عن راهنية فكر مانديلسون

عن راهنية فكر مانديلسون

عن راهنية فكر مانديلسون

محمد المدلاوي المنبهي

-1 – عن الدولة والدين

موسى مانديلسون (Moses Mendelssohn، مفكر يهودي ألماني، توفي 1786) واحدٌ من “الأماوسة” الثلاثة الذين شكّـل تكاملُ آثارهم جوهرَ الفكر اليهودي في كليته التاريخية، بما يتضمنه ذلك الفكر من عناصر الفكر الكوني، ألا وهم: موسى النبي في مصر ثم في سيناء (فكر التأسيس العقدي والتشريعات الأولى)، وموسى بن ميمون في قرطبة ثم في فاس فالقاهرة (فكر الصياغة الفقهية والكلامية)، وموسى مانديلسون في ألمانيا (فكر التجديد العصري على ضوء فكر الأنوار والكونية). ففكره ذو المنطلقات اليهودية يمثّـل، في أوج فكر الأنوار – كما انعكس هذا الفكر على نهضة الهاسكالا اليهودية (השכלה) – نظيرَ ما مثّــلَ فكرُ كل من ابن رشد وابن ميمون مثلا في أوج ازدهار فكر العصر الوسيط بالنسبة للإسلام. فـكتابه “أورشليم” (Jerusalem) يشكّـل – مع اعتبار فارق الإطار الفكري التاريخي طبعا – نظيرا لكتاب “فصل المقال” لابن رشد. وقد نوه الفيلسوف “إيمانويل كانط” بذلك الكتاب أيّـما تنويه في مراسلاته مع مانديلسون، واعتبره إنجازا لصالح سائر الأمم، راجيا أن يحذو الفكر المسيحي حذو مانديلسون لفكّ ربط خلاص الإنسان(Human felecity) بالإيمان بمَـرِوياتٍ اتخذت لـَـبوسَ الواقعية التاريخية؛ كما نوه به “الكونت ميرابو” (Comte de Mirabeau) بحماس، واعتبره صادرا عن نفس روح الفلسفة الليبرالية لأمثال “جاك تورجو” (Jaques Turgot) التي تشبّـعتْ بها ديباجةُ دستور فيرجينيا بالولايات المتحدة الناشئة حينئذ.

وإذْ كان فكر عصر الأنوار بموضوعاته، وبمضامينه حول تلك الموضوعات، يشكل الإفضاءَ النهائي لـ”لإصلاح الديني” الذي دشنته الثورةالبروتيستانتية في بداية القرن السادس عشر في أوروبا على مؤسَّـسة الكنيسة بامتداداتها المختلفة داخل مؤسسة الدولة حينئذ،(1) فإن أهم القضايا التي تناولها كتاب “أورشليم” هي قضايا العلاقة بين الدين والدولة، وعلاقة الدين  في أوجهه المُـمأسسة والمهيكلة (الكنيسة، مؤسسات رجال الدين بصفة عامة) بوضعية الفرد المدني داخل المجتمع (حريّة الضمير، حرية التفكير، حرية التعبير، تكفير، الخ.)، وكل ما  يتفرع عن ذلك من مسائل. ففي العلاقة ما بين المؤسسات الدينية والدولة، يقول مانديلسون في كتابه ما يلي (نترجم عن الصيغة الانجليزية:  Brendeis 1986):

[[فلنتناول الدولة والدين، أو بعبارة أدقّ: المؤسسة المدنية والمؤسسة الدينية، أو السلطة الزمنية والسلطة الدينية. فكيف يمكن وضع هذين الركنين من أركان الحياة الاجتماعية في تقابل متوازن، بدلَ أن يظلا عبئا على الحياة الاجتماعية بشكل يقوّض أسسها عِوضَ العمل على تدعيم تلك الأسس؟ إن حلَّ هذه المسألة من أعصى مهام النظرية السياسية. لقد عانى الإنسان كثيرا عبر القرون من أجل أيجاد حل لهذا الإشكال؛ وربما حالفه أحيانا نجاحٌ نسبي هنا أو هناك في إرساء توازن ظرفي للمعادلة على مستوى الممارسة أكثر مما توفّق في حلٍّ لإشكالها على المستوى النظري. فالبعض يذهب مثلا (على المستوى النظري) إلى أنه من الأنسب تفكيك العلاقات المختلفة للإنسان في المجتمع، وتصنيفُـها إلى ماهيات معنوية، ثم إسناد (ما يشبه) “إيالات” أو فضاءات (اجتماعية) خاصة، وحقوقٍ، وواجباتٍ، وسُـلطٍ، وصلاحياتٍ خاصة منها إلى كلّ من الطرفين (على سبيل الصلاحية والاختصاص). إلا أن أحيازَ وتخوم هذه الإيالات المختلفة، ورسمَ الحدود الفاصلة بينها أمورٌ لم يتم، لحد الآن، تحديدُها بشكل واضح. فتارة نجد أن الكنيسة تُـزحزح نُصُبَ الحدود بعيدا في العمق الترابي لفضاء الدولة؛ وطـَوراً تسمح الدولة لنفسها بـتعدّيات إذا ما نظرنا إليها بعين ما هو متعارف عليه، تبدو من نفس درجة الشطط. ولقد انجرّت لحد الآن، وستنجر لاحقا، ويلاتٌ لا حصر لها عددا وحجما عن الخلافات ما بين كياني الدين والدولة [بشأن تلك الحدود]. فإذا ما انتهى ذانك الكيانان يوما إلى الصدام فيما بينهما، فإن البشرية هي من تكون ضحية خلافاتهما؛ أما إذا ما دخلا في وفاق، فإن أنبل كنز من كنوز الخلاص الإنساني يكون قد ضاع؛ ذلك لأنه نادرا ما يتـفـق ذانك الكيانان على غاية أخرى غير طرد مزية معنوية أخرى من حظيرة مملكتهما، ألا وهي حرية الضمير، تلك الفضيلة بالضبط التي تعرف كيف تستخرج بعضَ المزايا للناس من انفصالهما.]]

بقي مع ذلك فكر مانديلسون في منطقة ظل مُـعتِـم بالقياس إلى فكر غيره ممن هم في مستواه أو من هم أقل شأنا منه في باب اهتماماته، وذلك لتضافر عدة أسباب، أهمها بالنسبة لبعض الأوساط الدينية اليهودية والمسيحية ما يلي:

أ-  ما انتشر  من زعـْمِ اعتناق مانديلسون للمسيحيةَ في طويته (كما كان قد قيل عن إسلام ابن ميمون مثلا)، وذلك نظرا لشدة إلحاح مانديلسون على بُعد فضائل الصبر والمحبة (Love) والتسامح (Tolerance) والإحسان (Benevolence) كقيم عليا مؤسِّسة في الدين، بدل الإلحاح على إقامة الدين على شعور الرهبة والتقوى (יריאה)، التي تصبح عمليا في الممارسة والسلوك عبارة عن تَـقيـّة،

ب-  ما يشكل فكرُه اليومَ من تحدٍّ  فلسفي وحقوقي لطبيعة الدولة العبرية بعد قيامها، خصوصا فيما يتعلق بالجنسية وبوضعية الفرد المدني (انظر نهاية الحلقة-2)، خصوصا وأن لـفكره التنويري شرعيةَ القيام على أُسـس متينة من ثقافة اليهودية الأولى،

ج-  موقفَ الحركة الصهيونية الأيديولوجي من نهضة الهاسكالا اليهودية برمتها، التي كان من أفكارها المحورية الدعوةُ إلى اندماج اليهود، على المستوى المدني، في إطار المواطنة العصرية العامة لدول تواجدهم.

د-  ما يمثله تطويرُ مانديلسون للفكر اليهودي بشكل يجعله محتضنا لقضايا الفكر الكوني وليس لمجرد قضايا اليهود ورسالتهم كما سطرتها فقهياتهم التلموذية، من تحدٍّ تـنافسي في نظر بعض الأوساط المسيحية التي ترى في ذلك محاولةً من محاولات عودة التفاف اليهودية على المسيحية، التي كانت قد خرجت من رحمها كما هو معروف تاريخيا.

فبذلك بقي فكر مانديلسون “بين كرسيـين” كما يقال. أما في مدارسنا، وجامعتنا، وكراساتنا، ومؤلفات فلسفة الأخلاق والحقوق والدولة لدينا في المغرب، فلا يُـعتقد أن هناك موقفا معينا فيها بشأن هذا الفكر بما أنه مُعطىً فكري غير معروف أصلا (أنظر نهاية الحلقة-4).

—————————————–

(1) إن الذي يميز الإصلاح الديني المسيحي في أوروبا عما يجري الآن في حظيرة العالم الإسلامي، وما يجعل منه إصلاحا حقيقيا، بل ثورة فكرية تجديدية مهدت لفكر الأنوار، هو أنه كان حركة موجَّـهة بالأساس ضد هيئة المؤسسة الدينية متمثلة هناك في الكنيسة كمَجمَع من حيث هي كيان مهيكل كان ذا سلطة في فضاء المدينة، وليس ضد الدين ولا التدين، ولا ضد الدولة كدولة قصد منازعتها في مشروعيةَ تدبيرها للفضاء المدني.

عن راهنيّة فكر مانديلسون

-2-

الفرد المدني والدولة والدين

 

تناول موسى مانديلسون (Moises Mendelssohn) في كتابه أورشليم (Jerusalem) مسألة مواطنةِ الفرد المدني واستقلاليـةِ ضميره، في علاقة هذين الحقـيـن من الحقوق بصلاحيات مؤسَّـسـتي الدين والدولة. وقد تناول ذلك في أطار المجهود النظري الجمْـعي المبذولِ حينئذ في أوروبا لـبنـاء مفهوم للمواطنة في علاقتها بالبُـعـد الديني على الخصوص، وعلى الأخص في علاقتها بـ”المسألة اليهودية” بأوروبا آنذاك. وقد انطلق مانديلسون في ذلك من مناقـشـتـه لبعض ما تـمّ اقـتـراحه، في إطار مفاهيم المواطنة الناشئ، مِن صيغٍ وأحيازٍ استـقـلالـيةِ البعد الديني للجماعات اليهودية في فضاء المدينة (Cité)  الذي منه استُلهم مفهوم “الدولة المدنية” في إطار فلسفة الأخلاق لفكر الأنوار. ولقد عارض مانديلسون على الخصوص تصورَ من اقترحوا بأن يُـسمح للجماعة اليهودية بحـق إصدارِ أحكام التكفير واللعن الديني  (חרם =  Excommunication)  في حـقّ المخالـفيـن و في حق من من تعتبرهم تلك الجماعات مرتـدّين من أفرادها، باعتبار أولئك ذاك حقا وصلاحية من صلاحيات كل الجماعات الدينية في نظرهم.

أما مانديلسون فيـرى أنه لا وجهَ من أوجه سلطةِ إكـراهِ ضميرِ الفرد بِـمُـمكنٍ أن يتفرّع عن مبادئ الحق الطبيعي. ثم زاد فـألـحّ على أن فكرة “سلطة الدين” فكرةٌ عبثية أصلا ومتناقضة داخليا. إذ أنها تـنـسـف الطبيعة الحقيقية للدين في اعتـقـاده. وفي هذا الصدد يقول في تقديمه لأحد مؤلفاتِ غيرِه، التي كان قد قام بإعادة نشرها قبل نشر كتابه “أورشليم” ما يلي:

[[أن الدين الإلهي الحق لا يخوِّل لـنـفسـه أيّ سلطة على آراء وأحكام الفرد (…). فهو لا يَستعمِل لإثـبـات مصداقـيـته سوى قوةَ الإقـناع والقدرة على إلهام الإنسانِ بالتي هي أحسن قصد ترسيخه في سبيـل الفلاح والصلاح.1  فالدين الإلهي الحقّ لا يحتاج لا إلى أسلحة ولا إلى أظافـر ليـستكـثـر بـهـا المؤمنين.2  فجـوهـرُه عـقـلٌ وبصـيرة في جـُماعهما. وليس للمخالف في الديـن أن يُمنَع من المشاركة في الصلوات. فبيوت الله، التي هي بـيـوتٌ لـتـأملات ذوي الألباب ولـتـفعيـل ضمائرهم، لا تحتاج إلى أبواب موصدة بالأقـفـال. فليس بها شيءٌ للحفاظ عليه داخلها، ولا لها أن تـمنـع أحدا من دخولها.3 إن الحـِـرْمَ (חרם) والتكفيرَ والطردَ هو عينُ نقيض روح الدين.]].

فإذا كانت مؤسسة الدولة تحكم وتمارس القهر المحسوس في الفضاء المدني لغايات مدنية بمقتضى نظامِ حُـكـمٍ معيـّن، فإن دور الدين كمؤسسة جمعية هـو مخاطبة الضمائـر والبصائـر لإقناعها بالتي هي أحسن، وليس بالتـدخل الجزائي في الأوضاع المدنية للأفراد، حسب مانديلسون. وفي هذا الباب كان قد قال ابن رشد في “الكشف عن مناهج الأدلة” ما يلي:

“(…). فإنّ الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كلَّ الاضطراب في هذه الشريعة، حتى حدثـت فِـرَقٌ ضالة، وأصنافٌ مخـتـلفـة؛ كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأُولى، وأن مَـن خـالـفه إما مبتدِعٌ، وإما كافرٌ مستباحُ الدم والمال؛ وهذا كـلُّـه عُـدولٌ عن مقصِد الشارع.”.

كما قال ابن رشد في “فصل المقال” ما يلي:

“(…) فهل يجوز أن يؤدي البرهانُ إلى تأويل ما أجمعوا على ظاهِـره، أو ظاهرِ ما أجمعوا على تـأويـله؟ قلنا: أمّا لو ثـبـتَ الإجماعُ بطريق يـقيـني، لم يصحّ [ذلك]؛ وإن كان الإجماعُ فيها ظنيّا فقد يصحّ [ذلك]. ولذلك قال أبو حامد [الغزالي] وأبو المعالي [الجويني] وغيرهما من أئـمة النظر: إنه لا يُـقطَـع بكـفـر مَن خرق الإجماعَ في التأويل في أمثال هذه الأشياء“.

وفي هذا الباب دائما، يعارض مانديلسون حتّى ما يسمى في تكفيريات فقهيـات الربيين اليهود بـ”الطرد الأصغر” أو “الفصل” و”العزل” (נדוי)، الذي كان بعضُ معـاصريه يُـقدّرون أنه ليس من شأنه أن يـمـس كثيرا وضعيةَ المواطنة لدى الـفرد. وقد خـتـم مانديلسون المقدمةَ المذكورة بتوجيه نداء حار إلى الربيين وإلى أشيـاخ الأمة اليهودية لكي يتخلوا عن سلاح التـكـفيـر واللعن الديني، لأن ذلك غير جدير بعقيدتهم في نظره.

وفي هذا البـاب، المتعلق بالإيـمـان، باعتباره حالة من حالات الضمير والبصيرة، وليس مجردَ انضباط وامتثال جمـعـي لمظاهر ذات طابع شكلي، يناهض مانديلسون في كتابه “أورشليم” كافـة أوجه القـَـسَـم  والأيمان اللفظية العلنية، والشهادات التصريحية الصورية، مما تــمّ توقيفُ صِيَـغه اللفظية في إطار أدبيات الفـقـهيـات الرِّبـيـة فاعـتُــمِد كـمُستـنَـد لإثبات إيمان الفرد، هذا الإثبات الذي ينطوي بالقوة، في جوهره، على أُسُـس ممارسات الـتـفـتـيش (Inquisition) التي يعرفـها التاريخ من حين لآخر. وفي ذلك يقول مانديلسون:

[[فاليهودية الأولى لم تـكـن تعرف لا كُـتُـبا رمزية، ولا “أركـانـا” صورية للعقيدة. فـلـم يـكـن على أي أحد أن يُـقسم بالأيمان على مصحف أو رمز، ولا أن يـعـلن بشهادة القَـسَم إيمانـَه بركن معيّن من الأركان؛ ولذلك، وانسجاما مع روح اليهودية الحق، يتعين علينا اعتبار تلك الأمور غير سائغة”]].

وفيما هو قريب من هذا التصور لطبيعة وعي الفرد وبصيرته، كان قد قال ابن رشد في “فصل المقال”:

“إن التصديق بالشيء من قـِـبَــل الدليل القائم في النفس هـو شيءٌ اضطراري، لا اختياري؛ أعني أنه ليس لنا (اختيارُ) أن نصدّق أو لا نصدّق، كما لنا (اختيارُ) أن نقوم أو لا نقوم”.

وإيمانا من مانديلسون بأن الاختلاف، وليس المماثلة، هو أساس ناموس الطبيعة، الذي به يـقـوم الصلاح الكوني، كما كان قد وضّح ذلك الإمامُ المخفي في الرسالة الجامعة لإخوان الصفا انطلاقا من قول التنزيل {يا أيها الناس إنا خلقـنـاكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو؛ إن أكرمكم عند الله أتقاكم}ق.ك، وإيمانا من مانديلسون بأن ما كان يـبـشّر به البعضُ من إمكانية توحّد الديانات في فـهـم مشـتـرك للعقائـديات عبر مجهودٍ حواري أمرٌ متعذر عمليا ومن حيث طبيعة مفهوم الإيمان نفسه، زيادة على كون ذلك التبشير ينـمّ، في مُـضمَـر دوافع تـصوّرِه وصياغـته، عن خـرق ضمني سافر لمبدإ التسامح المدني وحق الاختلاف ومـزيّتـه في الصلاح، وذلك من حيث ربـط ذلك التصور لإحقـاق حقِّ المقـبولية المدنية للأفراد والجماعات في المدينة بما يسمى بـ”وحدة العقيدة“، إيمانا منه بكل ذلك، فـقد نـفى كذلك مانديلسون، من جهة أخرى في تقديمه المذكور، أيّ حق إكراهي للدولة في ما يـتـعـلق بشؤون حالة دائرة الوعي والضمير.

فهو يؤكد بأن لا تشريعَ من التشريعات الوضعيّة بمخوَّل حقَّ وصلاحية إكراهٍ لا يـوفـّـِر له القانونُ الطبيعي أي أسـاس؛ ويؤكد أنْ ليس للدولة، بناءً على ذلك، أن تُـقـيم تمييزا بين مـتـّـبِـعي مختلف العقائد، فــتـجـعـلَ وضعيتهم المدنية متوقفةً على الانـتـماء إلـى مِلة مـعـيـنـة.4 فلا “رأي” من الآراء بحائـز، في النـظـر العقلي، مزيةَ اعتـمَـادِه كـمـؤهـِّـل لامتيازاتٍ مدنية، أو كمبرِّر لأي حرمانٍ مدني. فالإلحاحُ على ما يسمى بوحدة العقيدة، واعتبارُ ذلك شرطا من شروط تـخـويـل المواطنة في المدينة خرقٌ سافر لحق الاخـتـلاف ولـمـبدإ التسامح. إن ذلك يـفـصح عن تـقـهـقـر نحو عصور الهمجية؛ وهو تهـديد لـحرية الوعي والضمير لا يـكاد يخفى، على حد تعبير مانديلسون في تلك المقدمة.

—————————————————

1  {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن؛ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين}؛ {لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغيّ}؛ {أفأنت تـُكرِه الناس حتى يكونو مومنين، وما كان لنفس أن تومن إلا بإذن الله؛ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}. ق.ك.

2  {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} ق.ك

3  {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها}ق.ك؛ بقطع النظر عن تفاسير المفسرين لتحديد أمر من وما نزلت بشأنه الآية: المسجد الأقصى (نبوخذنصر، أو تيطوس) أو المسجد الحرام، الخ.

4  {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة؛ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك}ق.ك.

عن راهنية فكر مانديلسون

-3-

 الحقيقة الأزلية ما بين الفطرة والتشريع

من الأفكار الرئيسية في كتاب “أورشليم” لموسى مانديلسون ما يراه من أن جوهر الدين هو دين الفطرة، وأن الدين، بذلك، مَظهرٌ من مظاهر فطرة العقل الطبيعي التي فُطِر الناسُ عليها والتي لا يمكن أن تكون إلا خيـّرة تـتـنافى، على الخصوص، مع أي وجه من أوجه القهر المؤسـَّسي للضمير. فالرسالات إنما تؤكد الفطرة الخيـّرة، وليست هي التي تـُخـرجها بالكشف الإعجازي الخارق من العدم إلى حيز وعي البصيرة. فالإنسان في جوهره، حسب تصور مانديلسون ومن تأثر بهم هذا الأخير من التنويريين، كائن مدني بالطبع، كما قال ابن خلدون، ولا يصبح كذلك بمقتضى تدخّـل قوةِ سلطةٍ خارجية. ومن خلال ملكته المدنية الفطرية تلك، يشتـق العقلُ الطبيعي للإنسان المفاهيمَ الأخلاقية الأساسية من حق وواجب، ومن خير وشر، فيُـكـامل بين الأولَـين، ويميّز بين الأخيرين.  فإذا كان هناك من فرق بين جوهر الدين والعقل الطبيعي، فهو فرقٌ بين “ما هو معقول“، أي ما هو “في متناول العقل” (Reasonableness) من جهة، و “ما ليس في متناول العقل (Supra-rational) من جهة ثانبة. أي أن الفرق ليس فرقا بين “مطابقة العقل” (rational) و”مناقضة العقل” (irrational). فلا شيء في دين الفطرة بممكنٍ أن يناقض العقل في المطلق. أما الخلاف على مستوى الأداء في شأن تصوُّر ما هو مطابق للعقل وما ليس كذلك في ميدان الأخلاق بصفة عامة، مما له تعلق بقدرات الأشخاص على التصور والتصديق، فإنما هو مسألة تأثير التدافع من جهة، ومسألة تأهيل بيداغوجي وتربوي مستمر من جهة أخرى كما هو الشأن في التفاوت في قدرات استعمال الرياضيات مثلا؛ وليس ذلك الخلاف دليلا على عجز مطلق للعقل في إدراك المقولات صورةً ومادةً، سواء تعلق الأمر بالمسائل البرهانية أم بالمسائل الأخلاقية.

وقد ترتب عن ذلك التصور في نظرية مانديلسون، الذي تأثر كثيرا في هذا الباب بـ”سبينوزا” – مع وجود فارق جوهري بين فكريهما – أن الشريعة بصيغتها الفـقهيـة، أي “الهالاخا” (הלכה) لا تمثل جوهر الدين، وإنما هي وصايا عمَـلية لجعل السلوك ينسجم مع مبادئ تلك الفطرة الخيّـرة؛ وبذلك يكون التـشريع من حيث جوهر مقاصده مفتوحا على ما يقتضيه المحيط من اجتهادات لإدامة ذلك الانسجام. فالتشريع بمفهومه الفقهي، كتأطير صوري للتـديّن في ظروف معينة – وعلى العكس منالمبادئ العامة لما يعرَف بـ”شريعة نوح” (Lois Noachides) الممثـّـل للفطرة 2 –  تشريعٌ لم يُـقُـم في اليهودية الأولى – من إبراهيم إلى يعقوب – إلا مع تفصيل موسى عليه السلام لوصاياه في التوراة؛ ذلك أن موسى قد اجتمعت في شخصه تاريخيا وظيفتا الدين والدولة باعتباره نبيا وقائدا في نفس الوقت في إطار نظام ما يسمى بالثيوقراطية، التي هي مجرد معطىً تاريخي مرتبط بظرفياته، ولا تمثل لا جوهر الدين اليهودي ولا جوهر طبيعة السياسة أو الدولة بصفة عامة، حسب مانديلسون.

فالتشريع بالمفهوم الفقهي صياغة شكلية معيّنة لروح المبادئ والمقاصد قصد تنزيلها في السلوكين الفردي والجماعي في ظل معطيات تاريخية معينة، فيكون أساسه العملي، بناء على ذلك، هو النــســخ الدوري كما يتم ذلك حتى داخل الفترة الرسالية المعينة في ظرف سنوات معدودة. أما المبادئ والمقاصد التي هي مبادئ العقل الفطري الطبيعي، ومنها المبادئ النوحية، فلا يمكن نسخها بحكم العقل، خلافا لما يمكن أن يفهم مما جاء في كتاب الحَبـر الحكيم، السموءل بن يحيى بن عباس المغربي، في كتابه القيم “بذل المجهود في إفحام اليهود” في إطار تدليله، بعد إسلامه، على أن الإسلام قد نسخ اليهودية والمسيحية شكلا وجوهرا، فأشـار إلى أن الشريعة الموسوية نفسها كانت قد نسخت المبادئ النـوحية. فالمبادئ المقاصدية لا تُـنـسخ وإنما يتم تأكيدُها وإعادة تصديقها من خلال نسخ التـشـريع بالضبط قصد إعادة تكيـيـفه لينسجم مع كل معطياتٍ جديدة على هُـدىً من تلك المبادئ والمقاصد. فشريعة النبي موسى، وهو يقود شعب بني إسرايل من أرض مصر إلى أرض كنعان عبر سيناء، بكل مصاعب وإكراهات تلك القيادة على أرض الواقع، شريعة “لم تكن تُمثـل نظاما لسلطة الدين في جوهره. لقد كانت سلطةً سياسية-دينية” على حد تعبير مانديلسون؛ “لقد كانت حُـكـما ثيوقراطيا في أخلص تجلياته، أو ما يمكن أن نسميه بـ”مدينة الله“، تُـستمَـد فيها السلطة السياسية ليس من الدين كجوهر بل من الدين باعتباره في تلك الحالة في خدمة الدولة“، أي ما يسمى اليوم: بـ”أيديولوجية نظام الحـُكـم”.

وبما أن الاجتهادات التاريخية في باب الشريعة بهذا الاعتبار مرتبطة بالممارسة والتدافع، فإن احتمال الصواب والخطإ فيها وارد؛ وهذا ما يفسر ما تحـفِـل به الفـقـهيات الهلاخية اليهودية من أوجه التعارض، بل التناقض أحيانا، سواء على مستويات تزامن الاجتهادات، أم بالنظر إلى تلاحقها عبر الأجيال، أو توزعها في المكان؛ وهو ما يفرض، في نظر مانديلسون، نوعا من الحيطة العقلية الدائمة في التعامل مع الرصيد الكـلي لتلك الفـقهيات، بما أنها اجتهادات حول تنزيل المقاصد في السلوك على أرض الواقع، ولا تمثـل، في حد ذاتها، ومن حيث صورُها وأشكـالُـها، جوهرَ دين الفطرة نفسه. وهو يرى أن جوهر دين الفطرة، في مقابل الشريعة والصياغات اللاهوتية، لا يحتاج إلى الكشوفات الإعجازية (“كل مولود يولد على الفطرة”؛ حديث نبوي).

ولقد تـأثـر مانديلسون، في هذه النقطة الأخيرة بالذات، بالسؤال المحرج الكبير الذي كان قد طرحه الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك” (John Loke) على الشكل الآتي في إشارته إلى الفكر الديني اليهودي المسيحي:

[[تُـرى ما عسى أن يكون مصيرُ سائر البشرية من الذين لم يسمعوا قطُّ لا عن وعد بني إسرائيل (Promise)، ولا عن بشارة المسيح المُنِقـذ  (Massiah) الذي يُـنـتـظـُر [في نظر اليهودية] أن يـَظهـر، أو الذي بـُـعـِث منذ زمان [في نظر المسيحية]؟ فما عسى أن يكون مصير أولئك الذين ليس لهم أيّ فكرة لا عن ذلك المنـقـذ ولا عن الإيمان به؟”. فبما أن كشْـف الأنبياء والمرسلين  الإعجازي  ينحصر بلوغه، بالضرورة العملية، في مجموعة بشرية بعينها في زمن ومكان بعينهما، وبلغة بعينها، فإنه يكون، بمقتضى طابعه ذاك، كشفا حصريا ومحصورا لـفائـدة مخاطـَبين معيّـنين، حصلَ لهم، مكانياً وزمانايا، حقُّ الامتياز دون غيرهم من أجيال العالَـمِين، وذلك على سبيل الاصطفاء المطلق. وبسبب ذلك الطابع التصوري، يكون كل فهْـمٍ يجعل إمكانيات إدراك دين الفطرة متوقفة على الكشف الإعجازي الخارق فهماً لمقولة لاصطفاء غيرَ جدير بالعدل الإلهي وبمحبـتـه المتكافئة إزاء كافة البشر في سائر الدهور.]].

يقول مانديلسون بهذا الصدد في كتاب “أورشليم” ما يلي:

[[ولذلك فإني لا أومن بأن قوة العقل البشري قاصرة عن إقناع الإنسان بالحقائق الأزلية التي هي ضرورية لتحقيق خلاص البشر وسعادته، وبأن حصول ذلك متوقف بالضرورة على كشفـه تعالى لتلك الحقائـق بشكـل إعجازي على يد المرسلين. إن مَن يذهبون ذلك المذهب ينـتـقصون من كمال الطيبوبة الإلهية من جانبٍ، وذلك من خلال ما يعـتـقـدون أنهم يضيفونه إليها من جانبٍ آخر. فهو، تعالى، في نظرهم، من الطيبوبة بحيث إنه قد كشـف للناس تلك الحقائق التي فيها خلاصُهم، ولكنه [في ظل ذلك التصور]  ليس من القدرة والإرادة أو من الطيبوبة بما يجـعـله يهَـبُـهم من القوى الإدراكية ما يتأهـلون به لاكتشاف تلك الحقائق بأنفسهم [كما وهبهم من الذكاء ما يتعاملون به مع الطبيعة]. وزيادة على هذا، فإن ذلك الزعم يجعل تعميم الرسالة في وجهها الإعجازي مكانياً وزمانياً أمرا ضروريا أكثرَ من ضرورة مبدإ الرسالة في حد ذاتها. فإذا كان النوع البشري سيبقى فاسدا في حالة انعدام رسالة إعجازية حقا [أيْ رسالة مشهودٍ إعجازُها في الجيل]، فما الحكمة من إبقاء الأغلبية الساحقة من البشر بدون رسالة إعجازية عبر العصور؟ لماذا يتعين [مثلا] على الناس في القارة الهندية أن ينتظروا حتى يطيب للأوروبيين ويحلوَ  لهم أن يبعـثـوا إليهم نـفـرا من “المُواسين” لينقلوا إليهم كلمةَ [خلاصٍ] لا يستطيعون بدونها، حسب ذلك الرأي، أن يكونوا لا صالحين ولا سعداء؟ تلك الكلمة التي لن تمكّـنهم ظرفياتـُهم الخاصة ونوعيةُ ثقافاتهم [ولغاتهم] لا من فهمها فهما صحيحا ولا من العمل بها كما ينبغي. وبالمقابل، وبناء على مفاهيم اليهودية الحـقـة، يعتبر أهل المعمور أجمعون مهيئين للصلاح والخلاص؛ وسبـُـل الوصول إلى ذلك متعددة ومتنـوعة بتعدّد وتنوعَ البشر أنفسهم، وهي موهوبةٌ لهم بنفس نوعية الفضل والجود الإلهيين اللذين بفضلهما أُلـهـِـموا [بالطبع] كيف يُـشبعـون جوعَهم [بالسعي في الأرض]].

وبسبب نفس تلك الاختلافات الثقافية واللغوية والمعرفية، كان قد قال الإمام المخفي في “الرسالة الجامعة” لإخوان الصفا، بعد توضيحه لمزايا الاختلاف في قيام الصلاح وتمامِه:

[[إن المُعلم والمُرشد والمُنبه لكل أمة من الأمم لا يكون إلا منهم، ولا يدعوهم إلا بلسانهم، ولا يأمرهم إلا بقدر ما في وُسعـهم وطاقتهم؛ ذلك من عدل الباري سبحانه، لا إله إلا هو، الرؤوف بخـلـقه، فجعل لكل قوم هاديا منهم؛ وقال عز من قائل {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}،1]].

وفي نفس السياق، يقول المفكر اليهودي المغربي-الإيطالي، إيــلي بن أمازيغ (وُلِـد: 1823) في كتابه “إسرائيل والبشرية” (Israël et l’Humanité) ما يلي:

[[ذلك أنه، إذا أمكـننا أن نتصور مفهوما محليا أوجهويا للإله، يتخذ مع الزمن مظهرا كونيا في نظر أصحابه بعد غـلـبـته على التصورات المنافِـسة، فإنه من المحال تصورُ إله واحدٍ أحدٍ تقـتـصر عـنايتُـه على أمة واحدة على سبيل الحصر، دون سائر الأمم]].

فـفكـر ماندليسون يـبتعد هنا عن حَـرفية الاصطفائية الخلوصية المجسدة المطلقة بمفهومها في “الهاكَـادا” اليهودية (הגדה של פסח) والتي انـحرفت، في مغالاةٍ، عن الفكرة التي ترى أن اصطفاء بني إسرائيل إنما هو اصطفاء تاريخي، من حيث تكريمُهم لسبْق قبولهم بحمل أمانة التعاليم الإلهية حين أعرض عنها الأمّيون (Everryman’s Talmud, p:61)؛ أي أن ذلك الاصطفاءَ اصطفاءٌ للإنسان المبادر إلى مغامرة تحمـّل المسؤولية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَـيـنَ أن يحملـنَها وأشفـقـن منها، وحمـلها الإنسان، إن الإنسان كان ظالما جهولا}ق.ك ، وأن التفضيلَ حاصل بذلك لبني آدم كافةً من حيث قبول الإنسان لرسالة الاستخلاف {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا}ق.ك.

—————

1)  {إنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروحُ الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبِـين}ق.ك. {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فُصِّـلت آياتُـه، أعجمي وعربي}ق.ك (قراءة الحسن البصري).

2)  تشريع نوح: أ-  الأمر بالعدل المدني، ب-  النهي عن كل أوجه التجديف (ومنها شهادة الزور)، ج– النهي عن عبادة الأصنام، د – النهي عن زنى المحارم، هـ -النهي عن قتل النفس، و– النهي عن السرقة، ز- النهي عن كل أوجه الوحشية (مما رُمز إليه بتحريم أكل جزء مقتطع من حيوان حي). {شرع لكم من الدين ما أوصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما أوصينا به إبراهيم وموسى وعيسى}ق.ك

 

عن راهنية فكر مانديلسون

-4-

عودة إلى الدولة والدين والأخلاق

بعد إجماله القولَ في منطق العلاقة التاريخية بين مؤسسة الدولة وكل شكل من أشكال الهيئات الدينية (مختلف أوجه حوزات ومجامع رجال الدين) مما يُجمِله تحت لفظ “الكنيسة” بمفهومها اللغوي כנסת (كنيسيت) الذي يفيد أصلا في اللغة العبرية معنى “جامِع” أو “مَجمَع”، يعود مانديلسون إلى التفصيل، فيقول في القسم الأول من كتابه “أورشليم” (Jerusalem) ما نترجمه عن الصيغة الإنجليزية لكتابه كما يلي:

[[ولعل هذا ما يؤهلنا للإجابة، بشكل مُرضٍ، عن السؤال المعروف جيدا، ألا وهو: ما هو أفضل نظام للحكم؟ إنه سؤال صِيغت بشأنه لحدّ الآن إجاباتٌ عديدة متناقضة، تحوز جميعا مظهرَ الحقيقة. إنه، في الواقع، سؤال فضفاض، يضاهي في عموميته سؤالا في الطب من قبيل:”ما هو أنفع غذاء للصحة؟”. فكل مظهر من مظاهر التعقيد والتنوع، حسب المناخ والسن والنوع وأنماط الحياة، الخ. يتطلب جوابا مختلفا خاصا [عن هذا السؤال الأخير]. ونظيرُ ذلك ينطبق أيضا على سؤالنا في فلسفة السياسة. فبالنسبة لكل شعب، في أيّ مستوى من مستويات التهذيب الثقافي التي يجد فيه نفسَه، يكون شكلٌ مختلفٌ من أشكال الحكم هو الأحسن [له]. فـبعضُ الشعوب الخاضعة لحكم الاستبداد قد تجدُ نفسَها في أقصى درجات الشقاء إذا ما تُـركت لتَحكُم نفسها بنفسها، هي من نفس درجة الشقاء التي سيكون عليها مثلا بعضُ الجمهوريين ممن تشبع وعيهم بروح الحرية واستوعبوا مفهومها، إذا ما تم إخضاعهم لسلطة حكم مطلق. فالحقيقةُ هي أن كثيرا من الأمم ستُـدخِل من التغييرات على نظـُم حـُكمها، عبرَ تطورها، بقدر ما يحصل في ثقافاتها وأنماط حياتها وقناعاتها من تطور؛ وستمُـرّ عبر القرون من كل أطوار صِيَغ الحـُكم بكل ظلالها وتداخلاتها، من الفوضوية إلى الاستبداد. وخلال ذلك ستجد نفسها، في كل فترة استقرار، وقد اختارت أحسنَ صيغة للحكم تـتـلاءم وظروفَـها الذاتية القائمة.

ومع ذلك، فمهما كانت الظروف الخاصة، أجد بأن المعيار القارّ الذي لا يُخطئ في قياس درجة الصلاح والإحسان في أي صيغة معينة من صيغ الحكم، يتمثل في درجة اعتماد النظام المعين، في سعيه لتحقيق غايات الحكم، على الأخلاق والإقناع التربوي، أي في مدى قيام الحُكم على أسـس التربية نفسها. وبعبارة أخرى، يتعلق الأمر بمدى تمكُّـن المواطنِ، في ظل الحُكم المعين، من فُـرصة فهمٍ حيّ ومتوقدٍ لضرورة تخليه عن بعض الحقوق وذلك لمجرد فائدة الصالح العام، ولضرورة تضحيته ببعض الامتيازات لمجرد غاية الإحسان الجمعي، ومدى اقتناعه بأنه، في نهاية الأمر، يستـفيـد من إجماليّ الصلاح والإحسان الجمعيين من جهةٍ، مقابل ما يفـقـده عن طريق التضحية الفردية (…) من جهة ثانية.

ولذلك فليس جديرا بالدولة أن تـنـتـصب كهيئة ضميرية مفعِّـلة وضامنة لكل الواجبات الأخلاقية للفرد، محوِّلةً هذه الواجبات الفردية جميعا إلى صلاحيات حقّ عامّ [تضبطه الجزاءات المدنية]. فالإنسان إنما يشعر بقيمته الخاصة حينما يقوم بفعل كثير من أوجه الصلاح (…) انطلاقا من إرادته؛ أما عندما يفعل أي وجه من أوجه الصلاح العام لمجرد أنه مجبَـرٌ على ذلك، فإنما يشعـر بما يشكله حصولُ ذلك الصلاحُ حينئذ من إكراه خارجي.]]

وتنسحب هذه الأخلاقية عند مانديلسون حتى على الشأن الديني؛ فهو يهـوّن من قيمة التدين القائم على نجرد أسـس الرغبة والرهبة والخوف والاتقاء ولو سمي ذلك بالتقوى (יריאת אלהים)، إذا ما قيس ذلك بـتدين الورَع. فهو يضيف قائلا ما سنعيد هنا إيراده مرتبطا بما يكمله في الجهاز النظري لمانديلسون:

[[وبناء على هذا، فإن واحدا من أهم جهود الدولة هو العمل على أن تمارسَ الحكمَ في الناس من خلال (التربية على) القيم الإخلاقية والاعتقادية؛ والحال أن ليس هناك من سبيل للرقي بالمعتقدات، وبالتالي، لتحسين القيم الأخلاقية، غير سبيل الإقــناع بالموعظة.فالقوانين والتشريعات لا تغير المعتقدات؛ والعقابات والتوابات التحكّـمية لا تولّـد مبادئ، ولا تهذب أي أخلاقفالرهبة والرغبة ليستا مقياسا لحقيقةِ الحالةِ الأخلاقية لطـوّية الإنسان. وحْـدَها المعرفةُ وإعمالُ النظر والإقناع يمكن أن تؤسس المبادئ، التي من شأنها – في تكامل مع دور السلطة ونماذج مُـثُـل الاقتداء – أن تتحول إلى قيم أخلاقية. وهنا بالضبط يأتي دور المؤسسات الدينية المهيكَـلة، في التعاون مع الدولة، وبذلك تكون الكنيسة عُمدة أساسية من عُـمَـد إسعاد المدينة. فمن المهام الأساسية للكنيسة إقناعُ الناس، بأعمقِ ما يمكن، بحقيقية المبادئ والمعتقدات النبيلة، فتبيّـن لهم بأن الواجبات تجاه الانسان هي في نفس الوقت واجبات نحو الله، وأن الإخلال بها في حد ذاتها هو صميم الشقاء – إذ لا يتقي الله من لا يوقّـر ويُـكرّم الإنسان – وأن خدمة الدولة هي عبادة حقيقية لله الذي يُـعتبر الخيرُ وفعلُ الخير أقدسَ أوجه إرادته، وأن المعرفة الحقيقية بالخالق لا يمكن أن تـتعايش في النفس مع أي وجه من أوجه البُغض والكراهية. إن غرس كل هذه القيم الأخلاقية لـمهمةُ الكنيسة وواجبها، ومن صلاحيتها؛ وإن تلقين تلك القيم للناس لمهمةُ وواجبُ دعاتها. (…)

لكن إذا كان طابعُ أمة، ومستوى التهذيب الثقافى الذي بلغته، والنمو الديموغرافي الموازي لتطور مواردها، وكان تعقُّـدُ العلاقات والروابط في حظيرتها، وأوجُه الترفِ المفرط، وغيرُ ذلك من الأسباب، يجعل قيادةَ تلك الأمة بالإقناع وحْـدَه أمرا متعذرا، فإن للدولة أن تلجأ إلى إجراءات عمومية، وقوانين قهرية، من زجر للمجرم، وتواب على الاستحقاق. فإذا رفض المواطن الدفاعَ عن الوطن بدافع حسٍّ باطني، فليُـدفَع به إلى ذلك بجزاء وتواب، أو فليُـكرَه عليه إكراها. فإذا لم يعد للناس أيُّ إحساس بالقيمة الداخلية للعدل، إذا لم يعودوا يدركون بأن الصدق والأمانة في التجارة والمبادلات سعادة حقيقية، فلتــتم معقابةُ المظالم، وليُـعزّر الغش. ليس هناك من شك في أن الدولة، في أحوال مثل هذه، لا تبلغ من المقاصدَ الاجتماعيةَ الغائية إلا نصفَـها. ذلك لأن الدوافع الخارجية لا تجعل الإنسان سعيدا ولو كان لها عليه مفعول. فالفرد الذي يرفض ممارسة الغش لمجرد أنه يحب الإخلاص أسعدُ من ذلك الذي إنما يتحاشى الغش بمقدار ما يخاف من العقاب السلطوي الذي تـقـرنُه الدولة بالغش (…). إن الدفاع عن الوطن [مثلا] في مثل هذه الأحوال قد يتم، وذلك بقطع النظر عما إذا كان المواطنون يحاربون انطلاقا من حُب الأوطان [الذي هو من الإيمان]، أم انطلاقا من مجرد الخوف من عقاب السلطة الوضعية؛ لكن المحاربين سيكونون سعداء في الحالة الأولى، وأشقياء في الحالة الثانية. فإذا كان يتعذر جلبُ الخلاص الباطني للمجتمع بصفة كاملة، فـليـتـمَّ الحفاظُ على السلم والأمن الخارجيـين على الأقل.]].

أما “التشبع بروح الحرية” الذي أشار إليه النص في حديثه عن اختلاف الاستعدادات التاريخية للأمم في ما يتعلق بأنظمة الحكم الملائمة، فإن مانديلسون يستعمله بالمفهوم الحقيقي لـ”التشبع“، أي الحالة التي تصبح فيها قيمُ مفهوم الحرية المستوعَب جيدا مقوّما من مقومات الوعي، وليس مجردَ شعار لفظي سياسي يُستعمل في لحظات ضعفِ دولةِ الاستبداد أو الحكم المطلق، حيث تُخاض باسم ذلك الشعار، وباسم كثير من ألفاظ المبادئ الأخرى، حربٌ تنازع، تـتـنازع، في الواقع والحقيقة، من خلالها نزوعاتُ الاستبداد المتمكـنة في العمق من الفرقاء، الذين يجرؤ كل فريق منهم في مثل تلك الأحوال على الحاكم المستـبـد بِنـيّـة الحلولِ محلـّه في الاستبداد. ومن شأن أحوال الانفلات تلك أن ينشط فيها الفكر والثقافة أحيانا، وذلك وجهٌ أول من أوجه المفارقة. ففي ظل دول الاستبداد أو الحكم المطلق [[يكون الازدهار الفكري وقوة الدولة أمرين متعارضين؛ إذ أن فكرة “الدولة المتحضرة” فكرة حديثة. فكل منهما يعيش على حساب الآخر؛ وكل منهما يزدهر على حساب الآخر. فكل الحقب الكبرى للازدهار الفكري والثقافي هي حقب تدهور وسقوط سياسي]] كما يقول فريدريك نيتشه في كتابه (Le crépuscule des idoles). وتجربة ظروف الأندلس والمغارب، التي ظهر فيها فكر أمثال ابن رشد وابن ميمون وابن خلدون، أبلغ مثال على ذلك. ولذلك فإن الوجه الثاني للمفارقة هو أن الفكر غالبا ما ينتهي على المستوى السياسي والأخلاقي، على إثر أمثال تلك الظروف والأحوال، إلى الحنين من جديد إلى ما يوفره الاستبداد والحكم المطلق من استقرار بالقياس إلى الانفلاتات التي تـنتُـج عن انفكاك نزوعات جيوب التعصب من عقالها. وفي هذا الصدد الأخير يقول مانديلسون، ردا على مثل هذا الجنوح الناتج عن مفهوم شعاري لحريةٍ غيرِ مُـتجذرة في الوعي كمقوم من مقوماته، ما يلي في رد مباشر على فلسفة هوبز التي تمثل نموذجا متكاملا لذلك القبيل من الحنين حسب مانديلسون:

[[لقد عاش توامس هوبز (Thomas Hobbes) في فترة كان فيها التعصب المقرون بمفهوم مشوَّه للحرية لم يعد يعرف حدودا؛ وكان فيها ذلك التعصب مستعدا ليعرك السلطة الملَـكية تحت الأقدام وليـقوّضَ مؤسسةَ المُـلك برُمّتها. وإذ كان هوبز قد سئم من استشراء الفتنه المدنية – وهو الميـّال بطبعه [كمفكـر] إلى حياة تأملية هادئة – فقد اعتبر الهناء والسلامة [المدنيـين] أعظم أوجه الخلاص والسعادة [في المدينة]، بقطع النظر عن كيفية حصولهما. وهو يرى أن هتين المزيتين لا يضمنهما إلا وحدةُ غير منقوصةٍ لأعْـلى سلطةٍ في الدولة [أي سلطة الحاكم]. فهو يعتـقد إذن أن رفاه وسعادة الحياة العامة لن يكونا إلا أحسنَ ضمانا حينما يصبح كل شيء – بما في ذلك أحكامُـنا [الفكرية] حول الصواب والخطإ – خاضعا للقوة العليا للسلطة المدنية. ولإضفاء المشروعية على ذلك، يفترِض هوبز أن الطبيعة قد جعلت الإنسانَ مؤهلا لكل ما حبَـتْـه نفس تلك الطبيعة القدرةَ على القيام به أو الحصول عليه. فحالُ الإنسان باستعداداته الطبيعية تلك هي حالُ قلاقلَ وحروبِ الجميع ضد الجميع، حيث يمكن لكل واحد أن يفعل ما له القدرةُ على فِعله.(1) وقد استمرت [حسب هوبز] هذه الوضعيةُ غير السعيدة إلى أن تواضعَ الناسُ على وضع حد لشقائهم بالتنازل عن الحق والقدرة [الفرديين] كلما تعلق الأمر بسلامة الحياة العامة، وعلى وضْعِ كِلا ذينك الأمرين (الحق والقدرة) في يد السلطة المؤسَّـسة القائمة؛ وبناء على ذلك، يصبح كل ما تأمر به السلطة هو الحقّ والصواب]].

يورد مانديلسون كل هذا ردّا على هوبز، لينتهي إلى عرض نظريته الخاصة به التي ترى في النهاية أنه: “ليس ثمة تعارض [مطلق] بين حالة الطبيعة وحالة المدينة كما يقرر ذلك هوبز“، على حد تعبير محمد عابد الجابري (الاتحاد الاشتراكي، 5 يناير 2000).

وبمناسبة هذا الاستشهاد الأخير، يجدر التذكير هنا، على سبيل الاستطراد والختم، بالطمس غير المفهوم الذي كنا قد أشرنا في الحلقة-1 إلى أنه قد طال فكر مانديلسون. ففي مقاله المشار إليه، والمعنون بــ”من العقد المزدوج إلى الفصل بين الكنيسة والدولة“، يبدي المرحوم م.ع. الجابري استغرابه قائلا:

[[جرَت عادةُ كثير من مؤرخي الفكر السياسي الأوروبي بأن ينتـقـلوا من هوبز إلى لوك (…). فلا شيء يبرر القفز على معاصرهما، المفكر الألماني، بوفيندورف (Samuel von Pufendorf)، الذي عارض هوبز واختلف مع لوك (…)، إضافة إلى ما في آرائه من جِدّة. فقد دشنت أفكاره بحق مسارا جديدا في الفكر السياسي الأوروبي أقرب إلى الحداثة من فكر هوبز.]].

إلا أن استغراب الجابري لتلك “العادة” لم يمتـدّ إلى استغرابِ تغيـيـبِ فلسفةِ مفكر ألماني آخر هو موسى مانديلسون، الذي عالج نفس قضايا الفكر السياسي بروح ما تزال حداثيتها راهنة.

————————————–

(1) يعبر هنا هوبز، بمنهج الفيلسوف، عما عبر عنه عمر بن أبي ربيعة بقوله “… إنما العاجزُ من لا يستبدّ”، والمتنبي بقوله:

والظلمُ من شِيَـم النفوس فإن تجد  *  ذا عِـفّـةٍ فـلِـعـلّـةٍ لا يَـظـلِـمُ

 

Cohen, Abraham (1987). Everyman’s Talmud. Schocken Books. New York

Benamozegh, Elie (1961). Israël et l’Humanité. Edition Albin Michel. Paris.

Mendelssohn, Moses (1986). Jerusalem; or On Religious Power and Judaism. Tanslated by Allan Arkush. Introduction and Commentary by Alexander Altmann. Brandeis University Press. Hanover and London.

Nietzsche, Frédéric (1985). Le crépuscule des idoles. GF. Flamarion. Paris.

Rotenstreich, Nathan (1984). Jews and German Philosophy. The problem of Emancipation. Schoken Books. New York

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!