الوقت عند الصوفية

الوقت عند الصوفية

الوقت عند الصوفية

عبد اللطيف العبد

لغة: وقت العمل جعل له وقتا يؤدى فيه. والوقت: مقدار من الزمان قدر لأمر ما، وجمعه أوقات. (1)

وقوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا  (النساء103) أى مفروضا فى الأوقات. (2)

والله عز وجل هو الذى يخلق الوقت أو الزمان ويحدده. وكثيرا ما يتحدد بالليلة لارتباطه بالهلال أول الشهر. والوقت يحكم الإنسان، ولا يحكم الله عز وجل. (3)

واصطلاحا: الوقت عند الصوفية عبارة عن العبد (4) فى زمان الحال(5)، أى عندما يتصل وارد من الحق بقلبه، ويجعل سره مجتمعا فيه، بحيث لا يذكر في كشفه الماضى ولا المستقبل. (6) ويشير القاشانى (ت 735 هـ) إلى أن ما حضر العبد فى الحال ( 7): إن كان من تصريف الحق، فعلى العبد الرضا والاستسلام. وإن كان مما يتعلق بكسبه، فليلّزم ما أهمه فيه بعيدا عن الماضى والمستقبل، فإن تدارك الماضى تضييع للوقت الحاضر.

كذلك الفكر فيما يستقبل، فعساه ألا يبلغه، وقد فاته الوقت؛ ولهذا قال أهل التحقيق: “الصوفى ابن الوقت ” أى إنه مشتغل بما هو أولى به فى الحال.

ويشير أبو على الدقاق إلى أن الوقت عند الصوفية ما كان هو الغالب: إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وان كنت بالحزن فوقتك الحزن.

وقد يريدون بالوقت: ما يصادف الصوفى من تصريف الحق له دون ما يختاره لنفسه ويقولون: “فلان بحكم الوقت ” أى إنه مستسلم لما يبدو له من الغيب، من غير اختيار له.

 وهذا فيما ليس لله تعالى عليه فيه أمر أو اقتضاء بحق الشرع ؛ لأن التضييع لما أمر به، وإحالة الأمر فيه على التقدير، وترك المبالاة بما يحصل منه من التقصير: خروج عن روح الدين.

 ويشير الصوفية كذلك إلى أن” الوقت سيف ” أى كما أن السيف قاطع، فالوقت غالب بما يمضيه الحق.

وقيل: “السيف ليّن مسّه، قاطع حدّه ” فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم. كذلك الوقت بمفهوم الصوفية: من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردّى، وأنشدوا:

 وكالسيف إن لاينته لان مسه                         وحدّاه إن خاشنته خشنان

فالصحبة مع السيف خطر: “إما ملك وإما هلك “، ولو حمله صاحبه ألف سنة فلن يفرق فى حال القطع بين رقبة صاحبه ورقبة غيره؛ لأن صفته القهر.

وقيل أيضا: من ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده الوقت فعليه مقت. وسمع القشيرى أبا علىٍّ الدقاق يقول: “الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك “: أى يأخذ من العبد، دون أن يمحوه بالكلية. وكان الدقاق ينشد:

كل يوم يمر يأخذ بعضى                 يورث القلب حسرة ثم يمضى

وأنشد أيضا:

كأهل النار إن نضجت جلود            أعيدت للشقاء لهم جلود

وهو فى معنى:

ليس من مات فاستراح بميت           إنما الميت ميت الأحياء

ويرى القشيرى أن الكيس هو: من كان بحكم وقته:

( أ) إن كان وقته الصحو، فقيامه بالشريعة.

(ب) وإن كان وقته المحو، فالغالب عليه أحكام الحقيقة. (8)

ويرى علماء الصوفية، أن الخلق تتفاوت قدراتهم وأحوالهم فى مسألة “الوقت “، لكن الصوفية يصرحون بأنهم يعيشون فى الوقت سرورا مع الحق، فإذا انشغل الواحد منهم بالغد، أو قلب التفكير فى الأمس، حجب عن الوقت، والحجاب تشتت.

ويقول أبو سعيد الخراز،”  لا تشغل وقتك العزيز إلا بأعز الأشياء، وأعز أشياء العبد شغله بين الماضى والمستقبل.

ولهم فى ذلك أسوة برسول الله ، حين عرض عليه فى ليلة المعراج زينة ملك الأرض والسماء، فلم ينظر إلى أى شىء ؛ لقوله تعالى: ما زاغ البصر وما طغى (النجم 17)، لأنه كان عزيزا، ولا يشغل العزيز إلا بالعزيز، ولم يتجاوز ما أمر به.

ويشير الهجويرى (ت 5 46 هـ) إلى أن أوقات الموحد وقتان: أحدهما فى حال الفقد، والثانى فى حال الوجد، وفى كلا الوقتين يكون الموحد مقهورا ؛ لأنه فى حال الوصل يكون وصله بالحق، وفى الفصل يكون فصله بالحق.

ويحكى الجنيد أنه رأى درويشا فى البادية يجلس تحت شجرة ذات شوك، وظل هكذا منذ اثنتى عشرة سنة ؛ لأنه كان يتوجع على وقت ضاع له فى ذلك المكان. فمضى الجنيد إلى الحج ودعا له فاستجيبت دعوته، ومع هذا أصر الدرويش على البقاء فى نفس المكان الصعب حتى يموت ويخلط ترابه بتراب ذلك الموضع، ويرفع رأسه يوم القيامة من هذا التراب الذى صار محل أنسه وسروره. (9)

وقد اهتم الصوفية بالتفريق بين الوقت والحال:

فالحال هو الذى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل ؛ (10) فالحال وارد على الوقت، يزينه مثل الروح والجسد.

والوقت لا محالة يحتاج إلى الحال: لأن صفاء الوقت يكون بالحال، كذلك فإن الغفلة تجوز على صاحب الوقت، ولا تجوز على صاحب الحال.(11)

وأخيرا فإن الصوفية لديهم ما يسمى “الوقت الدائم ” أو ” الآن الدائم “، (12) وهم بهذا يشيرون إلى حقيقة الزمن بالنسبة لله عز وجل، حيث لا ينقسم الزمن هناك، ولا يتميز إلى ماض وحاضر ومستقبل.

 

المراجع

1- مجمع اللغة العربية: المعجم الوجيز. مادة “وقت” طبع وزارة التربية والتعليم بمصر.

2- محمد بن أ بى بكر الرازى: مختار الصحاح 666 هـ: مادة (وقت) ط إستانبول- تركيا  08 4 1 هـ/ 1987 م.

3- الفتاوى الكبرى (الشيخ محمد متولى الشعراوى): حوار لأحمد زين ص. 80 ،261، 1 0 6، مكتبة التراث الإسلامى بالقاهرة 7 0 4 1 هـ/ 1987 م.

4- التعريفات – الجرجانى – ط البابى الحلبى بالقاهرة 1357 هـ/ 1938 م ص 227.

5- رسالة فى اصطلاحات الصوفية (ضمن التعريفات  للجرجانى) ابن عربى ص 234، ط البابى الحلبى بالقاهرة 1357 هـ/ 1938 م.

6- كشف المحجوب، الهجويرى. دراسة وترجمة وتعليق دكتورة / إسعاد عبد الهادى قنديل. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة. 1395 هـ/ 1975 م . 

7- اصطلاحات الصوفية، القاشانى تحقيق وتعليق: د. محمد كمال جعفر ص 53. الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر 1981 م.

8- الرسالة القشيرية، القشيرى ص 53 مكتبة صبيح بالقاهرة 1386 هـ/ 1966 م.

9- كشف المحجوب، الهجويرى 2: 614.

10- رسالة فى اصطلاحات الصوفية ص 234، ابن عربى..

11- كشف المحجوب 2: 615.

12- اصطلاحات الصوفية، القاشانى: ص 54 من تعليق د. كمال جعفر

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي، لا يمكن نسخه!!