هل ينسخُ الإسلامُ الأديانَ السابقة عليه ؟

هل ينسخُ الإسلامُ الأديانَ السابقة عليه ؟

هل ينسخُ الإسلامُ الأديانَ السابقة عليه ؟

عن التسامح

بقلم: إيريك جوفروا 

ترجمة هاشم صالح 

هل ينسخ الإسلام الأديان السابقة عليه؟

السؤال المطروح هنا هو التالي: بما أن الاسلام موجود بيننا، فهل يمكن للمؤمنين بالأديان الأخرى أن ينجوا بأرواحهم في الدار الآخرة إذا لم يعتنقوه؟ هكذا تلاحظون أن المسألة الحساسة المتعلقة بنسخ الاديان الأخرى السابقة على الاسلام تطرح نفسها علينا.

بمعنى: هل ينسخها الإسلام أم لا؟ هل لا تزال صالحة بعده أم لا؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن المسلمين يعتبرون الإسلام بمثابة الوحي النهائي والأخير ويعتبرون محمدًا بمثابة خاتم الأنبياء والمرسلين. إنهم يعتبرون الإسلام بمثابة آخر رسالة إلهية وصلت للبشر. هذا هو الاعتقاد الإسلامي الأساسي. في الواقع ان جواب علماء المسلمين على هذا السؤال ليس واحدًا على عكس ما نتوهم. إنهم منقسمون على أنفسهم بخصوص الموضوع.[1]. فبعضهم يقول بأن الاسلام ينسخ كل ما سبقه أو يَجُبّ كل ما قبله من أديان وعقائد، والبعض الآخر لا يرى ذلك.

بعض المفسرين قالوا بأن الآية  الثانية والستين من سورة البقرة المتسامحة التي تعترف بالأديان الأخرى والتي تقول: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” كانت قد نُسخت من قبل الآية الخامسة والثمانين من سورة آل عمران والتي تقول: “ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين”. ولكننا رأينا سابقا أن معنى كلمة إسلام في هذه الآية الاخيرة يشمل جميع المؤمنين بالله والذين يسلمون أنفسهم لمشيئته وليس فقط أتباع محمد.

 إنه معنى آخر لكلمة اسلام، معنى أوسع بكثير. وهناك مفسرون آخرون كالطبري أو الشيعي الطبرسي(م.1153) رفضوا فكرة تراجع الله عن وعده بالنجاة لأتباع الاديان الأخرى المذكورة في الآية 62 من سورة البقرة: وهم اليهود والمسيحيون والصابئون. فكيف يمكن أن يتراجع الله عن كلامه ويدينهم بعد أن كان قد اعترف بإيمانهم؟ وقال هؤلاء المفسرون أن عملية النسخ لا يمكن أن تنطبق إلا على الاحكام الشرعية من (مأمورات ومحظورات). فهي بطبيعة الحال تختلف من سياق إلى آخر أو من عصر إلى آخر لكي تتأقلم مع البيئة والظرف.

من المعلوم أن كل دين كان متمحورًا حول نفسه إبان “العصور الوسطى”. كان هناك انغلاق على الذات ورفض للآخر. كل دين كان يزعم أنه هو وحده الصحيح وبقية الأديان خاطئة. هذا هو منظور العصور الوسطى. ولكن حتى في تلك الفترة فإن بعض المفسرين أو المفكرين تجرأوا على الاعتراف بالطابع الكوني المؤسس لدينهم. بمعنى أنهم اعتبروه جزءًا من الدين الكوني وليس كل الدين. لقد اعترفوا بمشروعية وجود أديان أخرى غيره. ومن أشهرهم ابن عربي. ففيما يخص الناسخ والمنسوخ كتب ما يلي:”والشرائع كلها أنوار وشرع محمد صلى الله عليه وسلم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار الكواكب. فإذا ظهرت الشمس خفيت أنوار الكواكب واندرجت أنوارها في نور الشمس. فكان خفاؤها نظير ما نسخ من الشرائع بشرعه صلى الله عليه وسلم مع وجود أعيانها كما يتحقق وجود أنوار الكواكب. ولهذا ألزمنا في شرعنا العام أن نؤمن وجميع الرسل وجميع شرائعهم أنها على حق. فلم ترجع بالنسخ باطلاً ذلك ظن الذين جهلوا”[2]. هكذا نلاحظ أنه يرفض مقولة ان الاسلام ينسخ الاديان الأخرى. بل ويدعونا للايمان بجميع الانبياء وجميع شرائعهم.

 في الواقع إن أديان الوحي متعددة لأن كل واحد منها تبلور من خلال علاقة خاصة مع الله[3].هكذا نلاحظ أن الله أراد التعددية الدينية عن قصد. ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة ولكنه لم يشأ. وبالتالي بموجب ذلك فإن مفهوم “النسخ” لا يمكن أن يبطل صلاحية الأديان السابقة على الاسلام، ولا يمكن أن ينكر عليها أنها قادرة على إيصال أتباعها إلى النجاة في الدار الآخرة اذا ما آمنوا بصدق وأخلصوا الاعمال والنيات.

 يقول الباحث رضا شاه- كاظمي  في هذا الصدد ما يلي:” من الممكن جدًا أن نمارس الإسلام ونحن نعتقد بكل إخلاص أنه الدين الأكثر اكتمالا لأنه يمثّل الوحي الأحدث عهدا. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى  فإنه يمكننا الاعتقاد بأن الأديان الأخرى حافظت على وظيفتها الإشراقية المضيئة وفعاليتها الروحية فيما يخص أتباعها. يمكننا الاعتقاد بصحة كلا الآمرين في آن معا. لا يوجد أي تناقض هنا بين المقولتين. وأما فيما يخص معرفة إلى أي مدى حافظت على هذه الوظيفة وتلك الفعالية وعلى دورهما وبقائهما فهذا شيء يتوقف على تقييم كل واحد منا وحساسيته. وبالتالي فلا ينبغي أن نرفض الأديان الأخرى بناء على أحكام مسبقة”[4].

وضمن هذا الاتجاه نلاحظ أن عالم الإسلاميات التونسي عبد المجيد الشرفي يؤكد على ما يلي:”أبدا لم يقل القرآن بأن رسالة محمد تنسخ الرسالات أو الأديان السابقة عليه. وإنما كان يعتبرها فقط بمثابة التصديق على هذه الرسالات والهيمنة عليها. ولكن الهيمنة لا تعني النسخ أو الالغاء”[5]. والواقع أن الاسلام بصفته خاتم الوحي السماوي فإن من واجبه أن يحمي مختلف أشكال الايمان. هذا من الناحية المنطقية. وكان أول إيعاز أُعطي للمسلمين وسمح لهم بأن يخوضوا الحرب الدفاعية مرتبطا بالحفاظ على أمكنة العبادة بشكل عام وليس فقط عبادات المسلمين. تقول الآية:” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”[6]. هذا المقطع القرآني يجعل من الدفاع عن الحرية الدينية القضية العليا التي تستحق أن نحمل السلاح من أجلها. وبالتالي فإن هذا المقطع القرآني يتجاوز بأهميته وأبعاده السياق الإسلامي.

وطبقا لأقوال المفسرين فإن المكيين كانوا يناوشون المسلمين الذي استقروا حديثا في المدينة ويعتدون عليهم. ولكن النبي كان ينتظر الأمر الالهي لكي ينزل إلى ساحة المعركة. وبداية الآية الطويلة التي ذكرناها آنفا لغرض آخر يمكن تفسيرها أيضا ضمن منظور الواجب الملقى على كاهل الاسلام من أجل حماية الأديان الأخرى السابقة عليه. لنستمع اليها مرة أخرى:” وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”(المائدة.48).

إن هذا الحرص على حماية الآخرين ووضعهم تحت غطائه قد يبدو بسهولة كمشروع هيمنة للإسلام على ما عداه من الاديان. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فأنه يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: هل طبّق المسلمون المباديء المثالية للاسلام؟ والجواب هو بالطبع لا.

وذلك لسبب بسيط هو إن الانسان في كل مكان، وليس فقط في عالم الاسلام، ضعيفٌ أمام الاغراءات وليس معصوما. الناس ليسوا ملائكة. وهناك دائما فرق بين النظرية والتطبيق، بين المثال والواقع. ولكن هذه المباديء القرآنية المثالية شكّلت بدون شك القاعدة الضرورية التي تأسست عليها الحصافة الدينية الناضجة التي تفتح على أبواب الكونية: أي على التسامح الذي ميّز الإسلام الكلاسيكي في العصر الذهبي. وقد شهد على ذلك كثيرون من بينهم فلاسفة التنوير الاوروبي في القرن الثامن عشر وكذلك العديد من المستشرقين على أثرهم[7]. كلهم أشادوا بعظمة الحضارة العربية الاسلامية في تلك العصور الزاهرة وانفتاحها.

هناك تسامح ناتج عن التعاليم القرآنية الخاصة “بالدين الأساسي” أو “الخالد الذي لا يتغير ولا يتبدل”، أي ما يدعوه القرآن: بالدّين القيّم.  وطبقا لهذا المنظور فإن جميع الأديان التاريخية المعروفة ناتجة عن هذا الدين القيّم الذي لا اسم له غير ذلك. إنه يشمل جميع الأديان بما فيها الإسلام. وبالتالي فهم يعتقدون أن لجميع الأديان أصلاً مشتركا. وهذا ما يدفع إلى التقارب والتسامح. وهناك تسامح آخر ناتج عن كلام النبي حيث يقول: “الأنبياء أبناء علاّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد”. وهناك قواعد متسامحة تنظم العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين كهذه القاعدة مثلا: “لهم ما لنا، وعليهم ما علينا[8]“.

لكن يبقى صحيحا القول بأن المسلمين ينقسمون إلى معسكرين: الأول منفتح، والثاني منغلق. الأول ذو نزعة كونية متسامحة، والثاني ذو نزعة طائفية متعصبة ضد الآخرين. وكل قسم منهما يجيش الآيات القرآنية التي تناسبه وتدعم موقفه. كلٌ منهم يفسرها في الاتجاه الذي يناسبه. وهي آيات تبدو ظاهريا متناقضة فيما بينها، فبعضها يدعو للتسامح، وبعضها الآخر يدعو للتعصب[9]. وهذه الآيات العنيفة اللهجة ضد الآخرين هي التي تُستخدم حاليا من قبل كارهي الإسلام من غير المسلمين للتشنيع بهذا الدين ومحاربته وتشويه سمعته. وهؤلاء أناس لا يعبأون إطلاقا “بأسباب النزول” أو بالحيثيات والسياقات والظروف. أقصد بأنهم لا يهتمون اطلاقا بموضعة الآيات ضمن سياقها التاريخي. كل ما يهمهم هو “البرهنة” على أن القرآن كتاب مليء بالعنف! يبدو لي أن الموقف السليم فيما يخص هذه النقطة الحساسة هو ذلك الذي تبناه محمد شريف فرجاني. يقول هذا الباحث:

“إن الآيات التي تدعو الى التسامح واحترام حرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد ينبغي اعتبارها ذات صلاحية عامة وكونية. وأما آيات “القتال” فهي مرتبطة بظروفها الخاصة في ذلك العصر[10]“. بمعنى أنها مرتبطة بسياقها التاريخي في القرن السابع الميلادي ولم تعد ملزمة لنا. وبالتالي فقيمتها نسبية لا مطلقة على عكس الأولى. وأما بالنسبة للكثيرين من المتصوفة فانهم يقولون ما يلي: لا ينبغي أن ننظر إلى كونية الوحي فقط من زاوية التسامح، وإنما من زاوية الوحدة المتعالية للأديان[11]. هكذا نلاحظ أن الباطنيين يميلون الى التسامح والاعتراف بالأديان الأخرى عموما. وهذا شيء منطقي. لماذا؟ لأنهم وحدهم يرون اللحمة المشتركة أو البنية الداخلية الواحدة التي تجمع بين كل الاديان. إنهم يعتقدون أن لها أصل واحد مشترك. أما الظاهريون فهم عموما ينبذون الأديان الأخرى ولا يعترفون بها لأنهم مسجونون داخل حدود العقيدة الخاصة بهم دون غيرهم.

هذا وقد ساهمت عوامل وأحداث تاريخية سلبية عديدة في انغلاق المسلمين على هويتهم الضيقة أكثر فاكثر. (نذكر من بينها الحروب الصليبية، والانحطاط الاقتصادي والتجاري للعالم الإسلامي، ثم الاستعمار…). وبشكل أعم فإن تلك الصيرورة البطيئة والطويلة والمتواصلة لتكلس الثقافة الاسلامية وتحجّرها ساهمت في هذا الجمود الفكري والانغلاق على الذات. ينبغي العلم بأن الأجيال الأولى من المسلمين كانت عطشى للتنوع والتعددية والتعرف على الآخر والاحتكاك به والتفاعل معه والاستفادة منه. كانت عطشى إلى استيعاب منجزات الحضارات الأخرى وعلومها. أما فيما بعد فقد انغلق العالم الإسلامي على نفسه وأصبح “رفض” الآخر هو القاعدة لديه. وهو رفض يدل على نوع من الأزمة الفردية والجماعية المعاشة بحدة في المجتمعات المدعوة “إسلامية”.

والدليل على ذلك أن مجلس علماء الدين في اندونيسيا أصدر فتوى بتاريخ 27 يوليو 2005 تدين التعددية الدينية الموجودة في المجتمع الاندونيسي. وقد أدان المجلس المذكور الرأي القائل بأن كل الأديان تتساوى فيما بينها، وأن الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنما نسبية. وهذا الموقف السلبي من التسامح مفاجيء اذ يصدر هناك. فالمجتمع الاندونيسي كان من اكثر المجتمعات الإسلامية تسامحا. كان دائما تعدديا من الناحية الدينية والثقافية. وكانت هذه التعددية تشكل جزءا لا يتجزأ من هويته وكيانه. وكان دائما يضطلع بها ويعترف. ولكنه الان أصبح يرفضها…وهذا يشكل تراجعا مؤسفا. ولكن ربما كان مرتبطا بالموجة الاصولية الحالية التي طغت على العالم الإسلامي ككل.

على هذا النحو حدث انغلاقٌ مميت للفكر في أرض الاسلام. وأصبح القرآن وبشكل أعم أخلاقية الإسلام مستعبدين ومستخدمين كأداة لقراءات انغلاقية متشددة وتفسيرات متعصبة خارجة عن السياق التاريخي. إنها قراءات تجهل الفهم الذكي العميق للنص وتزيد من إحباط المسلمين وشعورهم بالمرارة أو نقمتهم على الآخرين. لقد استخدموا القرآن والاخلاقية العليا للإسلام بطريقة فظة، خشنة، تكفّر مثلا المؤمنين غير المسلمين. وهكذا وصفوا بالكفار أتباع أديان التوحيد الأخرى كاليهود والمسيحيين. ولكننا نعلم أن هذه الكلمة (أي الكفر) والتي تحتوي على كثافة معنوية ضخمة تدل بالدرجة الأولى على المكيين غير المؤمنين والمعادين للنبي. فعليهم أُطلقت كلمة الكفار. يضاف إلى ذلك أن المسلمين أفرطوا في الاستغلال الداخلي لهذه الكلمة: أقصد في تطبيقها على فئات إسلامية أخرى من أجل تسفيهها عقائديا والحط من قدرها وإيمانها…فلم يكتفوا بتكفير الأديان الأخرى وإنما كفروا بعضهم بعضا ايضا. والواقع انه سواء أكان المرء مسلمًا أم لا فإنه “يطمر” قليلا أو كثيرا إما الحقيقة وإما الايمان. وبالتالي فنحن جميعا بدرجات متفاوتة “عصاة” أو “كفارا” تجاه النعمة الالهية. إننا لا نعترف بها كما يجب. وهذا هو المعنى الايتمولوجي الأصلي لكلمة كفر باللغة العربية[12]. إنه يعني الطمر والاخفاء. بعدئذ جاء المعنى الإلهى.

إن هذه المسألة، أي مسألة التكفير، حساسة جدًّا بالنسبة للإسلام كما بالنسبة لكل الأديان الأخرى. ولكن عندما نريد أن نفهمها جيدا ينبغي أن نميز بين الخلفية العقائدية لها وبين تقلبات التاريخ واحداثه الواقعية. على الرغم من كل تقلبات التاريخ يمكن القول بأن” القاعدة القرآنية استطاعت أن تفرض تسامحًا مدهشا لا تتقيد به أنظمة اجتماعية – سياسية كثيرة حتى في يومنا هذا” كما يقول أحد الباحثين المعاصرين[13].

 صحيح أنه حدثت مشاكل بين الطائفة الاسلامية الوليدة واليهود القاطنين في ضواحي المدينة. ولكن هذا لم يمنع النبي والأجيال المسلمة التي تلته من احترام الدين اليهودي. وليس من قبيل الصدفة أن يلجأ يهود اسبانيا أفواجا أفواجا إلى بلدان السلطان العثماني الحاكم في اسطنبول. ومعلوم أنهم طردوا من اسبانيا كما المسلمين بعد استعادتها من قبل الكاثوليك عام 1492. وبالتالي فكيف يمكن لأحد أئمة الجوامع أن يلعن كل اليهود زاعمًا بتسرع بأنهم جميعا صهاينة متطرفين؟ هذا في حين أن النبي حذّر من ذلك قائلا: “من آذى ذميا فقد آذاني، ومن آذاني كنت خصمه يوم القيامة”.

وأخيرًا ينبغي العلم بأن مقولة نسخ الأديان السابقة من قبل الإسلام هي مقولة لاغية عفى عليها الزمن من الناحية الدينية. وبدلا من أن يضيع المسلم المعاصر وقته فيها فإن عليه بالأحرى أن يركّز اهتمامه على النسخ الداخلي: أي نسخ تصوراته الخاطئة وأوهامه القديمة، الجامدة، التي تمنعه من رؤية الحقيقة العليا الخالدة والمثولية المحايثة في آن معا، وكذلك الحقيقة المتجددة في كل لحظة.

[1]لكي يطلع القاريء على خلاصة عن الموضوع نحيله الى مادة “النسخ” التي كتبها الباحث ي.شومون في قاموس القرآن الذي أشرف عليه محمد علي أمير معزي.باريس.منشورات روبير لافون.2007.ص 15.

E.Chaumont :”Abrogation” dans M.A.Amir- Moezzi(dir.).Dictionnaire du Coran.Paris.R.Laffont.2007 P 15

[2]انظر ابن عربي. الفتوحات المكية.مصدر مذكور سابقا.الجزء الثالث. ص 153

[3]المصدر السابق. الجزء الاول.ص 265

[4]انظر المرجع التالي للباحث رضا شاه كاظمي: الآخر في مرآة الذات. كونية القرآن والحوار بين الاديان او بين انواع الايمان المختلفة. منشورات كامبردج.جمعية النصوص الاسلامية.2006. ص 241.

R.Shah-Kazemi :The Other in the Light of the One.The Universality of the QURAN AND THE INTERFAITH DIALOGUE;CAMBRIDGE, Islamic Texts Society.2006. P 241

[5]انظر الكتاب التالي لعبد المجيد الشرفي: الإسلام ما بين الرسالة والتاريخ. ص 50.

A.Charfi :L’Islam entre le message et l’histoire.op.cit. P 50

[6]سورة الحج.39-40

[7]فيما يخص المحدثين او المعاصرين  دعونا نذكر فقط الاسماء والمراجع التالية التي تتحدث عن انفتاح الاسلام وتسامحه ابّان مجده الاول. هناك اولا غولدزيهر في كتابه: العقيدة والشريعة في الاسلام. ظهر عام 1920. ثم أعيدت طباعته في باريس عام 2005 من قبل دار نشر ليكلا وغوتنير.ص 29-30

I.Goldziher : Le Dogme et la loi dans l’islam(1920). Paris.L’Eclat et Geuthner.2005. P 29 – 30

وانظر ايضا للباحث أ.فتال الكتاب التالي:المكانة الشرعية لغير المسلمين في بلاد الاسلام.بيروت.المطبعة الكاثوليكية.1958.

A.Fattal :Le statut legal des non-musulmans en pays d’islam.Beyrouth.Imprimerie catholique.1958

وانظر ايضا كتاب برنارد لويس: عودة الاسلام.منشورات غاليمار.باريس.1985.ص 27.

Bernard Lewis : Le retour de l’islam.Paris.Gallimard.1985.P 27

او انظر كتابه الآخر ايضا: يهود في أرض الاسلام.منشورات كالمان ليفي.باريس. 1986.ص 71.

Bernard Lewis : Juifs en terre d’islam.Paris. Calmann-Levy.1986. P 71

[8]وقد ذكّر محمد الغزالي بهذه القاعدة في كتابه: التعصب والتسامح. مصدر مذكور سابقا. ص 87. وقد كان هذا العالم الأزهري يعترف تماما بمرجعية التراث اليهودي- المسيحي للقرآن وتأثيرها عليه(انظر المصدر السابق. ص 86)

[9]يمكننا ان نجد سردا جيدا لها في كتاب الباحث التونسي محمد شريف فرجاني: العامل السياسي والعامل الديني في الساحة الاسلامية.منشورات فايار.باريس.2005.ص 257-258.

M.C.Ferjani :Le politique et le religieux dans le champs islamique.Paris.Fayard.2005.P 257-258

[10]المصدر السابق.ص 259

[11]انظر كتاب اريك جوفروا:التدرب على الصوفية.مصدر مذكور سابقا.ص 273 وما تلاها (وانظر ايضا نفس المرجع في كتاب الجيب بعنوان: الصوفية.مصدر مذكور سابقا)

E.Geoffroy : Initiation au soufisme.op.cit. P273.sq(en poche : Le soufisme.op.cit)

انظر الآية عشرين من سورة الحديد حيث يمكن ترجمة كلمة الكفار الواردة فيها “بالمزارعين” الذين طمروا البذور في التراب 91

وعلى هذ النحو راح الاشتقاق المعنوي يستخدم الكلمة بطريقة مجازية قائلا بان “الكفار هم اولئك الذين طمروا بذور الايمان” كما يطمر المزارع بذور الحب في التراب. بمعنى آخر فان الكافر يخفي الايمان بدلا من ان يظهره ويعترف به.

تقول الآية المذكورة: اعلموا ان الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور.

[13]انظر كتاب المستشرق:م. بوازار. النزعة الانسانية للاسلام.باريس. منشورات البان ميشيل. 1979. ص 199.

M.Boisard :L’humanisme de l’islam.Paris.Albin Michel.1979.P 199

مقالات ذات صله

  1. أحمد ع.

    مقال جيد. يستعمل الباحث جوفروا عدة مصادر قديمة وحديثة داخل الإسلام بمختلف مشاربه الشيعية والصوفية والسنية، وخارج الإسلام من أبحاث المستعربين. ويحاول بشكل موفق المقارنة بين نصوص الإسلام (نظريا) وبين الطريقة التي عاشت بها المجتمعات الإسلامية عبر العصور وحتى عصرنا الحالي (تطبيقيا). فهو بذلك بحث ثري. يحاول الباحث جوفروا أن يدافع عن مبدأ جميل قائم على اعتبار الأيات التي تدعو إلى التمسامح هي الأصل الثابت في الدين الإسلامي. أما بقية الآيات التي تحوي العنف متعلقة بالسياق التاريخي ولا يمكنها أن تكون ناسخة لغيرها بل منسوخة. بطبيعة احال هذه الدعوة جد مهمة لكنها لا يمكنها أن يُعمل بها ما لم تحاول الجمعيات الإسلامية والموسسات الدينية والوزارات الدينية الرسمية أن تصدر مراسيم تنفيذية واضحة في هذا المجال، وما لم يعاد النظر في البرامج المدرسية وفي برامج تكوين الاساتذة.
    بقيتم مشكورين على مساهماتكم في الترجمة ونشر الفكر
    تحياتي

    الرد
  2. احمد

    اظن ان السيد جوفروا لم يفرق بين الدين كعقيدة وهذا هو الدين الذي تتكلم عليه الاية”ان الدين عند الله الاسلام” والاية “وما خلقت الجن والانس ال ليعبدون” اي ليعرفون كما هو متوراث.والدين كشريعة وهو كل ما جاءت به الرسالة المحمدية من صلاة وزكاة وصوم….وان كانت في ما مضى من الشرائع على هيئة اخرى.فالنسخ يقع في العبادات لافي العقيدة وهذا لعمري هو الذي يشير اليه الشيخ الاكبر في كل مؤلفاته.وان كان ان كل من امن برسوله المرسل اليه قبل البعثة المحمدية داخل في دائرة المؤمنين لوهو الذي تشير اليه الا ية “ان الذين امنوا والذين هادواوالنصارى والصابئين…”الاية لانه امن بشرعه المنزل اليه زمان بعثة الرسول المرسل اليه.اما زمن البعثة المحمدية فلابد من الايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته .والا سيكون تعداد الرسل الواحد بعد الاخر من باب العبث وحاشى ولله و كان يكفي رسول واحد.وشكرا على فتح باب النقاش لرفع اللبس

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!