جديد

أن تكون مسيحيًّا في بلادنا

أن تكون مسيحيًّا في بلادنا

أن تكون مسيحيًّا في بلادنا

بقلم: خالد محمد عبده

 

أن تكون مسيحيًّا في مصر فأنت خاضعٌ لتوهّم البعض الذي يتّهمك بالنجاسة! فلا يمكن حسب ظنّهم أن تكون شخصًا طاهرًا (معنويًّا أو مادّيًا) تواجهك تهمة النجاسة أينما توجّهت .. فالنصارى رائحتهم مزعجة للغاية ولا يمكنك كمسلم طاهر تحمّلها! هذا هو الشائع في أغلب بيوتات المسلمين .. النصارى لا يغتسلون! ولا يتطهّرون! وقِس على هذه (القاعدة العامة) كافة التفاصيل التي تتنزّل تحتها، ويلعب فيها خيال المسلم دورًا كخيال كاتب الرواية والناطق بالشعر! 

قليلون جدًّا من (المتعلمين) هنا من شباب المسلمين من يستثني أحد المسيحيين من هذه القاعدة أو لا يؤمن بها، رغم مخالطته لأصدقاء مسيحيين ومجالستهم ليل نهار، لكن المخالطة شيء والاعتقاد شيء آخر! 

ولا أدري من أين أتى هذا المعتقد الفاسد .. فكيف يمكن لمسلم يؤمن بما ورد في سيرة النبي أن يعتقد ذلك .. ألم يجالس النبي وصحابته الكرام النصارى، بل ويطلب استشارتهم كما ورد من حديثه مع ورقة ابن نوفل عن الوحي .. ألم تطلب الصحابة جوار النجاشي المسيحي ويوافقهم النبي على ذلك ويمدح ذلك الملك .. ألم يترك النبي وفد النصارى كما يورد ابن هشام في السيرة يصلّي في المسجد! وهل يدخل بيت الله نجس؟! ربما أضحت العادات عندنا أهم من سلوك النبي الذي نردد دائمًا أنه الأسوة الحسنة!

أن تكون مسيحيًّا في مصر، فأنت في تصوّر البعض من الكارهين للإسلام والمسلمين كراهية تربّيت عليها في الكنيسة والبيت وتورّثها لأبنائك وكل من حولك، جيلاً بعد جيل انعقدت قلوبكم على كره الإسلام والمسلمين! هكذا يعتقد أغلب المسلمين أن جيرانهم وأهلهم من المسيحيين في مصر يكرهون دينهم ونبيهم، ويؤكد لهم ذلك أغلب المشايخ بترديد آية من القرآن الكريم: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ). يندر أن يكون هناك حديث عن المسيحية والإسلام لا تحضر فيها هذه الآية، حتى وإن كانت هناك حادثة أغلب ضحاياها من المسيحيين .. فمن مات منهم فقد خلّص الله المسلمين من شرّه وهو هالك لا محالة! يروّج لهذه الأفكار أغلب خطباء المساجد ولا تخلو مدرسة من المدارس في مصر إلا ويعلّم المدرّس تلاميذه هذا الاعتقاد وإن كانت هناك رقابة في مدرسته أو كانت مدرسة أجنبية فيحاول المدرس ما استطاع أن يزرع هذه الفكرة في قلوب (من يلتمس منهم صلاحًا وطيبة!). يندر أن تجد مسلمًا من هؤلاء يردد أو يقرأ قراءة شارحة لقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) أو قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)! إذا ذكر مسلمٌ هذه الآيات ورددها فلا بد أن تهمة الوهن والضعف تلاحقه أينما كان فهو إما حداثي ماكر أو زنديق يتخفّى وراء بعض الكلمات ..

أن تكون مسيحيًّا في مصر فأنت من المغضوب عليهم والضالين! يعتقد كثير من المسلمين ذلك، وقليل من المؤمنين الذين يرددون فاتحة الكتاب في صلاتهم من يعتقدون غير ذلك، وإذا أردت أن تعرف من أين أتى هذا الاعتقاد؟ أين قال الله في كتابه أن المغضوب عليهم والضالين هم النصارى؟! لن تعثر إلاّ على أقوال بعض المفسرين التي رأتْ ذلك وِفق ما عاشته أو ورثته من أفكار تاريخية، ثم تحوّل الإرث إلى اعتقاد راسخ أقوى من النصّ المقدّس.

قبل أكثر من ألف عامٍ مضى كتب أبو العباس بن عطاء الصوفي تفسيرًا للقرآن، عندما نطالع تأويله لسورة الفاتحة ونقرأ معه آية (غير المغضوب عليهم، ولا الضالين) سنجده يفسّر الكلمة بهذه الصورة العامة (غير المخذولين ولا المطرودين ولا المهانين ولا الذين ضلوا عن طريق هدايتك ومعرفتك وسُبلَ ولايتك) وهو تفسير عامٌ وواسع يمكن للعاقل أن يتفهّمه ويتفق معه .. أما التأويل الذي يحصر المعنى في طائفة أو ديانة بعينها فهو تأويل اقتصاري لا يعي معنى اسم الله (الواسع) أو يتدبر أول سورة الفاتحة التي تبدأ بالحمد لله (رب العالمين) ..

أن تكون مسيحيًّا في مصر عليك أن ترى الإنجيل يمزّق على الشاشات، ويمكنك أن تسمع من أحد المسلمين سبًّا في المسيح وإن كانت دينه لم يأمره بهذا، فالدفاع عن الإسلام يقتضي أن يمارس تجاهك عنفًا لفظيًا ليل نهار، ناهيك عن تطوّر العنف إلى القتل بعد ذلك، لكن ليست هذه الصورة التي تعبّر عن الإسلام، سيضحك المسيحي إن قلنا إن هؤلاء الممارسين للعنف والشتم لا يمثّلون الإسلام كلهم وإن كانوا كثرة، فإن فريقًا ليس بالقليل يرى المسيح والمسيحية في صورة أسمى.

فالمسيح الذي نعرفه من خلال مطالعة ما كتبه صوفية الإسلام مسيحٌ يتعالى على التصنيفات والتحزّب .. مسيحٌ لا يحرم أحدًا حقّ تصوره لحياته .. ينقلك من العتمة إلى النور .. لا يمتهن الميتة فضلاً عن الأحياء.. لا يُحابي أحدًا من أجل العملة .. ترك ما لقيصر له ومضى في طريق الله .. سعى قدمه إلى حتفه بنشره لرسالة .. لم يعلن عن ذاته ليل نهار.. بل ظلّ يقول: إلهي إلهي.. صورة المسيح في تراثنا الصوفي أجمل من كل الصور التي نشاهدها عند أهل المذاهب المتناحرة على امتلاكها وحدها الصواب دون غيرها.

  تعامل الصوفية برقيٍّ مع المسيح الغائب، المسيحُ الذي فتّشوا عنه في أنفسهم فصار حيًّا بالجسد والتجربة والمواقف، ما سجّلوه عن المسيح وإن رأه البعضُ أسطورةً أو رمزًا أو قصة من نسج خيالهم، فقد كان بطلها المسيح الحيّ الذي تجسّد حقًّا بولادتهم، حينما تقرأ أن صوفيًّا يعتبر قلب الإنسان بمثابة عيسى وذِكر الله كـ(لبن مريم) فإذا منح الإنسان الروح غذاءها تطّهرت وتقوت وولد عيسى الباطن في حناياها تظل تبحث عن هذا المسيح الغائب دون أن تكون بحاجة لقصة من قصص بني إسرائيل أو التفاتة لما يقوله التاريخ، هذا باب آخر من الأبواب المفتوحة على عالم لا تدركه الكلمات.

حينما نقرأ اليوم كلام الصوفية اليوم عن المسيح تتداعي إلى أذهاننا مشاهد العنف والكراهية، ونشعر أنه أُريد بنا أن نقرأ حروف العدم مع (أساتذة ومشايخ وعلماء)! لا يعرفون شيئًا عن محمد ولم يلمسوا شيئًا من روحانية المسيح. خلق الصوفية عالمهم نعم .. لكنهم خلقوا عالمًا ساميًا وجميلا ليس للقبح فيه مكان، عجنوا طينتهم الآدمية بمشاعر خالطت كل ذرّة فيهم، فمن رأى أن عيسى عالج كل الأمراض إلا الحماقة كان مصيبًا في رؤيته، ومن رأى أن حمار عيسى هو النفس البهيمية التي لا يصعد المرء بها إلى السماء كان مصيبًا، ومن رأى أن حبة القمح لا تثمر إلى بكلمة عيسى كان مصيبًا، ومن رأى أن شفة محبوبه هي عيسى كان مصيبًا، ومن رأى أن أوتار الرباب كمريم إن كدح الإنسان وتعلّم العزف استطاع أن يبعث من خلالها عيسى النغم كان مصيبًا.. على قدر اجتهادهم في صناعة عالم من الجمال أصابوا وأفادوا وما دمّرت رؤيتهم أحدًا ولا شوّهت عالمًا على عكس صنيع غيرهم الذي أتعس الإنسان ودمّره اليوم.

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!