو حمل العصا أو اختطاط حوطة في الأرض، مجرد “عادات” شرقية تعود لأقدم العصور ولا ترتبط بعصر مخصوص. لكن يرد في المصادر ما يتيح تجاوز هذه الرؤية الاتنوغرافية، ويدفع للاعتقاد أن هذه “الوسائل” قد اكتسبت، في المرحلة القريبة من العصر الإسلامي، معان جديدة. ففي الفترة التي عاش فيها خالد بالضبط، نجد العصا في يد الكثيرين من حكماء الجاهلية، منهم قس بن ساعدة الإيادي أول ما اتكأ على عصا ليخطب([126]) مما يعني أن العصا لم تبق في وظائفها التقليدية كمجرد أنيس للرعاة والمسافرين بل تحولت لرمز للحكمة والقيادة. كذلك اختطاط الحوطة إذ يبدو أنه عرف تنشيطا أو توظيفا جديدا كما يدل على ذلك انتشار الحرم في كافة أرجاء الجزيرة في زمن قريب من الإسلام. تبقي هذه الأبعاد مفتوحة على مزيد من التقصي.
 
قد يكون من المفيد الآن، وبعد أن ارتسم الشكل التاريخي للواقعة، التمعن في بعض آليات الخيال الروائي. لقد استعمل الرواة مادة تاريخية حادثة تتمثل في الطقوس التي مارسها خالد في محيط نار الحدثان، لكن لم يقتصروا عليها. ضمانا لمسألة الإعجاز جعلوا خالدا يدخل النار وينتصر عليها، لكن في نفس الوقت جعلوا قومه في دور من أجهض على نصره حين لم ينفذوا وصيته بألا ينادوه باسمه. كان من الممكن أن تنتهي القصة في هذا المستوي أي بمقتله، لكن خيال الرواة جعل خالدا يخرج من النار ميتا وحيا في نفس الوقت، وتبقي الفرصة قائمة لطرح مسألة الكينونة بعد الموت. من الطريف أن تبقي مسألة الكينونة بعد الموت مسألة بدون حل، ليس لعجز عند خالد ولكن، من جديد بسبب أن قومه رفضوا نبش قبره. خلاصة الأمر أن نبوة خالد، وإن كانت نبوة، فهي نبوة لم تتحقق وبهذا الشكل ترتسم في الأدب التاريخي، وبالشكل المطلوب، صورة نبي ضيعه قومه، وتبقي بكارة التغيير للإسلام.
 
قوله أو أدبه:
 
لم يصلنا من أقوال خالد سوي جملة واحدة تنسب إليه وهو يخرج من النار سالما. ترد هذه الجملة بأشكال مختلفة، نرصدها عيسى أن تكون موضوعاً لدراسة لغوية مستقلة قد تساعد على دراسة تطور اللغة العربية بين الجاهلية والإسلام.
 
يرد، بإسناد لعكرمة عن ابن عباس ([127]):
“بدا بدا، كل هدي مؤدي، زعم ابن راية المعزي أني لا أخرج منها وثيابي تندي.”
 
يرد، بإسناد لابن أبي الزناد عن أبيه ([128]): “هديا هديا، كل يهب مؤدي، زعم ابن راعية الغنم أني سأخرج وثيابي لا تندي”.
يرد بإسناد للشعبي ([129]): “اسم رب الأعلى، كل هدي مودي، زعم ابن راعية المعزي، أن لا أخرج منها وثيابي تندي”.
يرد بإسناد لخليد بن القعقاع العبسي، عن أبيه عن جده ([130]): “هدا هدا كل خرج مؤدي، زعم ابن راعية المعزي أن لا أخرج منها وجبيني يندي”.
يرد بإسناد لزريق بن حسين عن أصحابه وأبيه ([131]): “كذبت ابن راعية المعزي، لأخرجن منها وثيابي تندي”.
يرد بإسناد لهشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي بن عمارة العبسي ([132]): “بدا بدا، كل هدي لله مؤدي”.
يرد بإسناد لهشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي بن عمارة العبسي ([133]): “بدا بد كل هدي لله مؤدي أنا عبد الله أنا خالد بن سنان”.
يرد، دون إسناد ([134]): “كذب ابن راعية المعزي لأخرجن منها وجلدي يندي”.
يرد في الإصابة ([135]): “عودي بدا، كل شيء يؤدي، لأخرجن منها وجسدي يندي”.
يرد في الإصابة ([136]): “بدا بدا بدا، كل هدي يؤدي، زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها وثيابي تندي”.
يرد في البداية والنهاية ([137]): بدا بدا بدا كل هدي زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها وثيابي بدي”.
يرد في الكامل ([138]): “يدا يدا كل هادي مورا إلى الله الأعلى، لأدخلنها … وثابي تند”.
يرد في ابن النديم ([139]): “بدا بدا، كل حق لله مؤدا، أنا عبد الله الأعلى، زعم ابن راعية المعزي أنى لا أخرج منها أبدا”.
يرد في مجمع الزوائد ([140]): “بدا بدا كل بها مردا”.
يرد في الحيوان ([141]): “كذب ابن راعية المعزي، لأخرجن منها وجبيني يندي”.
يرد في مروج الذهب ([142]): “بدا بدا كل هدي مؤد إلى الله الأعلى لأدخلنها وهي تتلضى ولأخرجن منها وثابي تندي”.
لا تمثل هذه الجملة إنارة محدودة لفكرة ولدعوته، وتقتصر – كما هو واضح من خلال ذكره لله الأعلى والقول أنه عبد الله – على انتمائه لدائرة التوحيد، وربما يكون هذا هو الجانب الأهم الذي جعلته يدخل، بصورة إيجابية دائرة الوعي الإسلامي. مع هذا يبقي من العسير الإحاطة بأصول هذا التوحيد أو إن كانت يهودية أم مسيحية. قد يتعلق الأمر في الواقع بشكل من التوحيد الشعبي المبسط والمختلط مع معتقدات شعبية قديمة، كما تدل على ذلك الطقوس التي كان يمارسها في محيط نار الحدثان.
 
إذا ما تجاوزنا دائرة المعتقد، يوحي مجمل القول بانتمائه الأكيد لدائرة الثقافة العربية.
 
يتجلى هذا في القيمة الجمالية المسندة للكلمة وفي هذا الترافق بين جمال الكلمة وبين المقدس واستعمال جمال الكلمة وسيلة للدعوة وللتغيير. لئن كان جمال القول تقليد عربي قديم فإن في توظيف الحس الجمالي في سياق دعوة لها بعد ديني ما قد يدل على تحول حدث في القرن السابق لظهور الإسلام، تحول بلغ أكمل تعبيراته في القرآن.
 
الصخرة المباركة:
 
ينسب لخالد أنه أعطي لقومه صخرة مباركة، وترد مضامين مختلفة متصلة بمسألة الصخرة:
 
يرد تاريخ المدينة ([143]) أن لهذه الصخرة وظيفة النصرة في الحرب. ملخص الرواية أن عشائر عبس كانت تتداول على حملها إلى أن جاء الدور في حملها لبني بجاد، حينها نهاهم زعيمهم قيس بن زهير عن حملها وأمرهم بإلقائها مخافة أن ينحصر صيتهم وشرفهم في صخرة موروثة عن خالد بن سنان. استجاب بنو بجاد لرأي قيس بن زهير ودفنوا الصخرة، لكن بعد ذلك، وفي أول حرب، انتصرت عليهم بنو فزارة.
يرد في تاريخ المدينة ([144]) قيمة ثانية لهذه الصخرة تتمثل في أنها وسيلة للاهتداء في المراعي، يدفنوها ثم يعودون على هديها. في هذه الرواية مضمون غير واضح المعني يقول أن الصخرة اختفت أو ضاعت منهم، أو أن رجلا منهم كشفها لهم. بقي لموضوع الصخرة المباركة هذه أصداء وصلت حتى العصر الإسلامي. حين التقي العبسيون بالرسول محمد أعلموه بقصتها وبما فعله نيار من العثور عليها حين ضاعت. فقال: “أما خالد فنبي ضيعه قومه، وأما نيار فكاذب لعنه الله”. تتواصل أصداؤها حتى زمن آخر إذا تقول الرواية أن الرسول أرسل الحارث بن بجاد العبسي لدعوة العبسيين إلى الإسلام، ولما أبوا قال في ذلك أبياتا في هجائهم بدفنهم الصخرة.
يرد مضمون ثالث، في تاريخ المدينة([145]) يقول أن خالدا أمر العبسيين بأن يحفروا في مكان فحفروا واستخرجوا منه حجرا كتب عليه بخط رقيق “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)”، فأمرهم بحفظه واستعماله في الاستقصاء، ونهاهم عن كشفه وإلا ذهبت بركته.
يتبادر إلى الذهن – مثلما كان الأمر في شأن إطفاء نار الحدثان – أن الكل لا يمثل أكثر من إفراز خرافي باعتبار أنه طوال الأزمنة القديمة أسندت للصخور درجات متفاوتة من القداسة، واخترق الاعتقاد فيها كل المعتقدات وتسلل من الوثنية للإسلام. لكن يبدو لنا أن في مسألة الصخرة المباركة، ورغم انعكاسها بشكل مشوش في الذاكرة، ذاكرة الرواة، ما يمثل إطلالة تاريخية على واقع الثقافة المتداولة في عبس في القرن السادس.
 
ليس من العسير الانتباه للصلة العضوية لهذه الثقافة بالاقتصاد الرعوي إذ للصخرة – كما هو واضح – وظيفة الاستدلال بها في المراعي، خشية التيه في الفضاء أو دخول مجالات لقبائل أخرى. يرد في رواية ابن شبة أن هذه الصخرة اسمها “رماس”، والرمس يقول ابن منظور([146]) هو الصوت الخفي، ورمس الشيء يرمسه رمسا، طمس أثره، دفنه وسوي عليه الأرض. ورمس الخبر: كتمه. تبدو هذه المعتقدات لا فقط متناغمة مع الثقافة الرعوية ولكن، وعلى وجه التحديد، مع واقع عبس في القرن السادس حيث عرفت تخلخلا في تركزها الجغرافي، وتنازعا كبيرا للفضاء مع قبائل أخرى. أما الوظائف الأخرى المسندة للصخرة كوسيلة للنصرة في الحرب كما للاستسقاء فلا تبدو بدورها غريبة عن الثقافة القبلية بل بالعكس، تبدو مترجمة للواقع الحياتي لعبس في القرن السدس. حتى زمن قريب من الإسلام كان من عادات العرب حمل أصنامهم أثناء الحرب والغارة.
 
بهذا، يصبح من الوارد، أن يكون خالد نشط بدعوته معتقدات قديمة شائعة في الأوساط القبلية، فيها خليط من النبوة والشعوذة، ونفهم لماذا قامت آليات الرواية بما يشبه التعويض حين جعلت على الحجر كتابة “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)” دافع الرواة أو القصاص هو طمس الممارسة الوثنية لخالد بن سنان وتقديمه في صورة النبي الصادق، الغير متناقض مع الإسلام، وفي النهاية إعطاء السند التاريخي للحديث النبوي القائل أنه “نبي ضيعه قومه”. لنفس هذا السبب كانت صورة نيار، الذي عثر على الصخرة، صورة سلبية، مثلما سيتبين ذلك. العامل الموجه للرواية هو مناخ الثقافة الإسلامية النافي لوراثة الإعجاز والنبوة.
 
من في محيط خالد؟ هل كان له أتباع؟
 
تشير الروايات المختلفة إلى عدد من الأشخاص كانوا في الدائرة القريبة من خالد بن سنان، منهم من قام معه في واقعة نار الحدثان.
 
عمارة بن مالك بن جزء (يرد أحيانا حزن) بن شيطان بن حذيم، من جذيمة ([147]).
أبو حليل، (أو أبو خليل) سليط بن مالك بن زهير ([148]).
عروة بن سنان بن غيث، وأمه رقاش بنت صباح من بني ضبة ([149]).
نيار بن ربيعة بن مخزوم ([150]).
عمارة بن زياد ([151]).
قيس بن زهير بن جذيمة ([152]).
يتوفر في سير البعض من هؤلاء بعض العناصر الضامنة للوصف المعطي للواقعة. يرد الخبر عن دور عمارة بن مالك ([153]) بإسناد لابنه المباشر، أبي ابن عمارة وهو شخصية معروفة في دائرة الرواية، يقول ابن الكلبي: “أنه أدرك النبي صلي الله عليه وسلم، وعاش حتى أدرك محمد بن السائب (والد هشام). إليه يسند ابن حجر في الإصابة الرواية المتعلقة بقدوم المحياة بنت خالد للرسول ([154])، ويرد كراو لأخبار ابن شبة ([155]). تمثل كل هذه العناصر ضمانا لحضور والده عمارة([156]) حادثة إطفاء نار الحدثان ولتاريخية الواقعة بشكل عام.
 
فيما تمثل دور هؤلاء المحيطين به؟
 
لا تثير الرواية أي دور دقيق لهؤلاء إلى حد يدفع للشك إن كانوا فعلا من أتباعه. كل ما في الأمر أن خالد بن سنان قال لقومه أن الله أمره بأن يطفئ النار، وطلب أن يقوم معه رجل من كل بطن من بطون عبس، فقام معه عشرة أفراد من عبس، وتأخذ الواقعة شكل الاستنفار المؤقت الفاقد لسوابقه ولواحقه.
 
يثير الانتباه ما يترآى من طيات الرواية من ضعف إيمان هذه العناصر القريبة منه بما كان يقوله خالد ويدعو إليه. يرد في الإصابة ([157])، في ترجمة خالد بن سنان، وفي تاريخ المدينة([158]) أنه أثناء عزم خالد على إطفاء نار الحدثان قال له عمارة بن زياد: “والله ما قلت لنا يا خالد إلا حقاً، فما شأنك وشأن نار الحدثان، تزعم أنك تطفئها؟”. يرد في تاريخ المدينة([159]) أن قيس بن زهير بن جذيمة، وهو أيضا من أبرز أشراف عبس([160]) حين هم بنو عبس بنبش قبر خالد عملا بوصيته كان قيس بن زهير بن جذيمة ممن اعترض على نبش قبره. يرد كذلك في مسألة موضوع الصخرة المباركة لما دال حمل الصخرة على بني بجاد، أن قيس بن زهير، كان ممن عارض ذلك قائلا: “أما تعرفنا العرب إلا بصخرة ورثناها خالد بن سنان؟ ألقوها فلا تحملوها”، ونفذوا أمره ودفنوا الصخرة. يرد كذلك زن عروة بن سنان بن غيث، ورغم أنه فيما يبدو من أقارب خالد بن سنان، لم يكن شديد الحماس لما يقوله خالد وكان ينذر أتباعه بفشله في إثبات إعجازه ([161])، وهو المقصود في الكلام المنسوب لخالد بـ “ابن راعية المعزي” ([162])، لأن أمه من بني رقاش بن الصباح من بني ضبة.
 
قط نيار بن ربيعة بن مخزوم يبدو في الرواية ([163]) كأنه وارث لعلم خالد بن سنان. حين ضاعت الصخرة لبني عبس تطوع لمعرفة مكانها، وترد في فمه جملة مبهمة لكن قد يكون فيها إطلالة على العلم الذي تركه خالد: “هي رماس وأن لا يزاغ إلا بأطراف القياس”. لكن، يبقي من الصعب أن نعلم على وجه الدقة إن كان نيار ظفر بالصخرة أم لم يظفر أو إن كان مؤمنا بدعوة خالد. يبقي من الوارد أن الرواية مستجيبة لوظيفة تأييد الحديث النبوي. يرد أن الرسول محمد أخبر بمسألة الصخرة فقال: أما خالد بن سنان فنبي ضيعه قومه، وأما نيار فكاذب لعنه الله”. تبقي صورة نيار صورة سلبية إلى حد أنه كان موضوع هجاء لأحد شعراء عبس في الإسلام ([164]).
 
 
 
الخلاصة
تناولنا في متن هذا المقال الكثير من المسائل الفرعية، سواء منها المتصلة بمنطق الرواية أم بمضامينها التي يمكن اعتمادها. لذلك نعود في الخلاصة، للمستوي التاريخي العام لوضع هذه الشخصية في سياقها والكشف عن دلالاتها.
 
1-يبدو أن الأهمية والشهرة التي اكتسبها خالد بن سنان في دائرة الأدب التاريخي العربي بمختلف اتجاهاتها، ودمجه وسط دائرة النبوات التوحيدية، كانتا بأثر الحديث النبوي في شأنه (نبي ضيعه قومه). كان لا بد أن تفرز الرواية التاريخية العربية الإسلامية تاريخا مرافقا، وأن توفر شيئاً يشبه أسباب النزول في علم التفسير. أما في مستوي الحقيقة التاريخية فيبدو أن خالد بن سنان لم يكن أكثر من قديس عربي تقليدي، معترف له في محيطه القريب ببعض البركات. تعطينا الطقوس التي كان يمارسها الحجة الكافية على ارتباط فكره بأقدم طبقات المعرفة التقليدية العربية وتمثل، بالمناسبة، وإطلالة جدية على أشكال الثقافة السائدة: قدسية الحجر، إيمان بحيوية الأشياء، إيمان بالهواتف والأرواح الخفية، سحرية الخط والكتابة إلخ…
 
مع هذا، لا يبدو أن خالد بن سنان كان مجرد زاهد عربي تقليدي، إذ يبدو لديه شكل من التجديد، من ذلك مزجه بين رمزية العلم القديم وبين أشكال من التوحيد كانت رائجة في زمانه. ذلك ما تدل عليه بعض الإيحاءات من كلامه. لا تتيح المصادر أي ربط ممكن لفكره بدائرة العلم المسيحي أو اليهودي أو بشكل آخر من التوحيد العالم. ما يعكسه وعي خالد بن سنان هو ذلك الاعتقاد الضبابي المنتشر في كل الأوساط العربية، القائل بوجود الاه واحد قادر. لذلك، يصبح من المعقول النظر إليه كحلقة وصل بين أشكال المعرفة العربية القديمة وبين شكل من التوحيد المبسط إلى أدناه. يمكننا اعتبار القرن السادس، كما تظهر ذلك دراسة حالات أخرى من الفكر الجاهلي، هو الزمن الذي حدث فيه هذا التلاقح. لعل هذا هو الأصل والجذر في الصورة الإيجابية الباقية لخالد في دائرة العلم الإسلامي.
 
2-رغم محدودية وزنه الفردي ومحدودية أثره يبقي عمله معبرا عن روح المرحلة، إذ من المعلوم أن التعبير التاريخي لا يرتبط بالنجاح أو الفشل، ومن المفيد رصد التعبيرات الدقيقة التي يمكن استقاؤها من فكره وعمله. أولها هو مقاومته للمعتقدات الدخيلة على “الوسط العربي. تعكس حركته وفكره ما يشبه المقاومة لانتشار المجوسية بواسطة استنفار وتوظيف المعتقدات المرتبطة بالاقتصاد الرعوي. تعكس أيضا سعيه الفردي لإرساء شكل من الزعامة الجديدة، ويتخذ هذا المنحى لديه كل مغزاه إذا وضعنا الشخصية في سياق تاريخ قبيلة عبس. حتى أواسط القرن السادس كانت قبيلة عبس مطيعة لإرادة أشرافها، لكن لم تدرك هذه القبيلة أواسط نصفه حتى دخلت في أزمة حادة، كان من نتائجها تفكك سلطة أشرافها بمقتلها أو تحلوهم إلى أجوار وحلفاء في قبائل أخرى (وهو ما يثبته مصير بني زياد). لذلك يبدو أن خالد بن سنان وأمام تأزم الزعامة في شكلها التقليدي حاول زعامة من شكل آخر، زعامة لا تستمد شرعيتها من الحرب والغارة بقدر ما تستمدها من المعتقد والسياسة. في الأحداث المحيطة بواقعة إطفاء نار الحدثان دعا خالد أن يلتحق به رجل من كل عشيرة، قبل الحدثان كان خالد قد وهب لقومه صخرة مباركة تساعدهم على الاستسقاء كما على الاسترشاد في المراعي. حين وفاته ترك لهم جملة من الوصايا. كأننا بخالد بن سنان يستنفر آخر أدوات الثقافة القبلية لتحقيق شكل من الوحدة لقومه، وضمان استمرار حرمتهم الجغرافية والحياتية.
 
3-ما هو مدي نجاحه؟ يثبت التحقيق بالتاريخ الاجتماعي وفحص الدوائر المحيطة به والمتمثلة في العائلة والعشيرة والقبيلة أنه لم ينجح في استجلاب أي من هذه الدوائر لصفه. رغم قيام رجل من كل عشيرة لم ينجح في بلورة حركة ذات أرضية اجتماعية واسعة وغاب الأتباع، بالمعني الذي تفرزه النبوة الشرقية وبقيت الحركة في شكل تعبير أقرب لشكل الأحداث المعزولة منها للتعبير عن برنامج للتحول الحقيقي وبقي خالد بن سنان في حدود قديس أو داعية هامشي على البنية القبلية.
 
4-عاد خالد لذكرة العبسيين زمن الإسلام، وهي عودة مفهومة. لا شك أن ما كان يدعو له الرسول محمد كان فيه – في نظر العبسيين – ما يذكر بما كان يدعو له خالد بن سنان. هذا ما يعنيه الحديث بين المحياة بنت خالد والرسول وقولها حين استماعها للرسول يقرأ سورة الإخلاص، أن أباها كان يقول ذلك. هذا ما تعنيه أيضاً عودته للذاكرة حين قدم وفد عبس زمن الوفود تحول خالد بن سنان إلى ثقافة تقرب بين الإسلام والعناصر العبسية، وأصبح بمثابة سابقة لهم في النبوءات. لم يكن الإسلام ليخسر الكثير من الاعتراف بنبوة خالد بن سنان. مات الرجل منذ وقت بعيد، وتفكك ما كان يدعو إليه، وتفككت عبس. أكثر من هذا، كان في الاعتراف به إيحاء بالمساواة بين القبائل ودعوة مضمنة للإيمان بالرسل.
 
كان هذا الموقف موقفا عمليا زمن الإسلام الأول، إسلام النبوة، لكن لم تصمد هذه العناصر أمام الجدل المتأخر، زمن النبوة أصبحت حجة على حصر شرعية الحكم في الدائرة المنتمية لقريش. حينها، أنكرت نبوة خالد بن سنان بحجة أن الله لا يختار أنبياءه من أهل الوبر.
 
الهوامش 
[1] انظر فهارس هذه المصنفات.
 
[2] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، 1979، 1/ 376.
 
[3] ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق على شيري، بيروت: دار إحياء التراث، 1988، 1، 20.
 
[4] ابن الكلبي: جمهرة النسب، تحقيق ناجي حسن، بيروت: عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية. 1986، ص 448 – 449.
 
[5] بن شبة: تاريخ المدينة المنورة، تحقيق فهيم محمد شلتوت، بيروت: دار التراث، 1990، 2/ 420 – 433.
 
[6] المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق شارل بلا، بيروت: الجامعة اللبنانية، 1965، فقرات، 132، 131، 1348، 1347، 1346، 1350، 1349.
 
[7] الجاحظ: كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، بيروت: دار إحياء التراث، 1969، 4/ 476 – 478.
 
[8] ابن قتيبة: المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، القاهرة: دار المعارف، 1982، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، القاهرة: دار المعارف، 1982، ص 62.
 
[9] ابن دريد: كتاب الاشتقاق، ص 278
 
[10] الثعالبي: ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، 1985، ص 573 – 574.
 
[11] ابن سعيد الأندلسي: نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، تحقيق نصرت عبد الرحمان، عمان: مكتبة الأقصى، ص 544.
 
[12] ابن العديم: بغية الطلب في تاريخ حلب، فرانكفورت: معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية، 7/ 28.
 
[13] ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تحقيق سهيل زكار، بيروت: دار الفكر، 1996، 1/ 404.
 
[14] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق على محمد البجاوي بيروت: دار الجيل، 1992، 2/ 369، ترجمة رقم 2357.
 
[15] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق محمد إبراهيم البنا وآخرون، القاهرة: كتاب الشعب، 1970، 2/ 99.
 
[16] ابن حجر: الإصابة …، 2/ 369.
 
[17] انظر ملحق هذا المقال.
 
[18] المسعودي: مروج الذهب …، ج 1 ص 72.
 
[19] ابن حجر: نفس المصدر، 2/ 369، ترجمة رقم 2357؛ ابن قتيبة: المعارف، ص 62؛ الثعالبي: ثمار القلوب ….، ص 574.
 
[20] انظر مثلاً الجاحظ: الحيوان، 4/ 476 – 478.
 
[21] الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، تحقيق محمد بهجة الأثري، بيروت: دار الكتب العلمية، (د. ت) 1/ 175.
 
[22] الألوسي: نفس المصدر.
 
[23] الجاحظ: نفس المصدر، 4/ 476 – 478.
 
[24] ابن سعيد الأندلسي: نشوة الطرب … ص 544.
 
[25] ابن العديم: بغية الطب …، 7/ 28
 
[26] عن منبج، انظر ياقوت: معجم البلدان، بيروت: دار إحياء التراث العربي (د. ت)، 5/ 205.
 
[27] ابن حجر: نفس المصدر، 2/ 373.
 
[28] Pellat (Ch.), Khalid Ibn Sinan, EI/ 2 Vol. 4 p. 928.
 
[29] محمد سعيد: النسب والقرابة في المجتمع العربي قبل الإسلام: دراسة في الجذور التاريخية للإيلاف، بيروت: دار الساقي، 2006. المقدمة.
 
[30] المسعود: نفس المصدر، فقرة 1348، 1347؛ ابن سعيد الأندلسي: نفس المصدر، 544؛ ابن حجر: نفس المصدر، 2/ 369.
 
[31] القزويني: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، تحقيق فاروق سعد، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 546 – 547؛ الدميري: حياة الحيوان الكبرى، بيروت: المكتبة الإسلامية (د. ت)، ص 162 – 164؛ الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، تحقيق محمد بهجة الأثري، بيروت: دار الكتب العلمية، (د. ت)، 2/ 278 – 280.
 
[32] الجاحظ: نفس المصدر، 3/ 438 و7/ 123، 122، 120، 105
 
[33] المسعودي: نفس المصدر، ابن شبة، تاريخ المدينة، ص 422؛ ابن الجوزي: المنتظم، ص 404 – 405.
 
[34] Jean Chevalier et Alain Gheerbrant, Dictionnaire des symbols, Paris, R. Laffont, 1982, p. 82.
 
[35] ابن الكلبي: جمهرة النسب، تحقيق محمود فردوس العظم، دمشق: در اليقظة العربية، 1982، ج 3 ص 276، يشير في هامش رقم 2 إلى أن في نشرة كاسكيل لجمهرة النسب يرد عيث وليس غيث.
 
[36] محمد سعيد: النسب والقرابة … الباب الثاني.
 
[37] ابن حجر، نفس المصدر، 2/ 370.
 
[38] ابن الأثير: نفس المصدر، 8/ 116، ترجمة رقم 11737.
 
[39] ابن حجر: نفس المصدر، 8/ 116 ترجمة رقم 11743
 
[40] الأثير: أسد الغابة… 7/ 263، ترجمة 7274.
 
[41] ابن الجوزي: المنتظم، 1/ 405.
 
[42] ابن الأثير: أسد الغابة، 7/ 263.
 
[43] ابن شبة: نفس المصدر، 2/ 421.
 
[44] ابن الجوزي: نفس المصدر، 1/ 405
 
[45] ابن الكلبي: جمهرة النسب، 448 – 449.
 
[46] محمد سعيد، نفس المرجع، فصل ذرية هاشم من هند بنت عمرو بن ثعلبة، ص 442.
 
[47] تتردد هذه الأخبار في مصادر كثيرة، وتبلغ أكمل أشكالها في أبو عبيدة، كتاب النقائض، نقائض جرير والفرزدق، تحقيق بيفانن بريل: 1905، (أعادت نشره دار صادر بيروت)؛ أبو عبيدة: أيام العرب، جمع وتحقيق عادل جاسم البياتي، بيروت: مكتبة النهضة العربية. 1987
 
[48] Fück (J. W.), Ghatafan, E. I./ 2 vol. p. 104, انظر مثلاً، ابن سعيد الأندلسي: نشوة الطرب …، ص 544.
 
[49] محمد سعيد: نفس المرجع، مقدمة المصادر، ص 544.
 
[50] نحيل على النص في نشرة ناجي حسن لجمهرة النسب لابن الكلبي، ونحيل على أشجار النسب التي أعدها محمود فردوس العظم، دمشق: دار اليقظة العربية (د. ت) أشير إلى النشرتين في هامش سابق.
 
[51] ابن الكلبي: نفس المصدر، (تحقيق ناجي حسن) ص 447، ولوحه 122 من نشرة محمود فردوس العظم.
 
[52] ابن الكلبي: نفس المصدر، (تحقيق ناجي حسن) ص 447، ولوحه 122 من تحقيق محمود فردوس العظم.
 
[53] ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة: دار المعارف، 1982، ص 250.
 
[54] القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، تحقيق إبراهيم الأبياري، بيروت: دار الكتب اللبناني، 1991، ص 345.
 
[55] من جذيمة: زهير بن جذيمة، اجتمعت عليه غطفان. فمن بني زهير بن جذيمة: قيس بن زهير، صاحب داحس، الحارث بن زهير، قتلته كلب يوم عراعر، ورقاء بن زهير، قتلته غني، مالك بن زهير قتلته فزارة، عوف بن زهير، قتلته فزارة، قرة بن حصين بن فضالة بن الحارث بن زهير، صحب النبي، أبو حليل، (أو أبو خليل) بن شداد بن مالك بن زهير، كان أحد العشرة الذين قاموا مع خالد بن سنان في إطفاء نار الحدثان
 
من بني زنباع بن جذيمة، مروان القرض، وابنه الحكم بن مروان، كان سيدا في زمانه وكان مروان يغير على أهل القرض، وهي أرض تنبت القرظ، بشير بن أبي جذيمة بن الحكم بن مروان القرظ، الشاعر.
 
من بني حذم بن جذيمة:
 
عروة بن عمرو بن ثعلبة بن حذم الشاعر.
 
من بني أسيد بن جذيمة،
 
عفير بن حليس بن أسيد، قاتل حمل بن بدر الفزاري.
 
قرواش بن هيني بن أسيد بن جذيمة، وهو ابن شريح، قاتل حذيفة بن بدر.
 
من بني خلف بن رواحة:
 
قنان بن واقد بن جنيدب، قتل يوم القادسية.
 
من بني عوير بن رواحة،
 
زهدم وقيس، ابنا حزن بن وهب بن عوير بن رواحة، اللذان (حضرا) … يوم جبلة.
 
من بني حنظلة بن رواحة:
 
عقفان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة، رهط سهية الشاعر.
 
من بني جروة بن الحارث بن قطيعة بن عبس.
 
جروة وهو اليمان (هاجر إلى يثرب)، حذيفة بن اليمان، صاحب رسول الله، سعد بن حذيفة، كان على من خرج من المدائن إلى عين الوردة.
 
من بني مخزوم:
 
عامر الطفيل (الفارس)، حيان بن حصين بن خليف الشاعر، أبو حصين بن لقمان بن سنة بن معيط، أحد التسعة الذين وفدوا على الرسول، أبي بن حمام، الشاعر، عنترة بن شداد العبسي، الحطيئة الشاعر، خالد بن سنان بن غيث، سباع بن قيس، أحد التسعة الذين وفدوا على الرسول. من بني بجاد،
 
خراش بن جحش، كتب إليه النبي فمزق كتابه، ربيع بن خراش، تكلم بعد موته، هدم بن مسعود، أحد التسعة، بشر بن الحارث، أحد التسعة.
 
من بني عوذ بن غالب:
 
قنان بن دارم، أحد التسعة وأبلي في وقائع خالد بن الوليد بالشام، ومنهم بنو زياد، كانوا من أشراف العرب (الربيع بن زياد، الكامل، عمارة بن زياد، الوهاب، وهو دالق، أنس بن زياد (الخيل)، قيس بن زياد الحفاظ) ومنهم عروة الصعاليك، الشاعر
 
[56] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 1/ 296.
 
[57] ترد نفس الأسماء في ابن حجر: الإصابة … 1/ 295 – 296 مع بعض الاختلاف.
 
[58] ابن سعد: نفس المصدر، 3/ 25، عن سعيد بن جبير.
 
[59] ابن الأثير: أسد الغابة …، 5/ 285، ترجمة رقم 5148.
 
[60] ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ترجمة رقم 1488.
 
[61] ابن حجر: الإصابة …، / 238، ترجمة رقم 8287.
 
[62] أجرى البحث في المصادر التالية: النقائض، الأغاني، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، خزانة الأدب، صبح الأعشى، كتاب المعارف، عيون الأخبار، كتاب المنمق، كتاب المحبر، كتاب الأشتقاق، الأمالي. انظر فهارس الأعلام
 
[63] ابن حجر: نفس المصدر، 1/ 572، ترجمة رقم 1407.
 
[64] ابن الأثير: نفس المصدر، 1/ 391 ترجمة رقم 880
 
[65] أبو عبيدة: كتاب النقائض، 88، 92، 104، 654، 679، 1071
 
[66] انظر الفقرة السابق.
 
[67] ابن حجر: نفس المصدر، 5/ 454، رقم 7138.
 
[68] ابن الأثير: نفس المصدر، 4/ 411، ترجمة رقم 4315.
 
[69] أجرى البحث في المصادر المذكورة في الهامش رقم 62.
 
[70] ابن حجر: نفس المصدر، 1/ 295، ترجمة رقم 655 ز. يغيب من أسد الغابة ومن الاستيعاب.
 
[71] أجرى البحث في المصادر المذكورة في الهامش رقم 62.
 
[72] يرد في ابن الكلبي: بن مسعود، انظر أعلاه.
 
[73] ابن الأثير، نفس المصدر، 5/ 389، ترجمة 5345.
 
[74] يرد في ابن الكلبي: ابن قيس، انظر أعلاه.
 
[75] ابن حجر: نفس المصدر، 3/ 28، ترجمة رقم 3081.
 
[76] ابن الأثير: نفس المصدر، 2/ 322.
 
[77] أجرى البحث في المصادر المذكورة أعلاه في الهامش رقم 62.
 
[78] ابن الأثير، نفس المصدر، 6/ 75، ترجمة رقم 5812، كذلك ابن ماكولا: الإكمال، 2/ 70
 
[79] ابن حجر: نفس المصدر، 7/ 90، ترجمة رقم 9762. ترد إشارة له في ترجمة بشر بن الحارث ويسميه بن حجر أبي حصين بن لقيم، ترجمة 655.
 
[80] ابن حجر: نفس المصدر، 5/ 684، ترجمة رقم 7557، ترد إشارة في الهامش تقول أن إحدى النسخ يرد فيها شيبة عوضا عن شبة.
 
[81] ابن حجر، نفس المصدر، 24/ 224، ترجمة رقم 4936.
 
[82] ابن الأثير، نفس المصدر، 3/ 377.
 
[83] أجرى البحث في المصادر المذكورة هامش 62.
 
[84] ابن حجر: نفس المصدر، 5/ 434، ترجمة رقم 7107، يشير ابن حجر غلي صيغة أخي.
 
[85] ابن الأثير، نفس المصدر، 4/ 401، ترجمة رقم 4287.
 
[86] ابن سعد، نفس المصدر، 1/ 296.
 
[87] ياقوت، معجم البلدان، 5/ 252، ابن سعيد الأندلسي: نفس المصدر، 1/ 388.
 
[88] تم البحث في المكتبة الجغرافية العربية بأجزائها الثمانية. (B. G. A نشرة بريل)
 
[89] الأصفهاني، الأغاني، 11/ 72، نشرة بيروت، دار إحياء التراث.
 
[90] الثعالبي، ثمار القلوب، ص 573
 
[91] ونار الحرتين لها زفير يصم له الرجل السميع.
 
[92] الجاحظ: نفس المصدر، 4/ 476 – 478.
 
[93] ابن الكلبي، نفس المصدر، ص 442 و449.
 
[94] ابن شبة، نفس المصدر، ص 421.
 
[95] المسعودي، نفس المصدر، فقرة رقم 131.
 
[96] ابن شبة، نفس المصدر، ص 424.
 
[97] ابن شبة، نفس المصدر، ص 425.
 
[98] ابن الجوزي، المنتظم، 405.
 
[99] ياقوت، نفس المصدر، 2/ 245.
 
[100] ياقوت، نفس المصدر، 2/ 277.
 
[101] ياقوت، نفس المصدر، 1/ 94.
 
[102] ياقوت، نفس المصدر، 4/ 476
 
[103] ياقوت، نفس المصدر، 1/ 95
 
[104] ابن منظور: لسان العرب، 2/ 131، مادة حدث. أشار ياقوت لهذا المعني في مادة حدثان واحتفظ بالتأويل الخرافي السابق.
 
[105] ياقوت، نفس المصدر، 2/ 248، يقول حرة النار.
 
[106] ابن شبة، نفس المصدر، ص 429، 432.
 
[107] ابن الكلبي، جمهرة النسب، نشرة ناجي حسن ص 443
 
[108] ابن شبة نفس المصدر، ص 425.
 
[109] ابن شبة نفس المصدر، ص 426
 
[110] ابن شبة نفس المصدر، 3/ 371
 
[111] ابن شبة نفس المصدر، ص 430
 
[112] ابن شبة نفس المصدر، ص 424 و421
 
[113] ابن حجر، الإصابة، 2/ 372.
 
[114] المسعودي، نفس المصدر، فقرة رقم 131.
 
[115] ابن الجوزي، المنتظم، ص 404 – 406.
 
[116] الثعالبي: ثمار القلوب، ص 574.
 
[117] ابن منظور، لسان العرب، مادة نفش.
 
[118] بن حجر، نفس المصدر، 3/ 371.
 
[119] الثعالبي، نفس المصدر، ص 577؛ الألوسي: نشوة الطرب … 2/ 233
 
[120] الجاحظ، نفس المصدر، 4/ 478؛ الثعالبي، نفس المصدر، ص 577.
 
[121] الجاحظ، نفس المصدر، 4/ 479.
 
[122] ابن قتيبة، كتاب المعارف، ص 621.
 
[123] الأصفهاني، الأغاني، 17/ 248.
 
[124] انظر فقرة قادمة في شأن أقواله.
 
[125] يرد الوصف الأدق والأقرب فيما يبدو لشكل الحادثة في ابن كير، البداية والنهاية، تحقيق على شيري، بيروت: دار إحياء التراث، 1988، 1/ 268.
 
[126] أبو هلال العسكري، الأوائل، بيروت: دار الكتب العلمية، 1987، ص 44.
 
[127] ابن شبة نفس المصدر، ص، 2/ 422
 
[128] ابن شبة نفس المصدر، ص، 2/ 424
 
[129] ابن شبة نفس المصدر، ص، 2/ 525
 
[130] ابن شبة، نفس المصدر، ص، 2/ 427
 
[131] ابن شبة، نفس المصدر، ص، 2/ 430
 
[132] ابن شبة، نفس المصدر، ص، 2/ 431
 
[133] ابن شبة، نفس المصدر، ص، 2/ 432.
 
[134] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 434.
 
[135] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 370.
 
[136] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 372
 
[137] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 268
 
[138] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 1/ 376.
 
[139] ابن العديم، نفس المصدر، 7/ 29
 
[140] مجمع الزوائد 8/ 213؛ يذكر هذا المرجع محقق تاريخ المدينة لابن شبة، 2/ 422.
 
[141] الجاحظ الحيوان، 4/ 476 – 478.
 
[142] المسعودي، نفس المصدر، 1/ 175، فقرة 131.
 
[143] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 428. بإسناد لمشايخ من بني فزارة.
 
[144] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 429، بإسناد لـ زريق بن مخارق، عبسي من أهل القرن الثاني.
 
[145] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 432، بإسناد لأبي بن عمارة العبسي.
 
[146] ابن منظور، لسان العرب، مادة رمس.
 
[147] ابن اكلبي، جمهرة النسب؛ ابن العماد، بغية الطلب، 7/ 28.
 
[148] ابن الكلبي، جمهرة النسب، ص 443.
 
[149] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 432.
 
[150] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 429
 
[151] ابن حجر، الإصابة، 2/ 272.
 
[152] ابن شبة، نفس المصدر، 2.
 
[153] ابن الكلبي، نفس المصدر؛ ابن العميد، بغية الطلب، 7/ 28.
 
[154] ابن حجر، نفس المصدر، 8/ 116، ترجمة رقم 11743.
 
[155] ابن شبه، نفس المصدر، 2/ 430
 
[156] تصل بشكل مشوش في كتب التراجم، انظر ابن حجر، نفس المصدر، 1/ 26ن ترجمة رقم 29؛ ابن الأثير، أسد الغابة … 1/ 60، ترجم رقم 31.
 
[157] ابن حجر، الإصابة، 2/ 272.
 
[158] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 431
 
[159] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 426.
 
[160] ابن الكلبي، جمهرة النسب، 123؛ ابن حبيب، المحبر، 398، 458؛ أبو عبيدة، النقائض، 193؛ ابن دريد، الاشتقاق، 277، 108. يرد في ابن حبيب أن الربيع بن زياد الكامل وعمارة الوهاب وأنس الخيل وقيس الحفاظ بنو زياد بن أبي سفيان بن عبد الله بن ناشب بن الهدم، هم الكملة من بني عبس أمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، ويرد في الاشتقاق أنه كان يدعي دالق، والسيف الدالق هو المسلول، وذلك من كثرة إغاراته. انظر أيضاً أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال، 1/ 344، الميداني، مجمع الأمثال، 1/ 194؛ البغدادي، خزانة الأدب، 3/ 163؛ 4/ 13؛ 7/ 518، 514، 512، 519؛ 8/، 249، 364، 250، 366؛ 9/ 549.
 
[161] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 428.
 
[162] انظر الفقرة أعلاه المتعلقة بأقواله.
 
[163] ابن شبة، نفس المصدر، 2/ 429.
 
[164] يرد بيت لمنجاب، أحد بني ربيعة بن مخزوم، المقلب بمنقار، يقول: أما نيار فإن الله يلعنه وكل من يلعن الرحمان في النار
 
 
 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!