جديد

تأثير التصوف في المجتمعات الأوروبية

تأثير التصوف في المجتمعات الأوروبية

تأثير التصوف في المجتمعات الأوروبية   

أ.د.فوزية العشماوي،أستاذة اللغة العربية والحضارة الإسلامية بجامعة جنيف

ورئيسة منتدى المرأة الأوروبية المسلمة جنيف سويسرا

مقدمة

إن التطور الاجتماعي في كثير من الدول الغربية قد آدى الى زيادة نسب الطلاق والتمزق الأسري و وإزدياد الحريات الجنسية وإنتشار الإباحية والعنف مما دفع كثير من الأوروبيين الى البحث عن أنماط جديدة من المعتقدات والبحث عن الذات والبحث عن حقيقة الوجود فعثروا على ضالتهم المنشودة في الصوفية الإسلامية التي تمنحهم أحد أنجع السبل والحلول الروحية لمشاكلهم المادية لأنها ترسم لهم طريقا جديدا يساعدهم على الوصول الى درجة أعلى من الوعي ومن التعمق الفكري الذي يستطيعون من خلاله فهم العلاقة بين الإنسان والكون وبين الإنسان وخالق الكون .

 

أولا: انتشار “الإسلام الصوفي” في المجتمعات الأوروبية

ومن الملاحظ حاليا في أوروبا انتشار نزعة الى “الإسلام الصوفي” وطقوسه الروحية بين نخبة من المفكرين والمثقفين الأوروبيين الذين يندرجون في فلسفة البحث عن الحقيقة والتعلق بمعتقد جديد فيه روحانية وسمو وهم يشيدون في كتاباتهم بالقيم الروحية المحببة الى النفس التي يبرزها شيوخ الطرق الصوفية الذين يعيشون في الدول الأوروبية والتي تدعو الى التسامح والإعتدال والإعتراف بالآخر والزهد في متاع الدنيا والتقشف والتفرغ للتعبد والتأمل.

 

 وجدير بالذكر أن كثير من المسلمين المقيمين في الدول الأوروبية متأثرين أيضا بالطرق الصوفية لأنهم يبحثون عن قدوة ونموذج يقتدون به ونظرا لقوة نشاط الطرق الصوفية في المجتمعات الأوروبية فإن المسلمين في هذه المجتمعات يجدون ضالتهم المنشودة في الإقتداء بشيوخ الطرق الصوفية ومن ثم يرتادون المساجد والمراكز الإسلامية التي تدور فيها حلقات الذكر الصوفية . 

 وكثيرا ما يصطحب هؤلاء المسلمون بعض أصدقائهم  من الأوروبيين الى حلقات الذكر هذه فيعجب هؤلاء بالاذكار والأوراد ويتأثرون بمنظر الصوفيين وهم يبتهلون في خشوع تام الى الله فيأخذهم الذكر والمنظر وسرعان ما يدخل بعضهم في الإسلام لشعورهم بالراحة والطمأنينة والسكينة النفسية بعيدا عن الماديات واللهو والخواء الروحي والعنف المنتشر في مجتمعاتهم . ونجد حاليا في الدول الأوروبية مجموعات صوفية متفرعة من الطرق الصوفية الكبرى مثل الشاذلية والتيجانية والنقشبندية وغيرها .

ويرجع بعض الباحثين  في تاريخ التصوف في أوروبا ومنهم المستشرق الفرنسي إيريك جيوفروا  Eric Geoffroy، الذي إعتنق الإسلام وإتخذ إسم يونس جيوفروا وهو متخصص في الصوفية ويعمل في جامعة لوكسمبورج بشمال فرنسا ، وهو يرجع بداية الإتصالات الروحية بين الأوروبيين والمتصوفين الى بداية القرن الـ19 خاصة بين أعضاء فرقة ( الوردة ـ الصليب)Rose-croix  والتي يطلقون علي أعضائها ” المتصوفون الأوروبيون” : كما يشير الى تأثير كتابات الشاعر الفرنسي جيرار دي نرفال Gérard de Nerval        (المتوفي عام 1843)، على قرائه ومعجبيه وعلى كثير من أقرانه من المثقفين الفرنسيين في منتصف القرن التاسع عشر ، وقد تأثر جيراردي نرفال بالدراويش والمتصوفين أثناء إقامته في القاهرة وإسطمبول. كما كان لوجود الأمير عبد القادر الجزائري  في فرنسا لمدة خمس سنوات (1847ـ1852) أثرا عميقا في الأوساط الثقافية والعلمية في فرنسا كما اثار إعجاب رجال الدين المسيحي وخاصة الراهبات الكاثوليكيات اللواتي تأثرن بشدة بأفكاره عن الصوفية .

 

ويرجع الفضل في إنتشار الفكر الصوفي بين المفكرين والمثقفين في فرنسا في بداية القرن العشرين الى شيوخ الطرق الصوفية المغاربة الذين نزحوا الى فرنسا وإستقروا فيها ونجحوا في إستقطاب كثير من المريدين الفرنسيين ومن المهاجرين المغاربة ونشروا بينهم الثقافة الصوفية. ولقد تأثر كثير من المستشرقين الفرنسيين بهذه الثقافة الصوفية ونذكر منهم لويس ماسينيون Louis Massignon وهنري كوربان Henri Corbin والذين أشادوا بالزهد والقيم الروحية عند المتصوفيين وكانت كتاباتهم ذات تأثير كبير على طلاب العلم والمثقفين . والى جانب المستشرقين كان هناك أيضا بعض الأساقفة المسيحيين الذين كتبوا عن الصوفية ومنهم لويس جارديهLouis Gardet ولوجييهLaugier وبوركويل Beaurecueil.

ويعتبر المفكر المتصوف الفرنسي رينييه جينون René Guénon المعروف  بإسم الشيخ عبد الواحد يحي من أوائل المتصوفين الذين ساهموا في نشر الصوفية في فرنسا وهو أول من أرتدى الخيش في فرنسا وقد إنخرط في الطريقة الصوفية الشاذلية في باريس عام 1912 . وهو من أكثر المتصوفين الفرنسيين شهرة في الدول الأوروبية وهو يأخذ بالإستيطان وكتاباته العديدة . وقد تبادل كثير من الرسائل مع أصدقائه من المفكرين الفرنسيين الباحثين عن الحقيقة والتي شرح لهم فيها أسس وأهداف الصوفية طبقا للطريقة الشاذلية مما جعل البعض منهم ينخراط في الطريقة الشاذلية المعتدلة .

ولقد ترك الشيخ عبد الواحد يحي (رينيه جينو) أثرا كبيرا في الأوساط الأوروبية بين مريديه بالرغم من أنه هجر المدنية الأوروبية وهاجر الى القاهرة عام 1930وعاش فيها زاهدا حتى وفاته فيها عام 1951. وطبقا لمجلة البحوث والدراسات الصوفية فإن أتباعه بالملايين في فرنسا وتلاميذه يواصلون مسيرته الروحانية وتلميذه الأشهر هو الصوفي الفرنسي عبد الله كوديوفتش ، الذي قام مؤخرا بترجمة فرنسية لكتاب الفتوحات لإبن عربي .

وقد وصل تأثير الشيخ عبد الواحد يحي الى سويسرا ومن بين تلاميذه الفنان فريتجوف شيونFrithjof Shuon  ( المتوفي عام 1998) وكان كاتبا وشاعرا مرموقا ونشر الفكر الصوفي بين المثقفين السويسريين وترك عدة مؤلفات عن الصوفية ، ومن بين مريديه نذكر ميشال فالسان  ( المتوفي عام 1974)  Michel Valsinالذي إتجه الى طريقة جديدة في الصوفية مستلهما من إبن عربي وقد ساهم في ترجمة ونشر  أفكار وفلسفة إبن عربي في سلسلة أدبية فرنسية في باريس أطلق عليها ” الطبعات القديمة ” Editions traditionnelles ونشر فيها كثير من النصوص الأساسية من التراث الصوفي.

كذلك ظهرت مجموعة من الفنانين الفرنسيين الذين إشتهروا بإنتاجهم الفني المتأثر بالتيار الروحي المتصوف خاصة في رسوماتهم ولوحاتهم التي لاقت نجاحا كبيرا ورواجا غير مسبوق وكل أعمالهم تظهر الشرق في إطار من الرومانسية والروحانية ومن أشهر هؤلاء الفنانين نذكر إتيان دنييهEtienne Denny  وإيفان آجيلي Ivan Agueli .

وفي الوقت الحالي تعتبر الطريقة العلوية هي الأكثر إنتشارا حاليا في فرنسا وقد أسسها الشيخ الجزائري أحمد العلوي ( المتوفي عام 1934) ولقد تفرعت منها عدة فروع لعل أهمها جمعية ” أصدقاء الإسلام” التي أسسها الشيخ خالد بنتونس (1949) والتي تهدف الى التعريف بروحانية الإسلام الصوفي . والشيح بنتونس شخصية معروفة في الأوساط الثقافية الفرنسية وله تأثير شديد على شباب المهاجرين الذين ينضمون الى طريقته وقد أسس لهم  فريق ” الكشافة المسلمون ” في فرنسا ونشر بينهم أهمية الرياضة البدنية إستكمالا للرياضة الروحية . وهو يلجأ حاليا الى شبكة الإنترنيت للتعريف بأهداف طريقته مما يزيد من عدد مريديه .كما أنه يعقد كثير من المؤتمرات والندوات في فرنسا وفي سويسرا لنشر الفكر الصوفي وقد عقد مؤخرا في جنيف في أكتوبر 2010 مؤتمرا ضخما حضره أكثر من ثلاثة آلاف شخص في أكبر قاعة في أرض المعارض ” بالكسبو” Palexpoفي جنيف.

وفي إيطاليا يعتبر الشيخ عبد الواحد بالافتشيني من أبرز المتصوفين ذوي التأثير الشديد على الشباب الإيطالي والمغتربين المسلمين ومريديه من المثقفين ذوي مستوى إجتماعي وثقافي مرتفع

ثانيا : تأثير التصوف على النساء الأوروبيات

وهناك ظاهرة التصوف عند النساء الأوروبيات اللواتي إنجذبن الى التصوف قبل الرجال ونذكر الأسطورة التي ترجع الى العصور الوسطى والتي ذكرها المستعرب الدومينيكاني إيف لوبروتون  Yves Le Breton الذي زار فلسطين في القرن 13 وذكر في كتاباته أنه إلتقى في عكا بإمرأة متصوفة تتغنى بالعشق الآلهي وبأشعار رائدة التصوف النسائي  رابعة العدوية.

وهناك أساطير حديثة عن نساء أوروبيات متصوفات نذكر منهن المتصوفة الفرنسية لوران Lorraine التي تزوجت عام 1872 من شيخ تيجاني من جنوب الجزائر وإنضمت الى الطريقة التيجانية بعد أن إعتنقت الإسلام. ولقد إزدادت ظاهرة النساء الأوروبيات المتصوفات في القرن العشرين ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر المتصوفة الفرنسية السويسرية إيزابيل إيبرهارت Isabelle Eberhard  (المولودة عام 1904) التي يقال أنها إبنة الشاعر الفرنسي الكبير آرتير رامبوArthur Rimbaud  والتي هجرت المدنية والبورجوازية الباريسية وإعتنقت الإسلام بعد زواجها من شيخ صوفي جزائري من الطريقة الرحمانية وتركت عدة مؤلفات باللغة الفرنسية عن التصوف وروحانية الإسلام الصوفي .

وهناك أيضا الكونتيسة الفرنسية فالنتين  دي سان بوان Valentine de Saint Point وهي أيضا من الطبقة الراقية النبيلة في فرنسا فهي إبنة شقيقة الشاعر الكبير رائد  الرومانسية الفرنسيةLamartineوالتي إعتنقت الإسلام وإنضمت الى الطريقة الشاذلية تحت تأثير الشيخ عبد الواحد يحي (رينيه جينو) وكانت مقربة منه. 

        وظاهرة النساء المتصوفات في إزدياد مستمر في المجتمعات الأوروبية المعاصرة ويمكن أن نقول أن هؤلاء النساء يبدأن دائما بمرحلة التخلي أي التخلي عن العادات والمارسات السيئة مثل التخلي عن إرتداء الملابس الخليعة المثيرة للغرائز والتزين والمساحيق والإمتناع عن إرتياد أماكن اللهو والمجون والعدول عن شرب الخمور والكحوليات وأكل الخنزير وما الى ذلك من العادات السيئة المنتشرة في المجتمعات الأوروبية .

ومعظم النساء الأوروبيات المتصوفات يلجأن الى التصوف هربا من الضياع وتفشي الرذيلة والعري والإنفلات الجنسي وشعورهن بالمهانة والإمتهان من الصورة التي أصبحت عليها المرأة خاصة في مجال الإعلام وفي الإعلانات حيث يتم إبراز مفاتن جسد المرأة وكأنها سلعة معروضة للبيع وكثيرا ما يتم إستخدام جسد المرأة العاري للإعلان عن أي سلعة يراد بيعها والإعلان عنها حتى وإن لم يكن لها أي علاقة بجسد المرأة .

وتجدر الإشارة هنا الى الدور الهام الذي تقوم به النساء المتصوفات في المجتمعات الأوروبية لأنهن يعطين صورة مشرفة عن المرأة المسلمة خاصة أن معظم النساء المسلمات في أوروبا مهمشات ومعرضات للتمييز العنصري في ظل الصورة المشوهة التي تنقلها وسائل الإعلام الأوروبية والتي تظهرهن بأنهن ضحية للزواج القسري والعنف الأسري وجرائم الشرف. ومن ثم فأن النساء المتصوفات يعملن جاهدات على تصحيح هذه الصورة حيث ينشرن مبادئ الإسلام السمحة ويتعاملن مع الجميع بلطف ومحبة مع الإخلاص في العمل والصدق في التعامل فيصبحن قدوة تقتضي بها كل إمرأة في محيط العمل وفي التجمعات النسائية المختلفة مما يساعد على إنتشار الفضيلة في هذه المجتمعات الأوروبية.

        وبعد مرحلة التخلي تتوصل النساء المتصوفات الى مرحلة الرقي والسمو الأخلاقي والذوبان في حب الله والعشق الإلهي للوصول الى التقوى والورع الذي وصفته رائدة التصوف النسائي رابعة العدوية في أبياتها المشهورة:

        وياليت الذي بيني وبينك عامر          وبيني وبين العالمين خراب

        اذا صح منك الود فالكل هين            وكل الذي فوق التراب تراب

الخلاصة :

        لقد إزداد في الآونة الأخيرة وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إهتمام الغرب بالصوفية وبما يطلقون عليه ” الإسلام الصوفي” ويبدو ذلك واضحا من خلال كثرة عدد المؤتمرات والندوات التي تعقد في الدول الأوروبية وتكون محاورها الرئيسية عن الصوفية والفكر الصوفي . ولقد صدق المفكر الإسلامي الكبير د عبد الوهاب المسيري عندما قال:” إن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجع الحركات الصوفية ومن أكثر الكتب إنتشارا الآن في الغرب مؤلفات محي الدين  ابن عربي وأشعار جلال الدين الرومي … ولقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الصوفية فالزهد في الدنيا والإنصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي .”

ومن المعروف أن السياسة الغربية الحالية تهدف الى مصالحة التصوف الإسلامي ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية وفق ضوابط الإعتدال والتسامح لمواجهة التيارات الإسلامية المتطرفة ومحاربة الفكر الوهابي بالفكر الصوفي المعتدل . ونحن نؤيد قول المستشرق الألماني ستيفان رايشمون :” إن مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتما للتيار الصوفي “.

وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والسداد للأمة الإسلامية.

                                                          د.فوزية العشماوي

                                              أستاذة اللغة العربية والحضارة الاسلامية

                                                      جامعة جنيف  سويسرا

مقالات ذات صله

1 تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!